Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 2 يوليو 2023

أرزاق قصة قصيرة بقلم / متولي بصل

أرزاق

قصة قصيرة

بقلم / متولي بصل

-          أرزاق، سبحان الخلَّاق! الواد محروس الفاكهاني المحظوظ ابن المحظوظة طلع القمر يا ريس طلبة !

سرى ذلك الصوت من داخل كشك خشبي يطل على مياه البحيرة، بينما كانت فقاقيع كبيرة من الدخان تتسلل هى الأخرى مثل سحب بيضاء صغيرة، ثم تتلاشى في الهواء، والرياح الشديدة في الخارج تهدر، وتكاد تنتزع الألواح الخشبية من مكانها، لحقه صوت آخر يرد عليه قائلا :

-          يااااه!  طلع القمر مرة واحدة! محروس الفاكهاني " البطيخة القرعة " ساقط الابتدائية يطلع القمر معقول ! يظهر إن قرش الحشيش في حجر المعسل مغشوش يا معلِّم طلعت !

-          والله العظيم أبدا، ظلمتني وظلمت الحشيش يا ريِّس، لا الحشيش مغشوش ولا صاحبك ابن كارك مسطول!

على مسافة بعيدة، في أحد عمارات المساكن الشعبية أمام محكمة شطا، داخل شقة صغيرة في الطابق الأول، قضى محروس أسعد ليلة في حياته، مع حلم لم يحلمه قط، ولم يخطر يوما على باله، أرزاق تلك الحورية الفاتنة، التي أذهلت بجمالها كل من شهد الزفاف، الجميع لايصدقون أعينهم حتى أقرب الناس إليه.

وتوقَّع الكثير منهم أن ينهار هذا الزواج سريعا، إذ لا توجد ذرة تكافؤ بينهما! فمحروس بائع فاكهة بسيط، يفك الخط بصعوبة، بينما أرزاق آية في الجمال، كما أنها أتمت تعليمها الجامعي، وحصلت على بكالوريوس التجارة، وهو ما كان يؤهلها للالتحاق بوظيفة حكومية أو عمل في أي شركة خاصة، لكنها استجابت لرغبة محروس في ألا تشتغل !

مرَّت الأسابيع والشهور وهى قانعة في شقة زوجها، راضية بحياتها معه، بينما تبدَّلت أحواله بسرعة الصاروخ، امتلأ عوده بعدما كان مثل عود القصب الممصوص! واستدار وجهه بعد أن كان نحيفا مستطيلا، وانتفخ خدَّاه؛ وظهرت آثار النعمة عليه؛ حتى أسلوبه في الكلام تغيَّر إلى الأحسن! وبعد أن كان بائع فاكهة بسيط، أصبح واحدا من تجار الوكالة، وبدأ الناس يتساءلون في دهشة هل تزوج ملكة جمال، أم وقع على خزينة مليئة بالجمال والدلال والأموال !

في الكشك الخشبي المطل على البحيرة، كل ليلة مع الدخان المتسلل من الشقوق الصغيرة؛ يسري صوت طلعت وطلبة، لا تكاد تمر ليلة منذ زفاف محروس وأرزاق إلا ويعلو صوتهما حاملا معه كل معاني الحسرة!

-          الواد محروس أصبح من التجار ؟!!

-          أرزاق يا ريس طلبة !!

-          أرزاق! معقول الحلاوة والعِلم والمال والوجاهة والدلال تكون كلها من نصيبه؟! والله العظيم يا معلم طلعت لا أنام ولا يهدأ بالي إلا إذا أصبحت أرزاق حلالي بلالي .

-          يا ريس طلبة الواد قافل عليها بالضبة والمفتاح، والعجيبة إنها هى نفسها قافلة على نفسها، من يوم الزفَّة لا ظهرت في شباك ولا بلكونة !

-          خايف عليها ابن الجنيَّة، لكن أنا ولا يهمني، بعد يومين تسمع خبر طلاق أرزاق، وبعد كام شهر تبارك لي.

-          والحاجة نوال أم عيالك ؟!

-          تغور بوشها الفقري!

قبل الفجر بقليل، ودَّع محروس زوجته، احتضنها بحب، وقبَّل جبينها كعادته، ثم خرج ليباشر عمله في الوكالة، وعادت هى إلى سريرها لتكمل نومها، في نفس الوقت الذي كان فيه الريس طلبة يتسلل على أطراف أصابع قدميه داخل الشقة، فتح الباب بمفتاح مقلَّد؛ وأصبح أمام باب غرفة النوم، المؤامرة التي خطط لها تدور داخل رأسه كشريط سينما لا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد، سوف يدخل على أرزاق؛ ويرش على وجهها المخدر؛ فتنام في الحال؛ ثم ينام بجوارها على السرير؛ ويدخِّن سيجارة أو اثنتين منتظرا عودة محروس الذي سينهي أشغاله كعادته كل يوم في خلال ساعتين أو ثلاثة، وعندما يشعر بعودته يقوم ويقفز من البلكونة نحو الشارع أمام عينيه، وبذلك يفهم محروس أن زوجته الجميلة تخونه مع الريس طلبة؛ أدار أكرة الباب؛ فتحه وتسلل نحو السرير، قبل أن يرش المخدِّر أراد أن يتأمل ذلك الوجه الملائكي البديع الفاتن الذي استأثر به محروس، لكنه فوجئ بوجهٍ مخيفٍ كأنه وجه الشيطان؛ سقط الكشاف من يده، وقنينة المخدِّر سقطت هى الأخرى، وانطلق نحو باب الشقة مفزوعا، وهو يصرخ :

-          شيطان! شيطان! البطيخة القرعة! البطيخة القرعة!

