الثلاثاء، 30 يونيو 2020

الشبح

الشبح
يفصل بينهما أكثر من ألف و خمسمائة كيلومتر ؛ أو ساعتان بالطائرة، مع ذلك فضل أن ينام، ويراها في الأحلام ؛ فالحرب ذهبت بكل ما جمعته سنوات الغربة !
      والفقر الذي طرده من دياره ؛ ها هو شبحه يطل بوجهه المخيف ، ويطارده في أرض الأحلام ! 
تأليف/ متولي محمد متولي بصل
دمياط

أطول ليلة في عمري

  أطول ليلة في عمري 
   لم أدخل العناية المركزة من قبل ، والليلة رأيت نفسي في أحد غرفها  ؛ ربما كان هذا مجرد كابوس مزعج ، الهدوء المريب الذي يلف المكان يستفزني ! هدوء عجيب لا أسمع فيه إلا صوت النبضات الآلية الصادرة من جهاز بجانبي له شاشة تشبه شاشة التلفاز  !
     كنت أرى السقف بعيني يلمع مثل سطح مرآة فضية ؛ تعكس صورة أشخاص يرقدون مثلي على الأسرة المجاورة؛ فالغرفة كبيرة مقسمة إلى حجرات تفصل بينها الستائر ؛ كانوا خمسة وأنا سادسهم ، لكنهم كانوا شيوخا و عجائز ! إن عمري لا يكاد يصل إلى ربع عمر أصغرهم!
     قفز إلى رأسي سؤال مخيف  : - ماذا أفعل في هذا المكان ..  ..  ؟!
     أيقنت أنني لا أحلم بمجرد أن حقنتني ذات الرداء الأبيض والوجه الملائكي بالمهديء ؛ لم أشعر بسن الإبرة وهو يخترق مبسم الكانولا المغروس سنها في ذراعي ؛ ملمس بشرة أناملها الناعمة فقط جعلني أرتبك ، وبدأ الخدر يسري في وريدي ويتسلل إلى كل أعضائي ! و قبل أن أفقد الوعي، رأيتها تبتسم لي ابتسامة زهور الربيع النضرة؛ وهي تقول لي  ، وما زالت الابتسامة تنير وجهها الذي أشرق كالبدر 
     -   الحمد لله ..  ..  أنت تتحسن بسرعة ..  ..  كنت بين الحياة و الموت .. .. يا ترى ما السبب يا كتكوت ؟!
كتكوت  ..  ..  كتكوت  ؟! كانت جدتي تقول دائما أن الكتكوت الفصيح من البيضة بيصيح ! وأمي كانت تخصص حجرة كبيرة لتربية البط و الدجاج ؛ وكانت تأذن لي في إطعامها ، و في جمع البيض ، كانت أسعد أوقاتي هي التي أقضيها و أنا أجمع البيض ؛ وكنت أتساءل من أين جاء كل هذا البيض؛ والحجرة ليس فيها إلا البط والدجاج ، والكتاكيت ! حتى جاء يوم أغبر؛ وقفز الديك  الأحمر الكبير ، ونقرني في جبهتي نقرة قوية فتحت حاجبي ، وفجرت الدماء الراكدة في شراييني ؛ فلطخت وجهي و ملابسي؛ ذلك اليوم أظن أنه لم تطلع فيه الشمس ! قضيناه في المستشفى ، وسمعت أمي تقول متوعدة أنها عندما تعود ستذبح ذلك الديك المتغطرس ، وكانت تتعجب كيف حدث ما حدث رغم أنها تقص مناقير الديكة باستمرار حتى لا يقتل أحدها الآخر أو يصيبه !
     عندما أفقت كان الجميع نائمين ؛ عرفت ذلك من نظرة واحدة للسقف ! كنت أنظر إليه وكأنني أنظر في المرٱة ! يا ويلي ما الذي جاء بي وسط أهل الكهف ؟! لا ..  .. لا ..  أهل الكهف كانوا شبابا ، أما هؤلاء فقد بلغوا أرذل العمر ؛ إنهم موتى ولكن خارج القبور ! ووجدتني أتساءل متعجبا :
     -   هل سأصل إلى ذلك العمر يوما ما ؛ فيبيض شعري ، وتسقط كل أسناني، ويتقوس ظهري ، وأصبح جلدا على عظم ؟!
انتزعني من كل هذا إحساسي ببرودة شديدة تتسلل إلى عروقي ! عرفت أنه من تأثير الحقنة الجديدة التي حقنت بها الممرضة المحلول المعلق في الحامل الحديدي بجانب سريري فتحت عيني لأرى وجهها ، أصابني الحزن عندما رأيته ؛  فلم يكن هو وجه الأميرة التي كانت معي في أحلامي منذ لحظات ! بل كان وجه ممرضة أخرى ، أكبر سنا ، وأقل حسنا !
     ابتسمت لي ، وجلست على حافة السرير ، وانطلقت تحكي لي حكايتها ؛ حسبتها مجنونة ؛فقد أخبرتني بأشياء لا أدري كيف انزلقت من بين شفتيها ! مر وقت طويل وهي لا تكف عن الحديث ، ورغم أنني لم أكن أرى في المكان أي شيء يخبرني الوقت إلا أن دقات قلبي كانت تؤكد لي أنه قد مرت ساعتان أو أكثر ! والمرأة لا تزال تحكي حتى بدأت أشعر أن رأسي تدور ، فهمت من كلامها أنها تزوجت وهي صغيرة ، وأنجبت بنتا  ، وأن زوجها كان يحبها في البداية ، ولكنه بعد فترة أدمن الشرب ، وبدأ يشارك أصدقاءه في لعب القمار ، ومن وقتها تحولت حياتهم إلى جحيم ؛ يضربها أشد الضرب ويهينها أمام الجميع ؛ وفجأة قامت وكشفت لي عن أماكن في جسدها تقول أنه كان يلطعها بالنار  ! انتبهت كمن لدغته أفعى ، و أردت أن أصرخ في وجهها ، هذه المخبولة ستتسبب لي في فضيحة وأنا على هذه الحالة !
نظرت إلى السقف الفضي ؛ إنه مرآتي الآن ؛ اطمأن قلبي عندما تأكدت أن الجميع يغطون في نوم عميق .
     درجة الحرارة بدأت ترتفع ؛ لدرجة أن حبات من العرق بدأت تتكور فوق جبيني ؛ مدت المرأة يدها تمسح عرقي بنفس المنديل الذي تجفف به دموعها! وهي تبتسم لأول مرة ، وتقول 
     -   انت عرقت ..  ..  مع إن التكييف شغال !
ثم نظرت في ساعتها ؛ ومدت يدها وفتحت الصندوق الطبي الصغير الذي على المنضدة وأخرجت حقنة و بدأت في تجهيزها ، ثم حقنتني ؛ عصبيتها وهي تفتح غطاء الكانولا ، ثم وهي تحقنني ؛ جعلت السن المغروس في وريدي يتحرك و يسبب لي ألما رهيبا ، لكن سرعان ما بدا الخدر يسري في عروقي ، وقبل أن أفقد الوعي رأيتها تبتسم ابتسامة صفراء !
     أسمع أصوات كثيرة تتداخل وتتشابك ، و لا أستطيع أن أميز أي صوت منها ، هل هي أضغاث أحلام ؟! لا ..  ..  لا لقد عرفت الآن ؛ إنهم جيراني .. لقد استيقظوا ليس هذا فحسب ولكن لديهم زوار أيضا ؛ أبناء وأحفاد ؛ كنت أرى صورتهم في مرٱتي الجديدة المعلقة في السقف ، تنبهت إلى أن الجميع لديهم زوار إلا أنا ! ذكرني هذا بأنني لا أذكر شيئاً ؛ يا إلهي لقد نسيت من أنا ! بدأت أعصر مخي ، حتى أستعيد بعض ذكرياتي لكن بلا جدوى ، أشعر وكأني أدور في متاهة  ؛ ولم ينتشلني منها إلا صوت أقدام تقترب ، ربما زوار جاؤوا من أجلي ؛ فوجئت بطبيب ومعه أحد ملائكة الرحمة نظر في أحد السجلات وكتب فيه شيئاً ، ثم ابتسم لي وهو يقول
     - الحمد لله على سلامتك .. .. أنا كتبت لك بعض الأدوية التي ستأخذها لمدة أسبوعين 
جهز نفسك للخروج يا بطل !
ثم انطلق هو والممرضة التي معه إلى الحالة التي بعدي ؛ وتركني أغرق في دوامة كبيرة لا أعرف لها بداية و لا نهاية ! 
تأليف متولي محمد متولي بصل
دمياط
١/٧/٢٠٢٠ م



الخميس، 25 يونيو 2020

الملاك الذي أصبح شيطانا !

الملاك الذي أصبح شيطانا !

     لا يدري لم أصبح يكره المدرسة ! إنه ما زال في الصف الخامس الابتدائي ، ومع ذلك يشعر بالضيق الشديد  لدرجة الاختناق كلما سمع اسمها ! حتى حصة التربية الرياضية التي كان ينتظرها كل أسبوع ؛ و يحرص على ألا يغيب عنها ، أصبح لا يشعر نحوها بأي اهتمام ؛ منذ أن أبعده المعلم عن اللعب بحجة أنه لم يحضر الزي الرياضي المطلوب !

     كان ساخطا جدا لدرجة أنه تمنى لو يصرخ في وجه المعلم بأعلى صوته ؛ ويقول :

_  ما ذنبي .. .. أتعاقبني ، وتحرمني من لعبة الكرة التي أحبها ؛ لأن والدي فقير ، ولا يستطيع أن يشتري لي زيا رياضيا ؟!

