Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقطع من رواية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقطع من رواية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 10 يوليو 2020

شعبان في خبر كان 4

شعبان في خبر كان 4

     عندما عاد إلى البيت ، وجد أمه نائمة ؛ نظر إليها فدمعت عيناه ؛ وقبل جبينها ، ويديها، ثم ذهب إلى حجرته ، وارتمى وسط آلاف الأوراق التي تملأ الحجرة ، ورفع ساقيه وأسندهما على إحدى الكراتين بينما شبك أصابع يديه وجعلهما كوسادة تحت رأسه ، إنه في حيرة من أمره ؛ فمن المؤكد أن معرفته لكل هذه الأسرار وراؤها سبب ؛ واطلاعه على كل هذه المعلومات والبيانات ليس مصادفة ؛ إنه الآن يعرف أدق التفاصيل عما يدور في هذه المحافظة المسكينة ، بل ويعرف الكثير عن المشروعات التي لم تتم بعد ، والتي تقرر إنشاءها في السنوات المقبلة ! خرائط الاتساع العمراني والتي للأسف لا تراعي إلا مصالح الأثرياء وأصحاب النفوذ فقط !هؤلاء لهم كل المكاسب أما الفقراء فلهم الجنة !

     سمع صوت أبيه ، يبدو أنه قد عاد ؛ ويبدو أن أمه قد استيقظت ، بل وجهزت العشاء ؛ سمعها تناديه ؛ فخرج وجلس معهما لتناول الطعام ، فاجأهم الأب قائلا :

-        تصدقي يا " أم شعبان "  إن الأستاذ " شوكت " قريبنا مرشح نفسه لعضوية البرلمان !

اندهشت الأم  ، وقالت :

-       قريبنا ازاي يا " عبد العظيم " ده لا يعرفنا و لا نعرفه !

-       هو قريبنا من بعيد ..  ..  بس ناس كتير بيقولوا إن فرصته في النجاح كبيرة ، الناس في القهوة مفيش لهم سيرة غير الانتخابات والمرشحين لها .

-       يعني لو حتى كان قريبك ، ونجح ..  ..  ها ينوبنا إيه من وراه ؟!

-       ينوبنا إيه ..  ..  أقله يوظف لنا ابننا ، ولا عاجبك قعدته في البيت ..  ..  يعيّنه في أي وظيفة !

التفت إلى " شعبان " وسأله :

-       صحيح يا ابني ..  ..  موضوع الشركة طول قوي .. .. ده فيه ناس بيقولوا لي إنهم أكيد نصابين ، فات أكثر من خمس شهور ، وانت حابس نفسك مع الورق بتاعهم ، ولسه مفيش خبر ، همه ناويين يقبّضوك إمتى يا ابني ؟!

فاجأه السؤال ، وحاول أن يخفي ارتباكه بقوله :

-       هانت يا با ..  .. ما تقلقش فاضل شوية حسابات أخلصها ، وأقدم لهم الورق ، واتعيِّن على طول بإذن الله .

-       يا ابني أنا بس قلقان عليك ، أنا وامك أي حاجة بتكفينا ، إنما انت مشوارك لسه طويل ؛ محتاج شقة ، وعفش ، وشبكة تقدمها ، ومهر ، ومصاريف كتير .. ..  نفسنا نشوفك في بيتك متهني زي كل اللي في سنك !

التفتت إليه الأم ، وسألته باهتمام :

-       بالمناسبة شقة المجلس ، مفيش عنها أخبار ؟

أجابها الرجل بيأس :

-       الشقق من قبل ما تتبني بيوزعوها على الحبايب من بره بره .. .. أمال أنا كنت باكلمك عن قريبنا اللي مرشح نفسه ليه !

-       همه مش جم وعاينوا البيت اللي احنا فيه ده ، وقالوا نازله قرار إزالة ، واننا نستحق شقة ، مش قالوا الكلام ده بعضمة لسانهم !

تكلم " شعبان " الذي كان يسمع بمرارة ، وقال :

-       اللي بيقولوه غير اللي بيكتبوه !

-       يعني إيه ؟!

-       يعني زي ما ابويا قال ..  .. الشقق بتتوزع من قبل ما تتبنى بالرشاوي والواسطة ، واللي زينا ربنا يتولاه !

-       يا خسارة يا ابني ..  .. احنا كنا عاوزينها عشانك انت .. .. عشان تتجوز ونفرح بك !