استيقظت أرزاق على صراخه، انتبهت من نومها، لم ترتسم على وجهها أي ملامح للخوف! فقط أزاحت الغطاء؛ وأضاءت نور الغرفة؛ لمحت الكشاف والقنينة، والباب المفتوح، لم تهتم بمعرفة من الذي اقتحم شقتها، وتسلل إلى غرفة نومها، بل ذهبت نحو المرآة، كانت تترنح ربما من المفاجأة، لكنها لم تكن خائفة! بل كانت حزينة تبكي، أخذت تتأمل وجهها الذابل، وتتحسَّسه بأناملها الرقيقة، تبحث عن رموش عينيها التي اختفت! عن شعر حاجبيها فلا تجد له أثرا، عن شعر رأسها الذي كان جميلا طويلا، قبل أن يذهب ويترك رأسها كصحراء قاحلة!

عادت للخلف خطوات، والتقطت الكشاف والقنينة، بينما دموعها تنساب بلا توقف، صرخت بأعلى صوتها، وهى تقذفهما نحو المرآة، كان آخر ما رأته عيناها قبل أن تسقط على الأرض، وجهها وهو يتكسَّر إلى أشلاء مع زجاج المرآة .


الخميس، 16 مارس 2023

 

بَرَكة رمضان

تأليف / متولي بصل

من حسن حظه أن راتبه الشهري وصل جيبه في ذلك اليوم، حتى يستطيع أن يشتري سحور أول ليلة من رمضان، فهو موظف بسيط ولا يملك إلا هذا الراتب! لكن فرحته لم تدم طويلا ، فقد اصطدم بطفلة تحمل فانوسا، فسقط من يدها، وتفككت بعض أجزائه، وقبل أن تنخرط  في البكاء، انحنى ليلتقط أجزاء الفانوس، ويحاول إعادة تجميعها، لكنه فوجىء بأن بعض الأجزاء كُسرت، وأنه بعد تركيبه لم يعد ينطق ويردد ( حلو يا حلو رمضان كريم يا حلو) فانطلقت الطفلة في البكاء؛ لذلك أدخل يده في جيبه، وأخرج ورقة نقدية من فئة الخمسين جنيها، وأعطاها لها، فوجيء بها ترتمي في أحضانه وتعانقه وتقبل جبينه، ثم انصرفت بعد أن أخذت الفلوس، وتركت له الفانوس!

حمل الفانوس، ومشى، ولكنه عندما همَّ بشراء طعام السحور؛ فوجيء بأن الراتب غير موجود في جيبه، وفوجيء أيضا بأن جيبه مقطوع وكأنه مقصوص بمقص، لا يدري كيف حدث هذا! شعر أن الأرض تميد به فهو حتى لا يعرف من هذا اللص الذي سرقه! وحتى لو عرفه، كيف سيعثر عليه في هذا الزحام!

في النهاية عاد إلى بيته محزونا، ورغم الحزن الذي كان ينضح به، فرح أولاده عندما رأوا الفانوس وأخذوا يغنون ( وحوي يا وحوي رمضان كريم يا وحوي )

لكنهم بعدما سمعوا الكلام الذي يدور بين أمهم وأبيهم، عن سرقة فلوس الراتب؛ تجمعوا حول والدهم المسكين يواسونه، قال أصغرهم:

-         يا أبي لا تحزن، فربما يكون هذا هو الفانوس السحري، وعندما ندعكه، يخرج العفريت، ويلبي طلباتك، ويحضر لنا أموالا كثيرة! أكثر من الراتب الذي سرقه اللص .

ضحك أخوه الأكبر، وقال:

-         عفريت في رمضان! حتى لو كان هذا هو الفانوس السحري فلن يخرج العفريت لأننا في رمضان، والعفاريت فيه تقيد بالسلاسل .

سمع الرجل صوت تاجر الروبابيكيا يصيح وينادي كعادته؛ فقام من مكانه، وانطلق نحو غرفة النوم، وأخرج جهاز تليفزيون من تحت السرير، عاتبته زوجته قائلة:

-         هل ستبيع تليفزيون أبيك، لقد أوصاك قبل موته بألا تفرط فيه!

-         ليس أمامي حل آخر، إنها أول ليلة في رمضان، ويجب أن أشتري سحورا لنا وللأولاد.

حمل جهاز التليفزيون، وانطلق نحو بائع الروبابيكيا، قال له بتوسل:

-         أعطني مائة جنيه، وحلال عليك هذا التليفزيون الأثري، ولا يغرك أنه قديم، صدقني هو شغال !

-         ياه .. مائة جنيه، يا أستاذ إنه قديم جدا، ولا يساوي حتى عشرة جنيهات !

-         عشرة جنيهات فقط! يا أخي صدقني هو شغال، جربه إن كنت لا تصدقني !

أخرج بائع الروبابيكيا مفكا من طيات ملابسه، وبدأ يفك ظهر الجهاز، ليتأكد من محتوياته الداخلية، وبمجرد أن خلع الظهر؛ ظهرت لهما حزما كبيرة من المال من فئة الخمسين والمائة والمائتين جنيه! صرخ الرجل بأعلى صوته، واحتضن التليفزيون، وحمله وعاد مسرعا إلى بيته، وهو يهتف بفرح كالمجنون:

-         تليفزيون أبي حبيبي، وفلوس أبي، لا لن أفرط في تليفزيون أبي .