بداخله بركان هائل ، يتحين الفرصة ليعلن ثورته ، في المدرسة ؛ أصبح يفتعل الكثير من المشاجرات ؛ يتعارك مع زملائه لأتفه الأسباب ! وفي الشارع  ؛ يكسر كل ما يقابله طالما لا  يراه أحد ؛ لدرجة أنه كان يسرق بعض المعروضات الزجاجية من أمام المحل المجاور للمدرسة ، وعندما يصبح بعيدا عن العيون ؛ يقذفها في الهواء لتسقط محدثة فرقعة كبيرة !

     وفي البيت ، ما أكثر المشاكل التي أصبح يسببها لوالديه ؛ لدرجة أنه كان سيتسبب في طلاقهما أكثر من مرة !

     كان في قرارة نفسه يعرف أنه ربما يكون قد تحول إلى شيطان صغير ؛ ولكنه كان يبرر ذلك متعللا بأن أحدا ممن حوله لا يهتم بسعادته ؛ فلماذا يهتم هو بعدم إفساد سعادتهم !

     قبل توقف الدراسة بأيام بسبب المدعو " كورونا " ، استقبل فصله تلميذا جديدا ؛ قدمته لهم معلمة الفصل ؛ وعرَّفتهم به ؛ ومن خلال كلامها فهم أنه من بلد عربي شقيق ؛ جاء به خاله فرارا من الحرب التي خربت ديارهم ، وقتلت أحبابهم ؛ لقد قتلت كل أسرته ، أبويه وإخوته ! ولم تترك له إلا خاله !

     تعجَّب من هدوئه ، ومن دماثة خلقه ، ومن أدبه الجم ، حتى معه هو ! فقد تعمَّد إحراجه أمام زملائه ، ودفعه أكثر من مرة حتى كاد يوقعه على الأرض ، وكان يقول له ساخرا :

_  أيها اللاجئ  !

ومع ذلك ، كان يبتسم له ، ويرد عليه بلطف ، ويقول له :

_  يا أخي !

     توقفت الدراسة ؛ واستسلم الجميع للحبس المنزلي ؛ الذي زاده ضيقا واختناقا ؛ ووجد نفسه يستعيد ذكريات هذه الأيام القلائل ، ويتذكر ذلك الملاك الذي كان يجلس على بعد خطوات قليلة منه ؛ ووجد نفسه يقول :

-  مؤكد هو ملاك من السماء ! لقد فقد أهله ، وبيته ، وأصدقاءه ، وزملاءه ؛ فقد الكثير لكنه -  رغم أنه صغير مثلي -  لم يفقد إيمانه ، ولم تتغير أخلاقه ؛ ما زال يتعامل مع الناس بكل أدب ولطف !

     في منتصف إحدى الليالي ؛ استيقظت أمه على صوته ؛ فوجئت به يفترش سجادة أبيه ، ويطيل السجود ، ويدعو ! امتلأ قلبها سعادة ؛ واقتربت منه ، وهي لا تصدق عينيها ؛ سمعته يقول :

-  يا رب احفظ أبي وأمي يا رب ، واحفظ بلادي يا رب !

تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط

25 / 6 / 2020 م

 


الأربعاء، 24 يونيو 2020

المعركة

 المعركة
    كل يوم كان يذهب بطائرة ورقية ؛ ثم يرجع بدونها ! فزملاؤه أكثر منه خبرة في هذا المجال ؛ وكان من السهل عليهم أن يسقطوا طائرته البسيطة بطائراتهم الأكبر ، والأفضل صنعا . 
     في هذا اليوم خرج بطائرته الجديدة التي أتقن صنعها ؛ وكان حريصاً على أن يحافظ عليها ، و يعود بها .
     كاد يطير فرحا و هو يراها تعلو وترتفع ؛ وكما توقع ؛ لم يجرؤ أحد على إسقاطها ؛ فقد تعمد أن تكون ألوانها نفس ألوان العلم المقدس !
     الجنود في المستوطنة القريبة كانوا كعادتهم سعداء ؛  بانشغال هؤلاء الشياطين - كما يطلقون عليهم - باللعب ؛ فقد أنستهم هذه الطائرات عملهم اليومي ، وهو رشقهم بالحجارة !
     لكن في هذا اليوم بمجرد أن ارتفعت الطائرة في الهواء ؛ فوجيء الجميع بقذيفة نارية حولتها إلى رماد ! و بالجنود يتراقصون فرحا ؛ وكأنهم قد انتصروا في معركة حربية !
     فما كان من الأولاد إلا أن تركوا طائراتهم للريح ! وانطلقوا يجمعون الحجارة ؛ ويتسابقون في رشقهم بها  .
   أما هو فلم يعد مثل كل مرة بدون طائرته ؛ بل عاد ملفوفا في العلم !
تأليف/ متولي محمد متولي بصل
دمياط
٢٤/٦/٢٠٢٠ م

الثلاثاء، 23 يونيو 2020

الطفل الذي أسقط طائرتهم !

الطفل الذي أسقط طائرتهم
     كل يوم كان يذهب معهم ، ويجمع مثلهم قطعا من الحجارة يملأ بها كيسا من القماش ، لكنه لم يكن يشاركهم في رشق المستوطنين وجنود الاحتلال بها ،  حتى حسبوه جبانا  . 
     كان كثيرا ما يسمع بعضهم و هم يسخرون منه ، لدرجة أنهم كانوا فيما بينهم يسمونه (ابن أمه ) وكثيرا ما كان يسمعها منهم، فيشعر بالحزن الشديد  ، صحيح أنه وحيدها ، لكن لهجة الاستهجان والسخرية التي يقولونها بها كانت تمزق قلبه كالسكين !  
     كان يتركهم ويذهب متسللا إلى إحدى العمارات السكنية العالية القريبة من الجدار العازل ؛  ويقضي وقتاً طويلاً فوق سطحها ؛ يتابع ببصره الطائرة التي تحلق فوق المكان يوميا ؛ إنها لم تخلف موعدها قط ! سمعهم يتحدثون عنها في قنواتهم ، ويتفاخرون بها وبأخواتها ؛ إن الكاميرات الموجودة فيها تكشف لهم كل صغيرة وكبيرة في القطاع ؛ منظومة جديدة للمراقبة يسمونها " النجم الساطع " ، دقيقة واحدة وتصبح أقرب ما تكون ؛ صوب نحوها ، كل يوم يرشقها بالحجارة لكنه حتى الآن لم يستطع إصابتها ، صرخ بأعلى صوته ( الله أكبر ..  ..  الله أكبر) ؛ لم يصدق عينيه ، وهو يراها تترنح في الهواء ثم تسقط فوق أغصان شجرة قريبة ؛ نزل سلالم العمارة بسرعة متلهفا ؛ وقطع الطريق غير آبه بالسيارات المندفعة ! وصل إلى الشجرة ، لكنهم كانوا قد وصلوا قبله ؛ أحاط به مجموعة منهم  ، و قيدوه و ألقوه على الأرض ، بينما قام الآخرون بتخليص الطائرة الصغيرة من بين الفروع المتشابكة ، اقترب منهم بعض الأهالي يستطلعون الأمر وبينهم مجموعة من الصغار إنهم زملاؤه ، لقد عرفهم ،  بدأوا يرشقونهم بالحجارة كعادتهم كلما رأوهم ، كان الجنود يحيطون به كقطيع من الذئاب أو الضباع المفترسة !
و هم يقتادونه و لا يكفون عن ضربه وركله !           قبل أن يفقد وعيه ، سمع أحد زملائه وهو يقول للبقية ( إنه هو  هو ..  ..   ابن أمه ) ، لكن وقعها هذه المرة على أذنيه جعله يشعر بالفخر  .
تأليف/ متولي محمد متولي بصل
دمياط
٢٣/٦/٢٠٢٠ م  
     