فاجأها زوجها بقوله :

-       وافرضي الشقة جت .. .. هاندفع مقدمها منين ؟!

قال " شعبان "

-       هانضطر نتنازل لواحد من الأغنيا ، يدفع مقدمها وياخدها هو من الباطن ، واحنا كل اللي ها ينوبنا كام ألف ، هو ده اللي بيحصل

تحسّرت الأم قائلة :

-       ياااه ..  ..  دي تبقى بقى معمولة للناس المبسوطين اللي معاهم الفلوس ، مش للغلابة اللي زينا !

قال " شعبان " ليخفف عنهما :

-       ما تحملوش همي .. .. إن شاء الله ها تتعدِّل .. .. بكره اشتغل وتفرج بإذن الله !

كل واحد بياخد نصيبه ، مش كده برده ؟!

-       ونعم بالله .. .. ربنا يجعل نصيبك خير ، وينوِّلك من الفرح كله!

ابتسم أبوه ، وقال :

-       والله يا ابني أنا مبسوط منك .. .. انت بقالك فترة بتتكلم كلام كله حكم .. .. وعندك قناعة ورضا .. ربنا يكمّلك بعقلك ويفرحك ويرضيك يا ابني !

     استأذن من أبويه ، ودخل حجرته ، وأوصد بابها المتهالك ، لكنه لم ينم ! ظل طوال الليل عاكفا على الأوراق يقرأ ويكتب ملاحظاته ، لقد قرر أن يستفيد من هذا البحر الهائل من المعلومات التي أصبحت بين يديه ؛ فحبس نفسه أسبوعا آخر يقرأ و ينظم ويدقق ويقارن ، وقد أفادته دراسته في المعهد الفني التجاري فيما يقوم به ، وعندما خرج من محبسه تعمّد أن يمشي مسافة طويلة ، فسار من أمام المعهد الأزهري حتى وصل إلى الكوبري الجديد كانت الشمس تميل إلى الغروب ، وقد بدأ الناس يخرجون إلى الكورنيش للتمتع بهواء النيل المنعش ؛ ثم اتجه إلى القنطرة ، ومر بسوق السمك ، وجده مزدحما بالناس ! فتعجب فهو يعرف أن الزحام يخف شيئا فشيئا قبل غروب الشمس ، حيث يكون الجميع قد اشتروا احتياجاتهم من السمك للغداء ، والآن تغرب الشمس وما زال السوق يعج بالبشر ، تلاشى تعجبه هذا عندما دقق النظر فيمن حوله ، كان معظمهم من المصيفين ، عرف ذلك من وجوههم وجلودهم التي أكسبتها ملوحة البحر ، وأشعة شمس رأس البر صبغة مميزة ! كان الزحام شديدا ، ورغم أن الطريق يتسع لأربع سيارات متجاورة إل أنه لم يكن يسمح إلا بمرور سيارة واحدة في اتجاه واحد فقط ، بسبب الباعة المتجولين المنتشرين على الرصيف ، بل وعلى الأسفلت في نهر الطريق ، ومن العجيب أن أفرادا من شرطة المرافق ، وشرطة المرور كانوا متواجدين في المكان ! وشاهد شعبان بعينيه أحد الباعة يدس يده في جيب أحدهم ، كما رأى صولا يتحدث إلى بائع آخر بود ٍ شديد ٍ ، وهو يعاتبه قائلا :

-        الأولاد نفسهم في الحنشان يا عم زكريا

رد عليه البائع ، وكأنه يكلم صاحبه الذي لا يفارقه ، وقد ارتسمت على وجهه الضخم ابتسامة عريضة :

-       ما يغلاش عليهم يا حضرة الصول ..  .. ها تصبح الصبح تلاقيه بيتلعبط عندك في البيت ، ولو إن الكيلو عدّى المية وعشرين جنيه ، بس ما يغلاش عليهم !