الأحد، 12 مارس 2023

أغبى زوج في العالم تأليف / متولي بصل



 https://www.calameo.com/books/00696646532e0da059cba

أغبى زوج في العالم

تأليف / متولي بصل

      رغم أن الوقت متأخر جدا، والناس نيام، والشارع خال من المارة، توقف هذا الملثَّم، الذي يحمل صنارة ثبَّت في طرفها نصلا حادا، من يراه يظنه ذاهبا للصيد، لكنه كان واقفا يتطلع إلى شرفة إحدى الشقق في الطابق الأول من العمارة التي يقف تحتها، فَرَدَ الصنارة؛ فتضاعف طولها ما يقرب من سبع مرات، ثم رفعها إلى أعلى نحو الشرفة المقصودة، وطفق يحركها طلوعا ونزولا، محاولا قطع حبال الغسيل، وبعد محاولات كثيرة، جمع كل الملابس المنشورة على هذه الحبال، ووضعها في حقيبة كبيرة، ثم علَّقها في كتفه، لكنه وهو يخلع النصل الحاد من طرف الصنارة، جرح يده، فسالت منها الدماء، أخرج منديلا ورقيا ليكفكف بها دمه المسال، وفي نفس الوقت سمع وقع أقدام تقترب؛ فجرى ليختبيء في الظلام، خلف إحدى السيارات المركونة بمحاذاة الرصيف، لكن لسوء الحظ  داس على ذيل كلب نائم لم ينتبه لوجوده؛ فانتفض الكلب غاضبا، وأخذ يزمجر وينبح نباحا عاليا، فوجيء الرجل الملثم بعشرات الكلاب تخرج من تحت السيارات! وتشارك زميلها نباحه، بل وبدأت تدنوا منه بطريقة مفزعة، اضطر أن يجري بعيدا قبل أن تهاجمه، ولكن جريه حفَّزها أكثر على ملاحقته، وهو يجرى بأقصى ما يمكنه سمع أصوات أناسٍ خلفه تصرخ وتنادي ( حرامي .. حرامي ! ) أطلق ساقيه للريح، وظل يجري، وفي النهاية استطاع أن يهرب منهم.

ثلاثة ممن كانوا يجرون خلفه، عادوا إلى الشارع، ووقفوا تحت نفس الشرفة، والتقط أحدهم حبل غسيل ممزق، قال:

-         هل ننادي على صاحب الشقة ونخبره بأن الحرامي سرق ملابسه وملابس زوجته ؟!

-         يا أخي لا داعي لإزعاجهما الآن، فلم يمر على زواجهما أكثر من ستة أشهر، نذهب لنصلي الفجر، والصباح رباح.

في عصر اليوم التالي كانت الزوجة تحاول أن توقظ زوجها الذي كان يغط في نوم عميق، أخذت تصرخ فيه كالمجنونة، قائلة :

-         اصحى يا محروس! اصحى .. الحرامية سرقوا طقم الفرح، الطقم الجديد سرقوه، وسرقوا حبال الغسيل والملابس!

وهو يفرك عينيه، ويتثاءب، سألها متعجبا :

-         طقم الفرح! أي فرح؟!

-         فرح ابن عمي، حاولت تمنعني من حضور فرحه، وهددتني بالطلاق إذا حضرته، الله يسامحك .. الطقم انسرق يا فقري ! ضروري تقدِّم بلاغ في قسم الشرطة، اعمل محضر، ماما - الله يعطيها الصحة - نصحتني وقالت ضروري نعمل بلاغ لأن الحرامية ممكن يرجعوا ويسرقوا أي شيء، وممكن يقتلونا . .

سمعت رنين هاتفها الذي كان متصلا بالشاحن في حجرة المعيشة؛ فخرجت إليه مسرعة، ولم تلحظ ابتسامته، أو تسمعه وهو يردد متعجبا :

-         يقتلونا! والله ممكن .. تصدقي فكرة، سوف أجعلك تعيشين الرعب أنت والهانم مامتك .

سمعها تتحدث مع أمها، اعتدل قليلا فوق السرير، وأخرج يده من تحت الغطاء، كانت مربوطة بالشاش، ورائحة ( البيتادين ) تفوح منها، وهو يطمئن على يده، قال :

-         المهم ألا تحضري الفرح، وإلا وقعت الطلقة الثالثة.

صك أذنيه صراخ زوجته؛ فوثب من فوق السرير، وانطلق نحو الصوت، فوجىء بها تمسك حقيبة كبيرة فتحتها، وأخرجت منها الملابس التي كانت منشورة على حبال الغسيل، ومن بينها طقم الفرح، صرخ هو الآخر، وكاد يلطم وجهه بيديه، فمن شدة تعبه وإرهاقه ليلة أمس، نسى أن يخفي الحقيبة في مكان بعيد! انعقد لسانه، وطفق يحرك ذراعيه في الهواء مثل المجنون لا يدري ماذا يقول، وهو يخشى أن يفتضح أمره.


الجمعة، 10 مارس 2023

البريئة تأليف / متولي بصل

 

البريئة

تأليف / متولي بصل

كلما نظرت حولي شعرت أن الحياة مأساة كبيرة، وأكبر غلطة يمكن ارتكابها هى اتخاذ قرار خاطئ، ويبدو أن قرار زواجي كان أكبر غلطة في حياتي، الجميع كانوا يعلمون ذلك إلا أنا، ونصحوني كثيرا، لكنني كنت مبهورة بالهدايا التي كان يغدقها علي، مسحورة بمظاهر الرفاهية التي كان يعيش فيها، والتي سأشاركه إياها بعد زواجنا! كانوا مندهشين مني كيف بعد سنوات تعليمي الطويلة أوافق على الزواج من شخص لم يحصل حتى على الابتدائية! حتى ولو كان ابن أشهر تجار الحلويات في دمياط .