الاثنين، 22 يونيو 2020

شعبان في خبر كان. ٢

شعبان في خبر كان  ٢
     موقف رأس البر في الناحية الأخرى من النهر، فضل أن يمشي ويعبر الكوبري العلوي بدلا من ركوب السرفيس أو المعدية  ، إن المشي سينعش تفكيره فهو حتى الآن لا يعرف فيما سيعمل !  الشغل في رأس البر كثير على البحر ، وعلى النيل ، وفي السوق  ، وفي الكازينوهات  ، والمقاهي  ، والمطاعم المنتشرة  ، لكنه حائر يتساءل ماذا سيشتغل !
     وهو فوق الكوبري شاهد في الأسفل مجموعة من الصبيان يستحمون في مياه النيل ، بالقرب من الجسر الخشبي الذي تتوقف عنده المعديه  ؛ إنه يبدو كلسان صغير يمتد بضعة أمتار داخل الماء ،  تذكر أنه لا يعرف العوم  ، يكاد يتم الثالثة والثلاثين ولا يستطيع السباحة !
تذكر اشياءا كثيرة كان يحاول نسيانها  ، وكلها تبدأ بالكلمة (لم)  ؛ أخذ يردد : 
-  لم أكمل تعليمي رغم أن مجموع الثانوية العامة كان يدخلني أحسن كلية ، و اضطررت بسبب فقري أن أدخل المعهد الفني التجاري  ، ولم أعين في وظيفة  ، ولم أدخل الجيش ؛ لأننى وحيد أبي وأمي  ، ولم أفتح ورشة أو محلا  ، ولم أتزوج وأدخل دنيا  !
تساءل بدهشة :
-  يعني إيه ما دخلتش دنيا   ..   .. يعني أنا ميت ولا إيه معناها ؟!
سمع وهو مازال يسير علي الكوبري أحد المارة يقول لصاحبه بينما هما قادمان في الاتجاه المعاكس :
-  يا أخي كنا احنا يا مصريين بنسافر العراق  ، ونشتغل ونكسب ذهب  ..  ..  دلوقتي العراق بقى خرابة  !  الأمريكان  دمروه  ,,  ..  خلاص منجم الذهب اللي كان مفتوح لنا نغرف منه ونيجي بلدنا نشتري أراضي ونبني عماير ونعيش ملوك  ، المنجم ده خلاص شطب.
رد عليه زميله قائلا : 
-  المنجم ما خلصش  ..  .. تقدر تقول إن الأمريكان استولوا عليه  ، الذهب كله بقى بتاعهم !
قال الأول بمراره واضحة :
-  يا حسرة قلبي على العراق  , وعلى خير العراق ده أنا لولا السنتين اللي قضيتهم هناك كان زماني شحات زي الشيخ المسن اللي قاعد بيشحت على سلم الكوبري ده !
ضحك زميله وقال له : 
-  احمد ربنا بقى إنك طلت حاجة من خيره  ..  .. قبل اللي حصل ده ما يحصل !
كان صوتهما يذهب شيئا فشيئا كلما ابتعدا في الاتجاه الاخر ، توقف شعبان فقد وصل الى السلم في الطرف الاخر من الكوبري  ، كان على وشك النزول  ، لكنه توقف ونظر وراءه وتابع الرجلين  ، وشرد ببصره  لحظات ، فقد  تذكر أنه واتته الفرصة للسفر الى العراق مع خاله لكن أمه رفضت بل ومرضت مرضا شديدا في ذلك الوقت عندما علمت أن ابنها سيسافر ؛ ويبتعد عنها مع أنه كان سيسافر مع اخوها ! هز رأسه ،  وقال باستسلام كأنما يصبر نفسه :
-  نصيب  ..  .. نصيب  ولعله خير  ..  .. والحمدلله على كل حال !
     ركب شعبان متوجها  إلى رأس البر ،  نبههم السائق انه سيتخذ الطريق القديم  ، وليس الطريق الجديد الموازي للنيل  ، جلس " شعبان " في المقعد الاخير ، وسبقته فتاتان  ترتديان ملابس ضيقة ، وملفتة للنظر  ؛ قال في نفسه :
-  يمكن غلابة زي حالي ورايحين يشتغلوا في كازينوا  ، ولا مطعم  ..  ..  الدنيا مظاهر   ..  .. مظاهر كدابة  !
     كان الطريق من الموقف وحتى نقطة مرور السنانية طريقا عاديا على جانبيه اصطفت المباني والبيوت وسور محطة القطار وبمجرد أن عبرت السيارة نقطة المرور أصبح الطريق زراعياً تصطف على جانبيه أشجار النخيل والصفصاف والجزورينا وعلى امتداد البصر بساتين الجوافة و الليمون و أحيانا كانت تبدو بوضوح أشجار  الجميز والتوت والبامبوظة ألوان شتي تطل على العابرين من على الصفين و في منتصف المسافة و بالقرب من كوبري العمده اصبحت الطريق بين ترعتين نظر شعبان في ساعته فوجد عقاربها تشير الى التاسعه صباحا قال في نفسه
هانت كلها ربع ساعة ونبقى في راس البر وهناك يحلها ربنا ان شاء الله اشتغل اشتغل ابيه لب اوترمس او حتى بطاطا اكيد هلاقي شغل اكيد هتلاقي شغل مطبات كثيره على الطريق الكرينه مفروشه على الاسفلت والسيارات تعبر من فوقها على مر البصر جهه الشمال عشق المساحه الخضراء شرحا ابيض شامخ مؤكد انها مدرسه وعلى مسافه منها الاوناش العملاقه داخل سور الميناء و صواري الناقلات والسفن الضخمه التي تبدو من بعيد صغيره جدا وكأنها لعب استسلم شعبان لغفوة قصيرة جدا راي خلالها طيورا بيضاء عملاقه تهبط من السماء وتخطف كل من بداخل السياره تذكر ان امه اوصته قائلة له
يا ابني انا ما عنديش غيرك خذ بالك من نفسك ما تقربش للبحر ولا حتى من الترعه وانت لسه صغير كنت بحميك في الطشت وفي مره سبتك فيه وقمت افتح الباب لابوك ورجعت لقيتك بتغرق كنت هتموت يا ضنايا
اختطفت الطيور جميع من في الميكروباص وحتى الفتاتين لدرجه انهم تشبست به طب امسكي الطياره ولكنه لم يستطع انقاذ هما احث برد يديهما في يده كان مسعورا جدا
بعد ثواني معدوده افاق لكنه كان خائفا جدا من الكابوس الذي راى منذ لحظات افاق على خناقه بين السائق واحد ركاب سمع سائق يقول
مراتك في البيت مش في عربيتي شيل ايدك من عليها لو سمحتوا الا هوقفك العربيه
في ايه يا اسطى ما قلتلك الست دي امراتي امراتي
. مراتك تبوسها كده على ناني قدامنا انك ايه
وفيها ايه يا اسطى ما تخليك في ايه
في ايه قصدك ايه يعني اركب قرنين انت مفكرني ايه
رفع الرجل ذراعه عن المراه التي كانت ملتصقه به وقال
خلاص يا اسطى خلاص بصي بقى قدامك خلي عينيك على الطريق ضيعنا
ذهل  شعبان مما سمع و نسي حلمه القصير المفزع ولكنه كان ما يزال يشعر ببرودة في يده
فنظر فإذا الفتاة الملاصقة  له تمسك بيده بالفعل وتبتسم له نزع يده من يدها ووضع الشنطة البلاستيكية التي يمسكها وضعها بينه وبينها حاجزاً وأخذ يردد بينه وبين نفسه بصوت لا يسمعه احد
استغفر الله العظيم استغفر الله العظيم 
هم أن ينادي على السائق حتى يتوقف ينزل من السياره لمحها وهو غار يكون في بحر من الارتباك والعرق جايب قميصه خويا زادت باكو وما ده يده الى الجب هذا الكتاب كان في اربع اوراق من فئه ال 50 جنيه ملفوفه مع بعضها اين ذهبت 
احس بذراع تطوق رقبته انها ذراع الفتاه الجالسه بجانبه نظر اليها بتجبهم كان على وجهها نفس الابتسامه ابتسامه الصناعيه همست في اذنه
انت بتدور على دول يا عسل
فوجئ بالأربع ورقات التي يبحث عنها في يدها الأخرى حاول ان يقوم من مكانه أن يصيح و يصرخ فيجعل السائق يوقف السيارة لكن القدر لم يمهله ففي نفس الوقت عبرت سيارة ملاكي بجوار الميكروباص بسرعه جنونية واصطدم جانبي السيارتين فحادث الملاكي عن مسارها واصطدمت بشجرة ضخمة على جانب الطريق أما الميكروباص ففقد السائق سيطرته عليه
فانحرف عن الطريق وسقط في الترعة امتلأ قلب شعبان خوفا وهلعا عندما لمست مياه الترعة جسده لقد ملأت المياه الميكروباص في ثوان معدودة اندفع جميع الركاب نحو الباب للخروج والنجاة بأنفسهم لكن بلا جدوى
ورغم أن  الشمس كانت مشرقة  والحادثة وقعت في بدايه النهار إلا أن المفاجأة شلت الجميع  فالركاب بعضهم فقد الوعي بعد سقوط السيارة في الماء وكان من بينهم السائق و الراكبان بجواره فقد ارتطمت رأسه بقوة في المقود فشجت وسالت منها الدماء والبعض الآخر تسابقوا إلى الباب ليفتحوه  ونتيجة تدافعهم اخطاأأحدهم وبدلا من ان يفتح الباب اغلق المسوجر فانحبسوا جميعا داخل الميكروباص الذي غاص بدوره في القاع بسرعة عجيبة واختفى تحت المياه والحشائش الخضراء !