زميلاتي في المدرسة كل واحدة منهن كانت حريصة على أن تنهي حصصها؛ لتخرج وتعود إلى بيتها قبل موعد الانصراف، أما أنا فقد كنت أتعمد البقاء في المدرسة حتى انتهاء اليوم الدراسي، وكأنني كنت أهرب من البيت!

لكنني في الوقت نفسه تعودت على حياتي الجديدة،  وبدأت أتقبلها رغما عنِّي، صحيح أن الضرب إذلال للإنسان، لكن الذل الأكبركنت أراه في شماتة الشامتين، فلا أريد أن يشمت بي قريبٌ أو غريب ! ومن العجيب أنني كنت ألتمس له الأعذار، فقد كان قبل الزواج شخصا آخر؛ كان ملاكا، أو ربما كنت مخدوعة، لكنني على يقين من أن الشرب ولعب القمار هما اللذان جعلا منه شيطانا، اللعنة على رفاق السوء الذين جعلوه على هذه الصورة البشعة . ذهبت ثروته التي ورثها من أبيه أدراج الرياح، وأصبحنا نعيش في شقة أدفع أنا إيجارها من راتبي الشهري، أما هو فلا يزال رغم ما حلَّ بنا من بلاء وفاقة، يشرب ويلعب القمار! 

من شدة ما أنا فيه من كرب، عرضت عليه أن ننفصل بالمعروف، فما كان منه إلا أن جلدني بالحزام، حتى تشوه جلد ظهري، وهددني بتشويه وجهي بماء النار إن فكرت في الطلاق أو حتى الخلع ! كنت أعرف أنني لو ذهبت إلى الشرطة فسأنال حريتي، وسيدخل السجن، لكنني كنت أخشى على نفسي وعلى أهلي الطيبين مما سيفعله بنا هو ومعارفه الذين على شاكلته.

مرَّت سنتان حرصت فيهما أن أظل وحدي ضحية قراري، حتى عندما كانت تعن لي بادرة حمل كنت أجهض هذا الحمل بكل الطرق .

 منذ شهرين تقريبا، جاءت المدرسة عاملة جديدة، هى الوحيدة التي استطاعت - دون قصد منها - أن تخرجني مما أنا فيه ! كانت تتكلم وهى تمشي وكأنها تكلم نفسها، وتوجه لي الحديث حتى ولو كنت لا أعيرها أي اهتمام، وشيئا فشيئا وجدتني أستمع لثرثرتها اليومية ! وكنت كلما تأملت حالها، تصبَّرتُ على حالي

كل يوم أجد نفسي مجبرة على الاستماع لما تقوله هذه المسكينة، رغم أن كلامها مكرر، وتردده باستمرار، ولا أحد من زميلاتي أو زملائي يهتم بسماع شيء منه، رغم حرصهم على تقديم المساعدات لها .

وهى تتكلم أهز رأسي حينا، وأنظر إليها حينا، رغم انشغالي بكتابة الدروس في دفتر التحضير، أحاول أن أشعرها بالاهتمام، اعتقادا مني بأنها تحتاج للدعم المعنوي - مثلي - كما تحتاج للمساعدة المادية، وربما أكثر.

ويبدو أن إظهاري بعض الاهتمام لما تقوله؛ كان يفتح شهيتها للكلام، ومن خلال كلامها عرفت أنها لم تصل للثلاثين بعد! رغم أن من يراها يظنها في الخمسين من عمرها، من كثرة التجاعيد والخطوط التي حفرتها معاول الشقاء على وجهها، كل يوم كانت تأتي بثوب جديد، وجديد هنا ليست بمعناها الحرفي، فكل ثيابها قديمة بالية، لكنها كانت تأتي كل يوم بثوب غير الذي ارتدته في اليوم السابق، تحاول بقدر الإمكان أن تتكلم بالفصحى، رغم أنني أنا وزميلاتي لم نكن نتحدث بها إلا داخل الفصول عند شرح درس ما، كما يحلو لها أن تتقمص دور المثقفة رغم أنها توقفت في سلم التعليم عند الصف الثاني الإعدادي! ولم تهتم بالقراءة أو الاطلاع لتعويض ذلك .

سألتها ذات مرة عن زوجها، فابتسمت ابتسامة عجيبة بلهاء، وقالت :

-         طفشان .. ترك لي " صابر " و " صابرين " وطفش، وأصبحت مجبرة يا مس إني أعمل وأشتغل، ويكون لي مصدر دخل من المدرسة، أو من جمع الخردة .. صحيح الناس أسمعهم يقولون عني  " أم صابر " الزَبَّالة، لكن الزِبالة كلها مكاسب .

دائما تشتكي من اضطهاد مدير المدرسة لها، وغروره وتعاليه عليها، ورغم ذلك فهى مجبرة - على حد قولها - ألا تترك العمل في المدرسة، وذلك حتى لا تُحرم من المساعدات المادية والعينية التي تحصل عليها من المدرسات والمدرسين، وبعض أولياء الأمور من أصحاب القلوب الرحيمة.