توقفت بالقرب من مكان الحادث سيارتان ونزل من فيهما وخلع أحد الرجال ملابسه الخارجية ونزل الترعة بحذر شديد و غاص لعله يتمكن من إنقاذ الركاب دار حول الميكروباص شاهد من فيه وهم يلفظون أنفاسهم الاخيرة حاول ان يفتح الباب لكنه لم يستطع صعد للسطح أكثر من مرة  ليأخذ نفسا ثم يعود حاول أن يكسر زجاج النوافذ أن يفعل اي شيء لكنه لم يستطع إلا أن يشاهد استغاثاتهم وتوسلاتهم قبل أن تخشع الأصوات وتخمد الحركات صعد إلى السطح بعد ان نفد الهواء من صدره أشار لبعض الواقفين على البر إشارة تعني أنه لا يوجد ناجون أحس أن شيئاً يلتف حول ساقيه بل وأخذ يشده إلى الأسفل وجد نفسه يغوص ثم يطفو ثم  يغوص ثم يطفو رغماً عنه فصرخ مستنجدا بمن على البر
الحقوني الحقوني
في المرة الأخيرة جذبه ذلك الشيء المجهول الى الأسفل بقوة كبيرة فغاص رغما عنه 
دار حول نفسه وهو في غاية الذعر فرأى ذراعين ممدودتين من داخل إحدى النوافذ وقد أمسكتا بكلتا ساقيه واستماتت في جذبهما مد الرجل ذراعيه هو الآخر وأمسك بهذا الشخص الذي كان لا يزال حيا جذبه إلى أعلى بكل قوته
بعد قليل كان شعبان ممددا على البر واحد الاشخاص يحاول اخراج المياه التي ابتلعها في جوفه التفاف الناس حوله وكانوا جميعا في غايه التاثر وفي نفس الوقت الذي وصلت فيه سيارات الاسعاف وسيارات النجده وصلت كارا كتان وراء الناس الموجودون عدد من الغواصين ينزلون الى المياه تم انتشال جميع الجثث كما تم غمسها على ناحيه من الطريق وتاكد احد الاطباء من وفاتهم جميعا
كان شعبان قد افاك شاهد بعينيه الركاب الذين كانوا معه منذ قليل شاهدهم ممددين وعيونهم لا تزال مفتوحه راس سائق وراي الفتاتين اللتين كانت تجلسان بجواري ناس يا الاربع ورقات من فئه ال 50 جنيها التي استولت عليها احدى الفتاتين انساه مشهد عينيها كل شيء ان هما لاترم شان تلمعان ولكن اختفي من هم ابريق الحياه سمع احد المسعفين يقول لزميله وهو يشير نحوه
ايوه هو ده الناجي الوحيد
في مستشفى دمياط التخصصي تحولت المنطقه الخلفيه من المستشفى والموجوده بين المغسله ومعهد الاورام لبنتك الثانيه هنا ساحه مزدحمه بالناس و ساد الهرج والمرج في هذه المساحه الصغيره احتشدت اعداد كبيره من اقارب الموتى صراخ وعويل ونواح كل هؤلاء اجتمعوا على أمر واحد وهو البكاء اللغه السائده بينهم هي الدموع والحزن يغلف كل شيء بغلاف أسود بدات الألسنة تنفلت ببعض العبارات التي فضحت ما كان مستورا فالفتاتان  كانتا تنتميان إلى شبكة  آداب وكانتا في طريقهما لممارسة الرزيلة والرجل الذي قبل المرأة التي كانت ملتصقة به وادعي أنه زوجها لم يكن إلا عشيقها إنهما موظفان في مصلحة من المصالح الحكومية ذهبا ووقعا في كشف الحضور ثم تسلل كل منهما على حدة وخرجا وركبا معا الميكروباص في طريقهما الى المتعة الحرام
حكايات عن العرض والشرف بدأت تتناقل على الألسنة  ألهبت المشاعر التي كانت مشتعلة بالفعل فتحول المأتم الكبير الى معركة كبرى
وبدأ التشابك بالأيدي والأسلحة البيضاء بين رجال ونساء وشباب ربما بعضهم لا يعرف البعض الآخر ولم يره من قبل حتى اضطرت إدارة المستشفى إلى طلب قوات الأمن لفض هذه المشاجرات والمعارك وإخراج الأهالي جميعا خارج سور المستشفى الوحيد الذي لم يحضر أهله بل ولم يعلموا أصلا بما حدث هو شعبان فقد رفض أن يعطي عنوانه لأحد كما أخبرهم أنه سليم وأنه لم يصب باي سوء فما الداعي لإزعاج والديه إنهما مسنان ومريضان ولن يتحملا سماع مثل هذا الخبر لذلك بعد ان انتهي من علاج إصاباته البسيطة ومن سؤاله كشاهد على ما حدث انصرف وغادر المستشفى لائذا بالبيت فوجئت أمه وهي تفتح له الباب كان يرتدي ملابسه الأخرى التي كان يحملها معه في الكيس البلاستيكي ورغم ذلك كانت تشعر أنه قد عاد بوجه غير الذي ذهب به ضربت على صدرها وهي تسأله بخوف وقلق
مالك يا شعبان وشك متغير كده ليه يا ابني و غيرت هدومك ليه
لم يخبرها بشيء احتضنته كعادتها دائما عندما يعود إلى البيت او يغادر كان أبوه جالسا على الأرض على مقعد بلاستيك صغير لا يبدو منه شيء وأمامه طبلية عليها بعض الأرغفة  المدعمة وقطعة جبن وطبق به سلطة خيار وطماطم قال أبوه
خير يا ابني اشتغلت
تمالك شعبان أعصابه وقال لأبيه
الشغل كثير يا بابا بس
بس ايه يا ابني بس ايه
بس انا غيرت رايي
يعني ايه
هاشتغل هنا
هتشتغل هنا ما انت اشتغلت هنا وما فلحتش
لا المرة دي إن شاء الله هافلح
ضحك ابو شعبان ملء فمه وقال
صدق اللي قال  الكتكوت الفصيح من البيضة بيصيح يا ابني انت حظك وحش زي حظي
ابتسم شعبان لأول مرة منذ وقعت الحادثه وقال
 لا يا با انا مش معاك في دي والحمد لله على كل حال احنا احسن من غيرنا يابا
اندهش الرجل من كلام ابنه فلم يتعود منه كل هذه الحكمة واستسلم قائلاً
عندك حق احنا أحسن من غيرنا الحمد لله يا ابني
أخفى شعبان كل ما حدث له عن والديه لأنه كان يعلم مدى حبهما له فهو وحيدهما لقد رفض حتى أن  يعطي عنوانه  لإدارة المستشفى حتى لا يتصل بهما احد ويخبرهما شيئا عن الحادثة كما غير ملابسه حتى لا يشعر باي شيء كانت امه مصرة على أن نعرف سبب تغيير ملابسه فقال لها ليطمئنها نزلت البحر واستحميت حد يروح رأس البر وما ينزلش البحر
اندهشت وقالت له متعجبة وهي متأكدة أنه يكذب عليها
انت رايح تدور على شغل ولا رايح تستحمى
تلعثم وبعد تفكير قال لها
يا امي انا جاي تعبان وعايز أنام وأرتاح
قاطعه ابوه قائلا له 
هاتنام من غير ما تتعشى ده انت وشك مخطوف زي اللي راجع من الموت
ضربت الأم صدرها بيديها ونهرت زوجها وقالت له
حرام عليك يا أبو شعبان دي الملافظ سعد هو صحيح هفتان شوية بس اوعى تقول الكلمة الوحشة دي ثاني هنا  ألف ألف بعد الشر عليه هو احنا حيلتنا غيره
قاعد شعبان بجوار ابيه وتناول رغيفا من على الطبليه و بدا ياكل انه منذ الصباح وهو على لحم بطنه لم يدق حتى الماء وتشرب مياه الترعه بما فيها من وحل مراكب ونباتات طافيه خضراء تشبه حبات العدس توقف عن الاكل فجاه وكان يتقيا عندما تذكر اجساد الموتى المرصوصه على الارض وعيونهم المفتوحه اللامعه ورائحه الموت التي لا تزال تسكن تمام فا نهض ولم يكمل طعامه كان والده يشعرها انه ليس على ما يرام لكنه ما تركها يرتمي في فراشه وينام ليستريح
قالت الام والدموع تبلل عينيها
يا حبيبي يا ابني ربنا يفرجها عليك بشغلانة تريح قلبك وتطيب خاطرك
ربت الأب على ظهر ابنه الذي غرق في نوم عميق وكأنه لم ينم منذ شهور وقال
يا ريت يا ابني كنت أقدر أساعدك بس أعمل إيه اللي جاي على قد اللي رايح واقف على رجلي في القهوه 12 ساعة كل يوم والأجر على قد مصروف البيت
ما تقولش كده يا أبو شعبان انت برده الخير والبركة وبكره شعبان ربنا يوفقه ويشتغل في شغلة كويسة ويسعدك ويبقى سندك 
نفسي اطمئن عليه اللي زيه كلهم اتجوزوا وخلفوا وفتحوا بدل المصلحة اثنين وثلاثة أنا مش عارف فيه ايه هو إبني ايه اللي بيه
بكره تتعدل ياعم ارمي حمولك علي الله إن شاء الله بكره هيبقى أحسن ونفرح بيه وبخلفته
صعبان علي ابننا مش سهل علي أشوفه متلطم كده في بورسعيد وراس البر وحتى هنا في بلده يا ريتني ما دلعته وهو صغير يمكن دلعنا فيه وهو صغير هو اللي مخليه مايثبتش في شغلانة
كفايه كده يا أبو شعبان أنت تعبان وشقيان ومش حمل زعل وهو انت بإيدك إيه تعمله وما عملتوش
والله ما أنا عارف حاسس إني مقصر في حقه
قول الحمد لله إحنا أحسن من غيرنا وكل حي بياخد نصيبه
الحمد لله الحمد لله على كل اللي ربنا يجيبه وعلى رأيك أهو أنا بتعكز و أشتغل إنما فيه ناس ثانية راقدة ولا قادرة تروح ولا تيجي
ربنا ما يقطعنا
امين امين يا رب
والله أنا مستبشرة خير وحاسة إن ابننا شعبان ربنا هايجبر بخاطره وهايبقى حاجة كبيرة  قوي
ابتسم الرجل وقال وهو ينظر لها ثم لابنه النائم
ربنا يسمع منك
انصرف الاثنان وذهبا إلى فراشهما وتركا شعبان الذي كان يغط في نوم عميق .
تأليف متولي بصل









 

كورونا المرعب


كورونا
-  يا رب اشفني أنا وابنتي من كورونا ! 
المستشفى رفضت تستقبلنا تركونا بدون علاج ! تركونا للموت!
لم تصرخ ، وهي ترى أكرة الباب تدور ! 
بل رفعت صوتها مرددة هذا الدعاء !
سرعان ما عادت الأكرة لوضعها الطبيعي
و ماهي إلا لحظات حتى سمعت صوت ارتطام !
من نافذة المطبخ التي كان قد كسرها ليدخل ، رأته ممددا في الأسفل ، وغارقا في بركة من دمائه !  العجيب أنه كان يرتدي كمامة سوداء !
تأليف/ متولي محمد متولي
دمياط
 

الأحد، 21 يونيو 2020

شعبان في خبر كان ٣

شعبان في خبر كان 3   

   عندما استيقظ من نومه ، أحس بوخز شديد في جانبه الأيسر ، تحامل على نفسه حتى لا يزعج والديه الكبيرين،  نظر في ساعته فوجدها  تشير الى الخامسة مساء ! تعجب من نفسه ، فقد ظل نائما ما يقرب من عشرين ساعة كاملة !

     أثناء نومه أشفقت عليه أمه ، و فضلت عدم إيقاظه ، وتركته ليأخذ حظه من النوم ، لكنها بمجرد أن عرفت أنه قام من نومه ؛ أعدت له غذاءه ووضعته على الطبلية ! تظاهر أمامها أنه بخير ؛ و ليؤكد لها ذلك ؛ جلس وأخذ يتناول بعض الطعام الذي كان عبارة عن أرز وسمك مشوي ، دعاها لتأكل معه ، وهو يعرف أنها لن تمد يدها إلى الطعام إلا عندما يعود أبوه ، هو نفسه في الظروف العادية كان ينتظر عودته ؛ حتى يجتمعوا حول الطعام ، لكنه كان يعرف أنه في العمل  ، و أنه لن يعود منه قبل ساعة ؛  فهو يعمل من السادسة صباحا حتى السادسة مساء ! تعودوا تناول الغداء مع غروب الشمس بسبب طبيعة عمل والده ! وربما بسبب ذلك لم يكن أبدا يشعر بأي معاناة في صيام شهر رمضان !

     نجح في أن يخفي عنها ما يشعر به من آلام تلهب جانبه ، بل و أقنعها أنه أكل حتى شبع  ؛ وخرج تكلله دعواتها له بالتوفيق .

     بعد قليل كان في إحدى غرف الطوارئ بالمستشفى الأميري المواجه لمبنى المحافظة ، لقد كره أن يتوجه الى طوارئ المستشفى التخصصي الذي كان فيه بالأمس هو وحوالي أربعة عشرة  جثة كانوا هم ضحايا الميكروباص الغارق ، انتظر طويلا حتى جاء الطبيب ليكشف عليه كان طبيب امتياز صغير السن ! بعد أن كشف عليه كتب في تذكرة الدخول اشتباه زائدة دودية ،  وأعطي التذكرة  لممرضة ،  لتقوم بإجراءات الحجز ! عرف من حديث الطبيب مع الممرضة أنه سيحجزه داخل المستشفى لإجراء عملية الزائدة الدودية ،  اندهش شعبان وقال بينما كان الطبيب قد انصرف الى حالة أخرى : 

  -  هي الزائدة مش بتبقى في الجنب اليمين  ؟!

سألته الممرضة وهي تبتسم ابتسامه باهتة : 

  -   هو انت تعبان مالك ..  ..   حاسس بإيه  ؟!

ضحك رغم الألم الشديد الذى يشعر به في جانبه الأيسر ،  وقال  :

  -  أنا صحيت من النوم لقيت جنبي الشمال ..  ..  واخدة بالك  ..  .. جنبي الشمال بيوجعني  ..  ..  جنبي الشمال مش اليمين حضرتك  !

لمح طبيب آخر يعبر من أمامه ، كان يبدو أكبر سنا من الأول ؛  فاستوقفه وسأله بلهفة   :

  -  لو سمحت  ..  ..  لو سمحت هي الزائدة  في الجنب الشمال ولا اليمين   ؟ 

أجابه بسخرية واضحة  :

  -  في اليمين طبعا ..  ..  معقوله انت مش عارف ، مع إن شكلك متعلم  !!

لم ينتظر الطبيب ليسمع رده ! إنهم لا يتوقفون ؛ فغرف الاستقبال مكتظة بحالات كثيرة ، وكل لحظة يستقبلون الكثير من الحالات ، وبعضهم حالات صعبة جدا ! اقتربت منه الممرضة ومعها تذكرة الدخول والحجز ، وطلبت منه أن يذهب معها لإتمام عملية حجزه في المستشفى  وجد نفسه يقوم من على السرير الذي كان راقدا عليه ،ويقول لها

  -  أنا بقيت كويس .. ..  الحمد لله جنبي بقى تمام !

لم ينتظر حتى يرى علامات الدهشة التي ارتسمت على وجهها ، وخرج مسرعا يطوي الممر الذي أمامه ، وعندما عبر بوابة المستشفى ، وخرج ،  قال بصوت عالي كأنما يخاطب الطريق أمامه :

 _  اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ..  ..   يااااااااااه  ..  .. فعلا الداخل مفقود والخارج مولود  !

     خرج من الباب ،  ووقف على الرصيف يحاول أن يستنشق أكبر كمية من الهواء العليل من هواء النيل ، كان يريد أن يُخرج الهواء الذي استنشقه داخل المستشفى ! كان يشعر أنه هواء غير صحي !

     شيئا فشيئا خفت حدة الألم ، وأحس أن جانبه يتحسن بصورة عجيبة أشبه بالسحر! هل كان في حاجة إلى جرعة من الهواء النقي ليشفي جانبه ، أم أنه شفي بإيحاء منه عندما قال للممرضة أنه لم يعد يشعر بأي ألم ! المهم أنه بالفعل لم يعد يشعر بأي ألم .

     وهو يقف على الرصيف كان مبنى المحافظة أمامه مباشرة ، يفصل بينه وبين النيل، تذكر عندما شاهد هذا المبنى لأول مرة  ، حدث هذا عندما كان في السادسة من عمره أي منذ سبع وعشرين سنة و كان بصحبة أبيه داخل حنطور ، في طريقهما إلى المستشفى لعلاجه من عضة كلب، تحسس يده فقد كانت آثار الجرح لا تزال موجودة على معصم يده من الجانبين ، لقد ظل أبوه يصحبه الى المستشفى أكثر من عشرين يوما ؛ ليأخذ الحقنة حتى لا يصاب بداء الكلب !

      هذا المبنى الذي أمامه ما زال كما هو لم يتغير ! مات الكثير، وولد الكثير ، و تغيرت أشياء كثيرة ، ومازال هذا البناء على صورته الأولى لدرجة أنه يشعره وهو ينظر إليه أنه يريد أن ينقض ! عبر الطريق واقترب منه حتى أصبح يقف على رصيفه ، شعر أن المبنى يستغيث به ، تعجب ،  لقد قاموا بترميمه ودهانه وها هي الأعلام تزينه وترفرف على أبوابه ونوافذه حتى أكوام القمامة التي كانت قديما تنال من هيبته ومن صورة حديقته القريبة اختفت ،ولم يعد لها أثر؛ فالمحافظ الجديد كالغربال الجديد له شدة ، وأي شدة ! فلماذا يستغيث المبنى ، ومما يستغيث  إنه بعد ترميمه يبدو كالجديد ! سمع هاتفا يهتف به ، ومن العجيب أنه كان يأتي من أعماقه ، كان يقول له  :

 -  أيها المخدوع إياك أن تصدق كل ما تراه عيناك ،فكل ما حولك ليس إلا فالصو  !

اندهش وظن أنه أصيب بهلاوس  سمعية ، ربما بسبب الأشياء الخضراء التي دخلت جوفه مع ما ابتلعه من مياه الترعة أمس !

          وقعت عيناه على عدد كبير من الكراتين كبيرة الحجم إنها مرصوصة فوق بعضها  على رصيف مبنى المحافظة ، فتح كرتونة ونظر بداخلها فإذا دفاتر وأوراق وسجلات ومحاضر إنها اوراق في غاية الأهمية ! لماذا وضعوها هكذا على الرصيف ؟! ربما أخرجوها مؤقتا حتى يستطيعوا تنظيف الغرف والمكاتب جيدا ، وبعد ذلك سيعيدونها الى مكانها في الأدراج والدواليب داخل المكاتب !

     اختفت الشمس في الأفق البعيد ، وبدأ الظلام يخيم على المكان ، وفي هذا الوقت تصبح هذه المنطقة مهجورة  بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، لا ترى في المكان إلا المترددين على المستشفى الأميري من المرضى وأقارب المرضى أما مبنى المحافظة فحتى الحرس يكونون جميعا في الجهة الأخرى من المبنى أمام البوابة الرئيسية المواجهة  للنيل !

      أغراه فضوله بأن يمد يده مرة أخرى داخل الكرتونة التي فتحها منذ قليل ، سحب أحد الدفاتر، فتحه وبدأ يقلب صفحاته إنه دفتر حضور وانصراف موظفي التنظيم والإدارة ! أعاده مكانه و التقط دفترا آخر فوجده يخص ميزانيات ورواتب الموظفين في المجلس المحلي ! أمسك بعض الأوراق والملفات فوجدها تضم بيانات العاملين بمبنى المحافظة ! أعاد الأوراق إلى مكانها في الكرتونة ، و أعاد الشريط اللاصق عليها كما كان تقريبا

    سمع صوت أقدام تقترب شلت المفاجأة قدميه ؛ فلم يستطع أن يتحرك في أي اتجاه ، هربت الدماء من عروقه ؛ فمن رأى وجهه وهو على هذه الحال ظن أنه أصيب بالصفراء ! كان وسط صفوف الكراتين فلم يره الرجلان اللذان اقتربا  ، وتوقفا أمام صفوف الكراتين التي ترتفع ما يقرب من المترين !  قال الأول لزميله   :

 -  العربية تأخرت قوي همه مش خايفين على نفسهم ولا إيه  ؟

رد عليه الآخر بتوتر واضح :

 -  مشكلة كبيرة  لو الباشا عدى من هنا و شاف المنظر ده وانت عارف ..  .. معاليه  ما بيخصمش يوم و لا حتى أسبوع ! 

هز الأول رأسه مصدقا على كلام الآخر ؛ وقال :

 -  أيوه ما فيش على لسانه إلا خصم شهر أو شهرين يا راجل ده خراب بيوت  ..  ..  خراب مستعجل  !