-         أمسح الحمامات، وأكنس الفصول، والفناء، وأنظف المدرسة كل يوم، وأكنس وأمسح مكتبه، ثم يعطيني مائة جنيه في الأسبوع! ويهددني بالطرد لو اعترضت .. مائة جنيه يا مس، والله العظيم ابني " صابر " في الأجازة صاحب الشغل كان يعطيه كل أسبوع مائة وثمانين جنيه أجرة عمله، تخيلي حضرتك ابني في رابعة ابتدائي، أجره أكبر من أجري ! هو المدير فاكر إني جاهلة! لا .. أنا متعلمة ومثقفة، وأعرف أحسب، لكن ظروفي صعبة ..  صعبة جدا .

كلامها كان ينسيني مأساتي؛ لذلك كنت ألهي نفسي بالاستماع إليها، وقد فاجأتني اليوم بحكاية جديدة، فقد قالت :

-         والله العظيم يا مِسْ بالأمس كنت أجمع علب ( الكانز ) الفارغة، ووصلت عند كازينو على الكورنيش، وسألت إذا كان عندهم ( كانز ) أو حتى علب كارتون أبيعها لتاجر الخردة؛ صاحب الكازينو تأثر، ومن شدة تأثره أعطاني كرتونة ( كانز ) ممتلئة، أشرب منها أنا وأولادي، ونبيع الفارغ خردة للتاجر! على فكرة يا مِسْ بيع الخردة مكسبه كبير، كيلو الكانز بعشرين جنيه ! يعني خمسة كيلو بالمائة جنيه التي يرميها لي حضرة المدير المغرور!

ضحكت وأنا أسمعها تصف المدير بالمغرور، وقلت لها :

-         واضح إنه أصبح بالنسبة لكِ عقدة ؟!

ابتسمت ابتسامتها العجيبة، وقالت :

-         عقدة! مصيبة، كل يوم الناس كلها تخرج من المدرسة، إلا أنا بحكم من حضرة المدير قراقوش  ضروري أعمل لحضرته شاي أو نسكافيه، أو قهوة، وأشتري له علب السجائر، وبعد ما حضرته يخرج من المدرسة العصرأو بعد العصر؛ أقوم أتمم على الأبواب كلها وأقفلها !

-         معقول يا " أم صابر " أنتِ وهو وحدكما والشيطان ثالثكما !

-         يا مِسْ لا شيطان ولا يحزنون، " أم صابر " بالنسبة له عاملة نظافة، يعني زَبَّالة، أو تقدري تقولي خدامة .

-         الله يعينك !!

-         تشكري يا مِس! والله العظيم ساعات الشيطان يكون موجود فعلا !

-         معقول !!

-         ويقول لي ( كلمة في سرك يا مِسْ ) أضيف له في الشاي مع السكر حبة أو حبتين من سم الفئران، لكن خوفي على نفسي وعلى أولادي يمنعني في آخر لحظة، فأقول ( الله يخزيك يا شيطان .. الله يخرب بيتك يا شيطان أنت والمدير في ساعة واحدة ) .

وأنا أضحك من كلامها وأسلوبها في التهكم من المدير، ولثوانٍ معدوداتٍ تخيلتها خلف القضبان ووكيل النيابة بأعلى صوته يقول لكل من في قاعة المحكمة :

-         انظروا إلى تلك المرأة الماكرة اللعوب، التي يسهل عليها استدرار عطفكم، إنها قتلته ببشاعة دون أن يرمش لها رمش !

سماعي لثرثرة ( أم صابر ) كانت بالفعل تخفف عني الكثير من التوتر والضغوط النفسية التي كنت أعاني منها في هذه الفترة الصعبة، لا سيما أنني أصبحت أعيش في جحيم لا يُطاق، لكنني مشلولة الإرادة، ولا أستطيع اتخاذ قرار بالفرار والنجاة منه !

وذات صباح وأنا في طريقي إلى المدرسة؛ صدمتني سيارة يبدو أن سائقها كان سكرانا مثل زوجي، فلم تأخذه بي أي شفقة، ولم يتوقف حتى ليطمئن على هذه الروح المسكينة التي كاد يرسل بها إلى الأخرة!

نُقلت إلى المستشفى، وظللت محجوزة هناك أياما، ثم نقلني أهلي عندهم لرعايتي، حتى أسترد عافيتي، وعندما عدت إلى شقتي لم أتحمل، فقطعت أجازتي المرضية، وعدت إلى المدرسة؛  فوجئت بخبر اختفاء المدير، هذا الخبر الذي وصلني من زميلاتي - من قبل - وأنا في بيت أهلي، لكنني كنت لا أزال أعاني من آثار الحادث فلم أهتم، وحسبته في أجازة مرضية - كما حدث لي - أو في مأمورية طويلة، أو تدريب، لكنني عندما عدت إلى المدرسة؛ فوجئت بأن الجميع يتحدثون عن اختفائه الغامض،  ويرجحون أنه قد قتل! ويقولون أن الشرطة بحثت عنه في كل مكان لكنهم لم يعثروا له على أي أثر! ولا يزالون يبحثون ولكن دون جدوى .

لا أحد يعرف أين ذهب ! حتى "أم صابر" عندما سألتها ؛ ارتسمت على وجهها ابتسامتها البلهاء تلك، وقالت وهى تهز رأسها بطريقة عجيبة :

-         أكيد طفشان يا مِسْ .. عنده خمسة أولاد محتاجين مصاريف، والعيشة صعبة، أكيد طفش !

لا أدري لماذا بدأت أشك في أن " أم صابر " هى التي قتلت المدير، وأخفت جثته، بل وبدأت أشك أيضا أنها كانت قد قتلت زوجها، وأخفت جثته بنفس الطريقة ! إلى هذه الدرجة تستطيع امرأة أن تقتل شخصا، وتخفي جثته، ولا تترك أثرا يدل على جريمتها ! رجال الشرطة أنفسهم حتى الآن لم يعثروا عليه، إنهم حتى لا يعرفون إن كان قد قُتل أم لا يزال على قيد الحياة!