تساءل الآخر ، وكأنه يسأل نفسه وليس صاحبه  :

 -  طيب نعمل إيه نشيلهم إحنا على أكتافنا لحد محرقة الزبالة اللي بعد مدينة شطا 

 -   ربنا يستر والعربية توصل ، وتشيلهم  ، ونخلص من الهم ده  !

انصرف الرجلان ، وغابا داخل المبنى  ، بينما كان شعبان متجمدا بين الكراتين كالتمثال ، تعجب مما سمعه ، وقال في نفسه :

  -  محرقة الزبالة ..  .. الأوراق المهمة دي زبالة   !

لمح شعبان سيارة ربع نقل تهدئ من سرعتها أمام المطب ، بدون تردد أشار للسائق  ، فتوقف على الفور ، وجد نفسه يسأله  : 

 -  فاضي يا أسطى 

هز السائق رأسه بالإيجاب ، وسأله بدوره  :

 -  معاك ايه ؟

بدون أن يتفوه بكلمة أشار إلى الكراتين ؛ فما كان من السائق إلا أن نزل ، وبدأ في تحميلها ووضعها في صندوق السيارة ، وشعبان واقف في مكانه كأن على رأسه الطير، انتهى السائق ودخل كابينة السيارة ، وأشار له بالركوب ؛ فألقى بنفسه داخل الكابينة ، و انطلقت السيارة بهما !

      كانت قديمة جدا ؛ لدرجة أن صوت الموتور كان عاليا جدا كمريض يصرخ من الوجع ، وكانت تهتز بطريقة واضحة وهي تسير كالسلحفاة على أسفلت الطريق ، ورغم ذلك لم يشعر " شعبان " بأي شيء من ذلك ، فقد كان صوت دقات قلبه المتلاحقة أعلي من صوت الموتور، وكان جسده ينتفض ويرتعش وكأنه داخل باب فريزر وليس كابينة سيارة تتحرك   ! 

     بعد  أن اختفت السيارة بقليل ، ظهر أحد الرجلين وعندما وجد الرصيف خاليا من الكراتين قبل كف يده باطنا وظاهرا ، وقال   :

 -  الحمد لله العربية شالتهم يااااه  نفدنا من الجزا

   :   "في نفس الوقت كان السائق يسأل " شعبان

 -  رايحين فين بالضبط يا أستاذ   ؟

قال له وهو يحاول ابتلاع الغصة  التي تقف في حلقه   :

شارع طلعت  ..    

عندما دخل البيت وهو يحمل كرتونة بعد أخرى ، وأخذ يرص هذه الكراتين كلها في حجرته القديمة ؛  تساءل والداه في حيرة عما بداخل هذه الكراتين ، فطمأنهما قائلا  :

 -  هي دي الشغلة الجديدة اللي قلت لكم عليها !

سألاه في نفس واحد  :

 -  شغلة ايه يا ابني   ؟

 -  انتم ناسيين إن معايا دبلوم فني تجاري ..  ..  فيه شركة وافقت تشغلني بالمؤهل ده بس شرطهم الوحيد عشان يعينوني إني أراجع لهم حسابات ودفاتر قديمة من سنين فاتت يعني زي اختبار ..  .. ولو نجحت ها يوافقوا يعينوني !

كان الأبوان أميان لا يعرفان القراءة أو الكتابة ولم يجد شعبان أي حيلة أخرى غير هذه ليوافقا على وجود هذه الأوراق داخل البيت ، إن فضوله الشديد جعله يأتي بها ، وهو يعلم أنها ليست أوراقا عادية إنها قنابل وألغام ، قد تودي بحياته وحياة والديه في أي لحظة   !

     ظل بضع شهور عاكفا على هذه الأوراق ، لدرجة أنه أصبح نادر الخروج من البيت ،

انقطع عن أصحابه وأقاربه ؛ حتى أنه أصبح لا يقابل أحدا ممن يزورونهم في البيت ، إنه دائما داخل حجرته  ، والباب دائما مغلق ، وكان رد أمه او أبيه على من يسألونهما عنه ،

أنه يقوم ببعض الحسابات في الشركة التي سيعمل بها

     من خلال الأوراق التي كان شعبان يقرأها مرات ومرات حتى يفهم كل ما فيها ، ويقارن بين البيانات المدونة في الملفات والسجلات ، عرف معلومات و حقائق لم يكن يعرف عنها أي شيء ! كل ما كان يدور و يجرى داخل حجرات المحافظة ، و في مكاتبها أصبح بين يديه  !

      تعب كثيرا !  طوال هذه الشهور تقوس ظهره من كثرة انحنائه على الأوراق  ، وضعفت عيناه ، يبست عظامه من قلة الحركة ، لذلك قرر أن يقطع هذا السكون وهذا الحبس الانفرادي الذي فرضه على نفسه ، ويتمشى على الكورنيش ، ويستمتع بهواء النيل المنعش .

تأليف / متولي محمد متولي بصل


البيضة السوداء ( 1 )

البيضة السوداء ( 1 )

وحدها في الشقة ، قضت ساعات ٍ وهي تنظف أطقم الصيني ، الستائر ، السجاد ، الأثاث ، لم تستعن بخادمة منذ تزوجت ، غمرتها السعادة وهي ترى كل شيء حولها يلمع كالجديد ، إنها ليلة العيد ، والأطفال يلعبون مع أبناء الجيران على سلم العمارة ، وزوجها ما زال في عمله في قسم الشرطة ، الليلة لن يناموا ، سيقضونها على اللسان بين البحر والنيل .

عندما عادوا إلى الشقة ، فتح زوجها الباب ، أضاء الأنوار ، ذهب الأطفال إلى أسرّتهم ليستريحوا ، دخلت مع زوجها حجرة النوم ، بينما انشغل في تبديل ملابسه ، همّت هي بأن ترتمي على السرير من شدة الإرهاق ، لولا أن فوجئت بها في فراشِها ، فوق السرير ! فصرخت ، التفت زوجها ، أصابه الذهول هو أيضا و تساءل من أين جاءت هذه البيضة ؟! ولماذا هي سوداء ؟!

بحثا في كل مكان ، وقد ظنا أن دجاجة ً دخلت ووضعتها ، ولكن متى وضعت دجاجة ٌ بيضة ً بهذا اللون ؟! كما أن النوافذ كلها محكمة الغلق !

لم يبلغ أحدا من زملائه الضباط ، فباب الشقة سليم ، والنوافذ ، ولم يتم سرقة أي شيء ، ربما يسخرون منه إذا فاتحهم في الأمر ، سيقولون ضابط المباحث الجديد - الذي قبض على أعتى اللصوص ، وضرب بيد ٍ من حديد على أيدي المجرمين ، وجعل البقية منهم يدخلون الجحور مثل الجرذان – وجد في قلب شقته ، في حجرة نومه ، فوق سريره بيضة ! من الذي جرؤ على فعل ذلك ؟!

ظل ّ أياما في قلق و أرق هو وزوجته حتى جاء اليوم الذي خرج فيه في مأمورية للقبض على " النونو " ! وهو في الطريق ضحك رغما عنه ، وسأل أحد عساكر القوة : - فيه بلطجي مسجل خطر اسمه " النونو " ؟!

لاحظ أن الدماء هربت من وجه العسكري وهو يرد عليه بتلعثم : - شيطان ، والله العظيم .. الكل يخاف منه حتى السادة الضبا .. ط !

نظر إليه بعينين تتقدان من شدة الغضب ، فسكت .

رأى الخوف يطل من عيون عساكره ، كلما اقتربوا من المكان ، استعدّوا بأسلحتهم وكأنهم على أبواب معركة كبيرة ، ومع ذلك فوجئوا جميعا بالشيطان يُسلم نفسه دون أي مقاومة منه أو من رجاله ! اقترب منه بعدما قيدوه ، فوجئ به يهمس في أذنه بصوت ٍ لم يسمعه غيره : - كيف حال البيضة يا باشا ؟!

تأليف / متولي بصل

23 / 6 / 2019 م

 


الخميس، 18 يونيو 2020

شعبان في خبر كان ١

     شعبان في خبر كان ١

     بورسعيد المدينة الحرة ، مدينة البضائع  ، باب الرزق  للكثير من الناس ؛ ظل شعبان يحلم بها أياما وأسابيعا منذ حكى له عنها ابن عمه " رضا " الذي تحول في ظرف سنة واحدة من صعلوك الى تاجر كبير وصاحب محل ملابس في منطقة باب الحرس  !