تلك الداهية يظنها الجميع مسكينة بلهاء، بينما هى في الحقيقة سفاحة لكنني أعذرها، فالحياة قاسية، وليس أمام المرء فيها إلا أحد خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن تكون ظالما، أو ترضى بأن تكون مظلوما، وهى اختارت أن تكون ظالمة

لقد قتلت زوجها لأنه كان يضطهدها، واليوم قتلت مديرها لنفس السبب، ربما هى ليست ظالمة، إنها فقط امرأة حديدية تخفي حقيقتها خلف تلك الهيئة الرثة والثياب المهترئة .

قررت أن أستعين بها في التخلص من سبب بلائي، حتى أستريح وأهنأ بعد شقاء؛ لذلك طلبت منها أن تأتي لتنظف شقتي وتمسح السلم، وعرضت عليها أجرا لا تحلم به، فوافقت على الفور.

وهى تجلس معي في غرفة الاستقبال، رأيت الدهشة وعلامات التعجب ترتسم على وجهها، فالشقة نظيفة، والسلم يلمع أكثر من سلالم المدرسة التي تمسحها كل يوم ! لم أضيع وقتا، وفاتحتها بالأمر، وأخبرتها أنني سأدفع لها ما تطلبه وأكثر، وبأنني سأعينها في تنفيذ المهمة، وأكَّدت لها أن أهم شيء عندي هو إخفاء الجثة، والتخلص منها، لكنها للأسف رفضت، وأخذت تصرخ وتصيح في وجهي، وهى تنكر أي صلة لها بمقتل مديرها أو زوجها، بل ودفعتني بقوة جانبا، وانطلقت نحو الباب، وهى تصرخ باكية:

-         أنا بريئة يا مِسْ، والله العظيم بريئة، حرام عليكي تتهميني، أنا لا يمكن أقتل فرخة حتى ..

يبدو أنني - كعادتي - أسأت التقدير، كيف سأتخلص منه الآن بعدما أطلعت تلك اللعينة على سري الدفين ؟! ربما يجب علي أولا أن أتخلَّص منها قبل أن أتخلَّص منه، إنها ثرثارة، ولا يقر في صدرها سر، ولكن قبل أن أفعل ذلك يجب علي أن أعرف كيف تذيب كل اللحم والعظم، ولا تترك أي أثر !

في اليوم التالي، وبعد انصراف الجميع، نزلت " أم صابر" كعادتها لتمسح دورات المياه، كدت أتراجع عما انتويته وأنا أتابعها من فتحة باب الحمام الذي اختبأتُ فيه، هى فعلا مسكينة، كدت أبكي وأنا أراها تمد يدها في إحدى بلاعات الصرف الصغيرة، لتخرج منها قطعة قماش كانت تسد مجرى المياه، كان الإجهاد واضحا عليها، والعرق يسيل منها بغزارة، فتمسحه بأكمامها الملوثة بمياه الصرف، الحبل الذي سأخنقها به سقط من يدي رغما عني، التقطته، وتابعتُ مراقبتها في انتظار اللحظة المناسبة لإنهاء الأمر، كنت على ثقة من أنه لا يوجد في المدرسة - في هذا التوقيت - إلا أنا وهى، فجأة رأيتها تترنح، وتسقط على البلاط ! أصبحت ممدة على الأرض بلا أي حِراك، وكأنها فقدت الوعي، ظللت في مكاني وراء باب الحمام ولم أتحرك، مرَّت دقائق ولم تأتِ المرأة بأية حركة، أتكون قد ماتت ؟! لم يعد بإمكاني البقاء أكثر من ذلك، فخرجت من مكمني، تحسست يدها ورقبتها لأبحث عن أي نبض، ولما تأكدتُ أنها حية، أخذت أرش وجهها بالماء لتفيق، مع أن وجهها كان ينضح بالماء والعرق! يبدو أنها في غيبوبة، ماذا أفعل؟! بضغطة بسيطة على عنقها، ستموت، يمكنني أن أكتم أنفاسها! لكن يدي لا تطاوعني، لست قاتلة، أجهشت بالبكاء، وأنا أحاول حملها، وجرِّها للخارج، جريت نحو الباب الرئيسي للمدرسة، بعض الباعة الجائلين كانوا لا يزالون في أماكنهم أمام المدرسة، استغثت بهم، طلبوا الإسعاف، وتم نقلها للمستشفى .

لا أعرف كم مرَّ من الوقت، وأنا أجلس بجانبها على أحد الأسرة، أخبرني الطبيب بأنها غيبوبة كبدية، فالمسكينة لديها تليف كبدي كبير، كما أنها تعاني من فقر دم وأنيميا .. ولديها مشاكل أخرى، حتى أن الطبيب قال متعجبا :

-         أنا مندهش جدا، هذه المرأة لا يمكن أن تكون على قيد الحياة، فلديها مجموعة أمراض، كل مرض منها كفيل بقتل فيل!!

عندما عدت إلى شقتي، كان الوقت متأخرا، حاولت أن أشرح له، لكنه كعادته لم يترك لي فرصة للكلام، دفعني بقوة نحو المرآة؛ فتهشمت، وتناثر زجاجها في كل مكان، وشُجت رأسي، وسالت منها الدماء بغزارة، على التسريحة مقص حديدي متوسط الحجم، لا أدري كيف وصل إلى يدي، ولا أدري إلى الآن كيف استطعت أن أغرسه في عنقه، الأمر يبدو لي كحلم مزعج أو كابوس، لا يمكن أن تكون كل هذه الأحداث حقيقية!

في قاعة المحكمة، وبعد مرافعات ومداولات، وقبل أن يصدر الحكم، شاهدت بعينيَّ مدير المدرسة بين الحاضرين! " أم صابر" كانت قريبة من القفص الحديدي، أشرت إليها لتقترب مني، فاقتربت، سألتها بذهول :

-         لم تقتلي المدير ؟!

اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت هامسة :

-         يا مِسْ، المدير كان محجوز في مستشفى في رأس البر، ومحفظته بالفلوس بالأوراق واحد ابن حلال سرقهم، أنا بريئة يا مِسْ

-         معقول أكثر من شهر وهم يبحثون عنه

ابتسمت ابتسامتها البلهاء، وهى تقول :

-         في المستشفى الداخل مفقود، والخارج مولود، اسأليني أنا يا مِسْ .

 

الأربعاء، 14 يوليو 2021

رسالة من العالم الآخر

 

رسالة من العالم الآخر

       قررت عندما أموت -  وهذا ليس واردا الآن في مخيلتي – أن أضع قلما وبعض الأوراق في قبري! حتى أكتب كل ما يمر بي وما يحدث لي داخل القبر من خير أو شر . قدماء المصريين أنفسهم كانوا يحرصون على وضع ملابسهم وطعامهم معهم، بل وذهبهم وحليهم ، فقد كانوا يؤمنون بعودة الروح إلى الجسد بعد الموت ! صحيح أن أحدهم لم يقم من موته قط ؛ ولم ينفعه شيء مما وضع له في قبره؛ بل أصبح معظم هذه الأشياء نهبة للصوص المقابر! لكن ما المانع من وضع قلم ؛ أو حتى بضعة أقلام وأوراق ؛ وتسجيل كل ما يدور لحظة بلحظة، وما المانع من وضع كاميرا فيديو تصور وتسجل كل شيء ! فإن عادت الروح إلى جسدي ؛ كنت أول من يرتاد العالم الآخر؛ ويرسل رسائل حية إلى هؤلاء الأحياء الذين لا يعرفون ماذا ينتظرهم في هذا العالم المجهول.

       لم يكن الموت محببا إلى قلبي، بل كانت مجرد فكرة كتبتها في وصية؛ وذكرتها لزوجتي. فكرة تملكتني بسبب كثرة من يموتون حولي في زمن الوباء والبلاء! لكن يبدو أنها راقت لها؛ وبطريقة سحرية بدلت الوصية؛ فبدلا من ( قررت عندما أموت....) جعلتها ( قررت أن أموت .. .. ) وبالفعل وضعت لي السم في طاجن البامية الذي أحبه؛ ووضعت خبرة الطهي التي اكتسبتها طيلة السنوات الماضية في هذا الطاجن؛ حتى إنني كدت آكل أصابعي، وأنا ألتهم البامية المسمومة!

        الجميع يعتقدون الآن أنني انتحرت! يظنونني قتلت نفسي من أجل أن أقوم بهذه التجربة الرهيبة، والتي ذكرتها في وصيتي بالتفصيل! هذه الوصية التي تحولت إلى شاهد إثبات على انتحاري! أسمعهم الآن وهم يصفونني بالمجنون؛ ويتهمونني بأنني وصمت العائلة كلها بالعار، بسبب هذا الانتحار؛ ها هو ابن خالي الذي يكرهني بشدة؛ ودون سبب، يقول ( الكلب عاش ناكرا ؛ ومات كافرا !) أما ابن عمتي الطيب، فسأل من حوله ( ماذا سنفعل في وصيته؛ الوصية يجب أن تنفذ على حد علمي) ردت عليه أختي الكبرى قائلة بغضب واضح ( معقول هذا الكلام! كفاية فضائح، سيرتنا أصبحت على كل لسان؛ ادفنوه، واقفلوا عليه باب القبر بالضبة والمفتاح، الله يسامحه! جرسنا وفضحنا.)أما أخي الأصغر الذي نشبت بيني وبينه العداوة والبغضاء بسبب الميراث، فقال ( لا تجوز الصلاة على المنتحر؛ قاتل نفسه - يا جماعة - كافر؛ لا يغسل؛ ولا يصلى عليه.)

          لم يوافق أحد منهم على عودة جثماني من المستشفى إلى البيت! اتفقوا جميعاً على أن يذهبوا به مباشرة إلى القبر! وفي القبر لم أجد شيئاً مما أوصيت به! لم يحترموا وصيتي! ابني الأكبر أصر على أن يحمل الجثمان معهم وهم ينزلون به إلى اللحد؛ وغافل الجميع؛ ودس شيئاً في طيات الكفن، لم يلاحظه أحد؛ وخرجوا؛ وأغلقوا الباب بإحكام! وكأنهم يخشون خروجي!