     الجميع لا يصدقون لدرجه ان بعضهم ظن أن " رضا" يتاجر في المخدرات  ! قرر شعبان أن يخوض المغامرة و يذهب إلى مدينة الأحلام ففرص العمل في بلده أصبحت ضعيفة جدا فهو لا يحب النجارة وصدره لا يطيق ذرات النشارة  ، إنه واثق كل الثقه انه ليس عويلا كما يظن أبوه و كما يدعي أقاربه لقد اشتغل في كل مهن دمياط تقريبا اشتغل نجار صالونات وأميجي واسترجي  حتى تمزق جلد أصابعه وتعبت رئتاه من رائحة الجومالاكا والتنر والسيلر ، واشتغل منجدا حتى ملأت الكرينة خياشيمه وأحشاءه  ، واشتغل عتالا !! هذا العصفور النحيل الذي يقول عنه من يراه أنه جلد على عظم كان يحمل ألواح الأخشاب في مؤسسة دمياط للأخشاب وسط مجموعة من الرجال من ذوي العضلات المفتولة ،  كان يبدو بينهم مثل أحد ضحايا الجفاف والمجاعة في أفريقيا ، كان يعمل وسط مجموعة من أبطال كمال الاجسام لقد اشتغل أسبوعا واحدا وكان دوامه يبدأ من التاسعة صباحا وينتهي في الثانية بعد الظهر ولكنه ظل أكثر من شهر راقدا في فراش المرض بسبب هذا الأسبوع  ! واشتغل في ورشة شق أخشاب وتعرض  أكثر من مرة لفقد أصابعه ، مرة ً أمام صفيحة المنشار ومرة أخرى أمام كاستير الربوب وفي إحدى المرات قام بتركيب الكاستير بنفسه وعمل الانطلاقة على الحلايا العمود هذه الماكينة الخطيرة التي ابتلعت أصابع الكثير ممن  يستخدمونها ؛ وبمجرد أن ضغط زر الماكينة ،  ودار عمود الحلايا تحطم الكاستير وتكسر الى قطع صغيره ، كل قطعه انطلقت بسرعة مثل طلقة المدفع في ناحية من نواحي الورشة الواسعة  ! كان هذا أشبه بوابل من الرصاص الحي ! وكان من الممكن أن يموت هو وكل من في الورشة جميعا في هذا اليوم لو أن هذه الطلقات بهذه السرعه الجنونيه أصابت أي جزء من أجسادهم  ، ولكن لحسن الحظ لم يصب احد بسوء وحالفه القدر كما حالفه في أوقات كثيرة

     ورغم ذلك فطوال عمره لم ينس هذه الحادثة  ، وقرر ان يبتعد تماما عن الأخشاب والنجارة ، وأن  يجرب العمل في مخبز ، وعندما لم يفلح عمل في مصنع حلويات ، وكان من الممكن أن يستمر ، ويكمل حياته كعامل في المخبز او في مصنع الحلويات لكن الأجر الزهيد الذي لا يكفي فتح بيت جعله يبتعد عن كل هذا . و بمجرد أن قابل رضا وسمع حكاياته الأسطورية عن بورسعيد وعن تجارة المستورد وتجارة الملابس الجاهزة  ، قرر أن يجرب حظه فيها

     وفي صباح أحد الأيام أخذ مكانه في سيار’ ميكروباص ؛ وعندما اكتمل العدد ، و انطلقت السيارة  ، وضع يده على جيبه ليطمئن أن المبلغ الذي معه لا يزال في مكانه إنه مبلغ بسيط لكن ماذا يفعل !! ليته استطاع تدبير مبلغ اكبر ليضمن ربحا أكثر ، ولكن ما باليد حيلة نظر إلى من حوله في السيارة ،  الجميع عليهم سيماهم ؛  تستطيع بنظرة واحده أن تعرف أن هذه طالبة في المعهد الفني التجاري من الكتب التي تحملها ، كما يمكنك أن تعرف أن الشابين الجالسين بجوار شعبان طالبان في كلية التربية الرياضية أما هذه المرأة التي تجلس بجوار السائق والتي تأخذ كرسيين فهي مهربة ،  فقد كانت تتحدث مع السائق عن أحدث طريقة لإخفاء الملابس  المهربه عن ضباط الجمرك ، وكان جميع من في السيارة  يتحدثون عن الجمرك وعن المفتشين والضباط لفت انتباه شعبان الرجل البدين جدا الذي يجلس خلف كرسي السائق كان من فرط بدانته يحتل كرسيين ! فوجيء "شعبان " بان السائق يعرف معظم الركاب تقريبا و يناديهم بأسمائهم انهم يتحدثون وكأنهم أفراد أسرة واحدة ،  من المؤكد انهم يركبون معه يوميا   .

      طوال الطريق الممتد لحوالي تسعة و أربعين  كيلو مترا لم تتوقف السيارة إلا مرة واحدة بالقرب من قرية  " الديبة "  حيث فوجئ الجميع بمقطورة مقلوبة على أسفلت الطريق وأسفل منها سيارة ملاكي تهشمت تماما بمن فيها وأصبحت قطعة صاج واحدة بعدما انطبق السقف على الأرضية وأصبح الركاب كومة لحم واحدة ! صرخ السائق ، وكل من معه  

-  لا حول ولا قوة إلا بالله  ! .. ..  يا لطيف   ..   ..  يا لطيف   ...  ...  يا منجِّي  يا رب

كانت سيارات الإسعاف وسيارات الشرطة في المكان ونزل عدد كبير من الناس من سياراتهم يشاهدون المنظر الرهيب  عن قرب ، لم يتحرك شعبان من مكانه رغم نزول عدد من الركاب ،  ملأت أنفه رائحة غريبة كانت تملأ المكان ،  قال لنفسه متسائلا 

  هل هي رائحه الموت   ..  .. إنها تشبه رائحة الدماء ، و .. ..  ؟

ركاب الملاكي المنكوبة بداخلها لا يُرى لهم أي تفاصيل ! انهرسوا فلم تعد لهم ملامح كان المنظر غاية في البشاعة ، عاد الركاب الى الميكروباص ، وانطلق السائق ولا تزال آثار الصدمة على وجهه  ،ووجوه  كل من معه في السيارة  ، طوال عمله على هذا الطريق شاهد الكثير من الحوادث لكن هذه بالتأكيد كانت الأبشع .

     عند مدخل المدينة الباسلة أحس شعبان أنه على أعتاب دنيا جديدة ،  لكنه سرعان ما تذكر منظر الملاكي المنكوبة وقطع اللحم المتناثرة وبرك الدماء على الأسفلت ، فتبخر على الفور حلم اليقظة الذي كاد يراوده في ثوان معدودة ،  تجول كثيرا في شوارع المدينة لو كان معه ما يكفي من المال لاشتري كل ما رآه ، فالأسعار هنا لا تقارن  السلعة التي تباع في التجاري أو في باب الحرس في دمياط بعشرين جنيها تباع هنا بأربعة جنيهات فقط  ! لم يسعفه ما معه من مال إلا في شراء دستة قمصان وبناطيل ولفة صابون وزجاجة معطر منزلي،  تذكر أباه  لقد أوصاه بشراء شبشب حتى يرتديه في عمله فهو يعمل في قهوة اللؤلؤة بجوار مكتب"  أبو طبل " للنقل و الشحن إنه يقف على قدميه ما يقارب اثنتي عشرة ساعة يوميا والشبشب سيريح قدميه  ؛ قرر " شعبان "  أن يشتري اثنين فقال للبائع 

شبطين لو سمحت ! ..   -

نظر إليه البائع بذهول ، وقال مستفهما 

  شبه  ..  ..  شبه إيه  يا أستاذ ؟- 

  الشبطين بكام  ؟  -

مش فاهم حاجه يا ابني مين شبط في مين  ؟  -

أمسك شعبان شبشبا معروضا أمامه واشار للبائع قائلا  

  الاثنين ..  ..  بكام ؟  -

  اه  ..  ..  قصدك عايز شبشبين  !   -

وضع شعبان دستة القمصان والبنا طيل و الشباشب والصابون وزجاجة المعطر المنزلي  ، وكل ما اشتراه أمامه على أحد الأرصفة وفكر هل يفك هذه الأكياس ويرتدي ما بها أم يحملها كما هي  ، ماذا يفعل إنها المرة الأولى له  ، ولا يدري ماذا يفعل  !! 

     علي مقربة منه شاهد المرأة التي كانت تجلس بجوار السائق إنها أمامه على نفس الرصيف فوجئ بها تخلع العباية التي ترتديها .. .. اندهش وهو يراها تخلع عبايتها في الشارع هكذا أمام الناس ثم رآها تفتح أكياسا كثيرة أمامها بها ملابس حريمي داخلية ، و بدأت ترتدي حمالات الصدر فوق بعضها  ارتدت اكثر من خمسين حمالة صدر ! كما ارتدت قمصان النوم الشفافة !  ربما ارتدت أيضا ما يزيد على الخمسين من قمصان النوم و ..  ..  ..  وفي النهاية ارتدت عبايتها !  أصبحت المرأة  بدينة للغاية  ! وعرف " شعبان "  الآن لماذا تحجز كرسيين إن كرسيا واحدا لن يكفيها وهي على هذه الحال .

     كره شعبان كل أنواع التجارة ؛  و قرر أن يضع كل ما اشتراه في شنطة بلاستيكية ،  ويسير بها هكذا ، و عندما وصل إلى موقف الميكروباص ؛  سخر منه الراكب الذي يجلس بجواره قائلا 

- ها يدفعوك جمرك كبير على الدستتين دول ..  ..  فكهم والبسهم تحت هدومك وهتعدي من غير ولا مليم  !

  - هو جمرك الحاجات دي حوالي كام .. ما تعرفش ؟

نظر الرجل متفحصا داخل الشنطة البلاستيكية ثم قال

  تقريبا..  ..  مائة جنيه

صرخ شعبان

 ! ما ئة جنيه !  بس انا ما فيش باقي معايا غير أجرة الميكروباص -

  يبقى تنزل بسرعه وتلبسهم تحت هدومك ،  اتصرف قبل من الميكروباص ما يتحرك -

همَّ " شعبان " بالنزول لكنه لم يستطع كانت أمام باب الميكروباص خناقة بين السائق وبعض من يريدون الركوب وكان السائق يصيح بصوت مرتفع 

  - ما فيش مُهرب يركب معايا ..  ..  أنا مستعجل ومش ناقص عطلة ..  ..  اللي معاه  أي حاجة هتوقفنا في الجمرك مايركبش أنا مش ناقص يا جماعة ! !

رد عليه بعض من يريدون الركوب وهو يمنعهم 

- الشنط دي عباره عن عيش وبعض الخضار والفاكهة  ..  ..  انت ليه بتعمل كده  .. احنا مش مهربين احنا ناس محترمين وبعدين احنا مستعجلين اكثر منك  ! 