          شيء عجيب جدا! فرغم رهبة المكان، كان طعم البامية لا يزال يدغدغ لساني؛ فقد كانت لذيذة جدا؛ لدرجة أنني نسيت أنني أصبحت مجرد جثة داخل كفن أبيض! أخرجت ما وضعه ابني، وأخفاه في الكفن؛ فإذا به عبارة عن دفتر صغير؛ وقلم؛!وهاتفي النقال! ابني حبيبي نفذ الوصية؛ بسعادة كبيرة ضغطت مفتاح التشغيل؛ فأضاءت شاشة الهاتف الفضية؛ فاستنار المكان حولي؛ نزعت قماش الكفن الملفوف حول جسدي؛ وتربعت في مكاني؛ فوجئت أن القبر ليس حفرة مخيفة كما كنت أتخيل! بل وجدته يشبه تماما حجرة مكتبي! والأعجب من ذلك أن التكييف كان موجودا؛ وكان يعمل لدرجة أنني شعرت بالبرد يتسلل إلى جسدي؛ مما جعلني أتساءل إذا كنت حقا ميتا أم أن كل هذا مجرد كابوس رهيب! طلبت زوجتي على الهاتف؛ فاجأني صوت ابنتي وهي تسألني بلهفة واضحة ونبرة صوت غاضبة:

-  بابا! أين أنت، لماذا لم تُحضر المبلغ الذي طلبته منك! لقد طردتني سكرتيرة المستر لأنني لم أدفع فلوس الدرس؛ الامتحان غدا؛ الله يسامحك يا بابا ضيَّعت مستقبلي!

ثم سمعت صوت زوجتي؛ وشعرت بأنفاسها الساخنة تلفح وجهي! وهي تقول باستفزاز كعادتها:

-         ثلاثة أيام بلياليها وحضرتك ناسينا! إذا كنت مرتاح عندك؛ وناوي تطوِّل؛ أرسل لنا مصروف البيت؛ الأكل خلص؛ والأولاد محتاجين مصروف؛ ومواصلات؛ ودروس!

أصابني الذهول، وتساءلت في حيرة:

- إذا كانت زوجتي تحدثني بهذه الطريقة، ولا تعلم وفاتي؛ فمن الذي وضع لي السم في البامية؟! مؤكد أنها أختي الكبرى؛ إنها تكرهني، ولم لا وقد طردتها مضطرا بعد المشاجرة التي وقعت بينها وبين زوجتي مؤخرا؛ طردتها حتى لا تتفاقم الأمور ويحل الخراب على بيتي! وربما يكون الفاعل هو أخي الأصغر فما دار بيني وبينه أثناء تقسيم الميراث أشعل نارا من الصعب جدا إطفاؤها!

            في خضم هذه الحيرة سمعت جلبة خلف باب القبر؛ وشعرت بأن الباب على وشك أن ينفتح! أطفأت الهاتف؛ وعدت إلى داخل الكفن بسرعة؛ وتمددت كما كنت، شعرت بدبيب أقدام كثيرة من حولي؛ وانحنى اثنان نحوي؛ أحدهما يقيس النبض؛ والآخر يضغط بقوة على صدري، و .. .. ؛ وسمعت صوتا - تشي نبرة صوته بأنه ضابط شرطة – يقول:

 - يبدو أنه على هذه الحالة منذ ثلاثة أيام! هل مات؟!

-  لا، لم يمت، لكن نبضه ضعيف جدا!

-  معقول! مرت عليه ثلاثة أيام؛ ولا يزال على قيد الحياة؟!

 - قلبه قوي؛ ولديه إصرار على أن يعيش! شخص آخر في نفس هذه الظروف مؤكد كان سيموت في أقل من هذه المدة!

-  لكن كيف عرفتم أنه هنا في المكتب ؟!

كان الضابط يوجه سؤاله لبعض الجيران الذين دخلوا مع أفراد الشرطة، ورجال الإسعاف؛ رد أحدهم قائلا:

- الأستاذ هشام المحامي اعتاد هو وأسرته كل خميس على أن تذهب زوجته وأولاده إلى شقتهم في رأس البر؛  و بعد أن ينهي عمله؛ يلحق بهم؛ ويخلو المكتب يومي الجمعة والسبت، لكن هذه المرة سمعنا أصواتا؛ وطرقات غريبة تأتي من داخل الشقة؛ فظننا أن لصوصا يحاولون سرقة ونهب شقة الأستاذ؛ واتصلنا فورا بالشرطة.

سأل الضابط هذه المرة الطبيب الذي كان يسعفني:

- هل هي غيبوبة سكر؟

- لا؛ سعادتك هو ليس مريض سكر، ولكن يبدو أنه فقد توازنه؛ وسقط على الأرض؛ فاصطدمت رأسه؛ وفقد الوعي! إنها إمور تحدث كثيرا لمن كان في مثل سنه !

       رغم أنني كنت في حالة يرثى لها؛ واضطر رجال الإسعاف إلى نقلي إلى المستشفى؛ إلا أنني كنت قد بدأت أشعر بما يدور حولي؛ كل الوجوه حولي غريبة؛ بحثت بينهم عن وجه ٍ واحد ٍ أعرفه فلم أجد! أين أولادي؛ وأين زوجتي؛ أين إخوتي؟!  لولا بلاغ الجيران ما أحس أحد بوجودي! ربما لو بقيت في هذا المكان شهورا ما أحس بي أحد منهم حتى تتعفن جثتي وتزكمهم الرائحة! بكيت كثيرا عندما سمعت ممرضة تسأل زميلاتها في دهشة:

-         أليس له أقارب؟!.

تأليف / متولي بصل

دمياط – مصر

15 / 7 / 2021 م

المشاركات المميزة

تغريدة من قصيدة قم يا معلم ( بحر الكامل ) متولي بصل

قم يا معلم قد صبرت طويلا واطلب حقوقك وارفض التأجيلا قد كنت في صدر الزمان مكرما كيف ارتضيت بأن تكون ذليلا ؟ إن غاب ضوء الشمس عن أوطان...