هدأ  السائق  ، وعندما اكتمل عدد الركاب ؛ تحرك الميكروباص ولم يتمكن شعبان من النزول ظل في مكانه ، وقال لنفسه

لو صمموا على المائة جنيه ، أسيب لهم البناطيل والقمصان ويا دار ما دخلك شر .. ..  -

تحسس بيديه الشنطة للتأكد من وجود الشبشبين فلم يكن ينوي أبدا ان يتنازل عنهما مهما حدث  ، دخل الميكروباص الجمرك أشار احد المفتشين للسائق بالنزول ،  ابتسم السائق وقال

- يا باشا الناس اللي معايا كلهم تمام  ، صدقني يا سعادة الباشا  ..  .. دول طلبة و راجعين من المعهد ،  ودول عيلة كانوا بيزوروا قرايبهم  ، قاطعه المفتش

انزل باقول لك !! -

وأشار للركاب بالنزول ،  نزل الجميع ؛  اصفر وجه " شعبان " وهو ينزل حاملا هذا الكيس البلاستيكي الكبير وتعثر ، وكاد يسقط على الأرض  ، ولكنه فوجئ بأن أحدا لم يهتم به  ! عدد كبير من موظفي الجمرك أحاطوا بالميكروباص وبدأوا يفككون أجزاء كثيرة كالمصابيح الأمامية والخلفية و الإطارات و الكراسي وأرضية الميكروباص و ..  ..  ..

وبدأوا يخرجون البضائع المخبأة ،  واندهش الركاب جميعا  عندما رأوا أشكالا وألوانا من العطور والملابس والعلب والكراتين يتم استخراجها من جسد الميكروباص  وملأت هذه البضائع المهربة مساحة من الأرض ليست بالصغيرة  ، اقترب أحد الركاب والذي كان يقسم منذ قليل للسائق أنه لا يحمل معه إلا أكياس عيش و خضار وفاكهة ؛  وانهال على السائق ضربا وركلا حتى أصابه ، وهو يشتمه ويسبه ، وعلى الفور تدخل بعض موظفي الجمرك وأبعدوه عن السائق.

          بعد ما يقرب من نصف ساعة وبعد أن قام الموظفون بتركيب أجزاء الميكروباص مرة أخرى  ! أشار المفتش لهم بالركوب ، وقال للسائق

توصلهم دمياط  ..  .. وترجع لي  -

نظر السائق بحسرة إلى كومة البضائع الهائلة على الأرض ، والتي أخرجوها من سيارته ،  ثم ركب وهو يقول بخنوع ، ومذلة 

- حاضر يا باشا  ..  .. حاضر يا باشا 

عاد كل واحد الى مكانه  ، فرح شعبان لأنهم لم يفتشوه ولم يتغرم مليما واحدا  ، لاحظ نظرة الحسد في عين جاره الذي قال له

   !!حظك في السحاب كان ممكن يدفعوك اكثر من مائة جنيه بس حظك نار -

الرجل الذي ضرب السائق وأصابه بكدمة في وجهه قال بغيظ

  - قاعد تتنك علينا وتقول لنا أنا مستعجل ومش ناقص اللي معاه حاجه ما يركبش  معايا ..  ..  وانت ما فيش خرم إبرة في العربية إلا وفيه بضاعة متهربة ..  ..  كل البضاعة دي يا ظالم  .. .. يا ظالم !!

لم يرد السائق بكلمة  ؛ المرأة التي بجوار السائق التفتت ، عرفها " شعبان " عندما رأى وجهها إنها نفس المرأة التي خلعت عبايتها و وقفت في الشارع بقميص نوم شفاف لا يستر شيئا  ! إنها نفس المرأة التي ترتدي ملابسا تكفي لفتح محل او بوتيك ملابس حريمي ! !

ردت على الرجل الغاضب قائلة  

- بطل بقى يا عم  .. وسيبه في المصيبة اللي هو فيها   .. .. انت عارف ثمن البضاعة اللي خرجوها من العربيه دي كام ؟

فوجئ الرجل وهمَّ بالكلام لكن اثنين من الركاب أمسكا به من ذراعيه  ، و توقفت السيارة  ، ونزل السائق فنزلت المرأة خلفه مسرعة ، وهي تتشبث بملابسه بطريقة عجيبة ، وتصرخ فيه قائلة 

  -  والله يا  " ابو نور " ما انت لامسه كفاية اللي احنا فيه خلينا نعرف نفكر هنخرج ازاي من المصيبة دي  !

صرخ السائق في الركاب آمرا 

  -  انزلوا مش عايز حد في العربية   

نزل الجميع ؛ " شعبان " والراكب الذي بجواره ، والراكب الذي ضرب السائق  ، و رجل وزوجته وابنته  ، ثم ركب السائق وركب الباقون معه ، وبينهم بوتيك الملابس المتنقل قبل ان تنطلق السيارة ،  وقد تركتهم في منتصف الطريق بالقرب من قريه " شطا "  قال الراكب الغاضب وبعصبية شديدة

-  اكيد دول عصابه تهريب ..  ..  السواق مش لوحده دول عصابه كبيرة .. الله ينتقم منهم !     

تساءل الرجل الذي يصطحب زوجته وابنته معه

-  طيب هنعمل ايه دلوقتي الليل نازل واحنا في نص الطريق .. ..  يا ريته حتى كان نزلنا في " شطا " كنا عرفنا نركب ونروح بلدنا

ابتلعهم الصمت والظلام وظلوا واقفين قريبا من الأسفلت  ، يلوحون للسيارات المنطلقة بسرعة الصاروخ  ، المنطقة مقطوعة وغير آمنة وأي سائق مهما أخذته الشهامة ،  سيتردد الف مرة  قبل ان يتوقف في هذا المكان ، كما أن كمائنا  كثيرة على هذه الصورة يقوم بعملها المجرمون والبلطجية في هذا المكان لإيقاع السائقين وسرقة أموالهم وسياراتهم وأحيانا تنتهي بقتل السائق وإلقاء جثته للكلاب والذئاب المنتشرة في هذه المنطقة المهجورة ،  رغم ذلك فإن بعض السيارات الملاكي كانت تهدئ من سرعتها لاستيضاح الأمر؛  لدرجة أن إحداها توقفت و كان فيها مكان لشخص واحد فقط ، فركب فيه الرجل العصبي ! كان يسب ويلعن ، الرجل الذي كان يجاور شعبان في الميكروباص أمسك بذراعه ، وحاول أن يقنعه أن المرأة وابنتها أولى منه بهذا المكان  ، لكن الزوج  رفض أن يترك زوجته وابنته وحدهما في السيارة مع رجال غرباء فانطلقت السيارة ،  ثم توقفت بعد ذلك سيارة ربع نقل محملة بالبضائع  ، وكان في الكابينة السائق وشخص اخر ، ولم يكن المكان يتسع إلا لشخص واحد ، وهنا وبدون كلمة واحدة قفز الرجل الذي كان يجاور شعبان في الميكروباص وركب إلى جوارهما ، و انطلقت السيارة وبقي"  شعبان " والأسرة الصغيرة ؛ الزوج والزوجة وابنتهما  ، ارخى الظلام سدوله واكتست الدنيا بالسواد فلم يكن في السماء في تلك الليلة قمر أو نجوم ،  كانت الغيوم تغطي القبة الزرقاء فلا يبدو فيها شعاع ضوء واحد!  لوحدها كشافات و مصابيح السيارات المنطلقة على الطريق كانت تكشف وجود هؤلاء المساكين الاربعة .

     أخيرا توقفت سيارة ميكروباص متجهة ناحية دمياط كان فيها مكان لشخصين فقط ومع ذلك تلاحم هؤلاء الأربعة بطريقة عجيبة وحشروا أنفسهم داخلها ،   عندما بدات اصوات غريبه تصك آذانهم  ! لايدرون أهي أصوات نباح كلاب ام عواء ذئاب !

     عندما عاد " شعبان " ألقي جسده في الفراش وظل فيه يومين من شدة ما رأي ، بعد ذلك ذهب الى السوق ، وباع القمصان والبنا طيل كان مكسبه كبيرا جدا  ؛ إنها فعلا تجارة تشبه تجارة المخدرات في مكسبها ، ومع ذلك قرر ألا يعود إلى "بورسعيد" مرة أخرى حتى ولو اضطره هذا إلى ان يعمل بقية عمره زبالا

     وبخه أبوه الذي كان يطير من السعادة ، وهو يرتدي هذا الشبشب الخفيف المريح الذي اشتراه له ابنه ، وقال بسخرية وامتعاض

  -  طول عمرك فقري زي ابوك الفرصة تجيلك لحد عندك وترفسها  ..  .. ترفس النعمة وتدوس عليها

لكن " شعبان "  أقسم ألا يعود الى " بورسعيد"  واتجه الى  " رأس البر"  كان الصيف قد بدأ والعمل هناك في هذا الوقت مربح الى حد كبير ،  سألته أمه قبل ان يذهب

-  هتشتغل ايه يا شعبان يا ابني؟

تلعثم فلم يكن يعرف فعلا ماذا سيعمل في " رأس البر"  لكنه كان يعرف جيدا ان أبواب العمل في هذا الوقت مفتوحة وكثيرة

                                                                                        -  والله يا أمي الشغل في المصيف كثير واليومين دول موسم فيه واحد صاحبي بيشتغل في كازينو على النيل هاشتغل معاه

-  ربنا يوفقك يا " شعبان " روح يا ابني قلبي وربي راضيين عنك باذن الله ربنا ينجيك وترجع لنا سالم غانم .

تأليف / متولي بصل


شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...