       عبر الزحام الخانق بصعوبة ، ودخل سوق العطارين كان مزدحما هو الآخر ، سار فيه حتى وصل التجاري ، مشى فيه ببطء ؛ وهو يتأمل البيوت العتيقة المتلاصقة إنها تبدو من الأسفل كالجديدة من فرط عناية أصحاب المحلات واهتمامهم بتزيينها ؛ لكنها في الحقيقة بالية ويجب إزالتها ، فقد صدرت لها قرارات هدم وإزالة منذ سنوات ، لكن هذه القرارات بمرور الوقت أصبحت مجرد أوراق بالية في الأدراج ! تذكر وهو يقترب من جامع البدري ذلك الهاتف الذي سمعه وهو يقف على رصيف مبنى المحافظة ، والذي كان يقول ( كل ما حولك ليس إلا فألصوا ) ، تذكر أيضا أن كل قرارات الإزالة توجد صور لها ضمن الأوراق الموجودة عنده في البيت ، تعجب من أن قرارا واحدا منها لم ينفذ حتى الآن ، من المؤكد أن أصحاب المحلات - وهم أكثر أهل البلد ثراء – قد دفعوا الكثير لتعطيل هذه القرارات ، دفعوا أموالا طائلة ليكون مصيرها أن تحرق في محرقة القمامة كما كان مخططا لها !

       ظل يمشي حتى وصل قهوة اللؤلؤة حيث يعمل أبوه ، كان يعلم أن أباه قد أنهى عمله في القهوة وانصرف ، أراد أن يجلس ويستريح ، فتش جيوبه ؛ فوجدها خاوية ، من أين سيدفع ثمن الشاي لو طلبه ؟! قبل أن يولي ظهره للمقهى ، ويعود كما أتى  سمع صوت " عم برقوق "  زميل أبيه في العمل  

-       أستاذ " شعبان " ..  ..  أستاذ " شعبان " !

التفت إليه ، وسلم عليه ، أصر ّ الرجل  ؛ بل وأقسم عليه أن يجلس ، وما أسرع ما أحضر له كوبا من التمر المثلج ، فجلس وما كاد يشربه ، حتى فوجئ به يحضر له كوبا من الشاي !

       وبينما هو يحتسي الشاي سمع الناس حوله يتحدثون عن الانتخابات ، كانوا جميعا متفقين على أن الصراع سيحسمه أصحاب المال والنفوذ ، لكن كانت هناك مناوشات خفيفة بينهم  ؛ فالبعض يؤكد أنه لن يرشح إلا من يراه الأصلح ، والبعض الآخر يقول أنه طالما الأمر محسوم مسبقا لأصحاب النفوذ والمال الذين يشترون الأصوات فعلى الأقل يستفيدون قدر الإمكان ، فهذا الموسم لا يتكرر إلا كل أربع سنوات

       شد انتباهه حوار آخر يدور حول المحافظ الجديد ، يتوقعون أنه لن يطول به المقام بينهم ، لقد فشل فشلا ذريعا ، و لا أحد يدري السبب ، رغم ما كانوا يسمعونه عنه من قبل ، من أنه شعلة من النشاط ، وما اشتهر عنه من نزاهة يده ، ونظافة ذمته ! ووجد " شعبان " نفسه يقول ، وبصوت سمعه الجالسون بالقرب منه :

-       أنا عارف السبب .. .. أنا عارف السبب .. .. رجل نزيه مثله ، بين عصابة من اللصوص .. .. أكيد لازم يفشِّلوه .. .. ومش بعيد يطلَّعوه حرامي !

تنحنح ، وقد أصيب بالارتباك من نظرات من حوله ، لكنهم سرعان ما عادوا إلى أحاديثهم المتلاطمة كالموج ، فقال في نفسه ، وهو يبتسم :

-       ربما حسبوني أحد المجانين الذين كثر عددهم في هذه الأيام ، لكن أنا فعلا عارف السبب ، وعارف كمان إن أي محافظ سيأتي سيكون مصيره الفشل !

       قام من مكانه بعدما شكر " عم برقوق " الذي كان في غاية اللطف والذوق لدرجة أنه أراد أن يحضر له فنجانا من القهوة ، كانت عقارب ساعته تشير إلى الثامنة ، قرر أن يعود من طريق باب الحرس ، ويسير حتى ميدان الشهابية ، قال لنفسه ، وهو يتخيل مشوار عودته الطويل :

-       ياه .. .. مسافة كبيرة قوي .. .. لكن أعمل إيه ومفيش معايا و لا جنيه .. .. يا ترى فيه كام واحد زي داخلين على سن الأربعين وهمه مفلسين .. .. ومافيش في جيب الواحد منهم حتى جنيه يركب بيه مواصلات ؟!

       أثناء سيره رأى عشرات المتسولين، تلح ألسنتهم وأيديهم بالسؤال ! والعجيب أنه شعر أن كثيرا من الناس العاديين الذين يسيرون بجانبه على الرصيف في نفس الاتجاه ، أو في الاتجاه المعاكس هم أيضا تبدو عليهم علامات التسول ، لكنه تسول من نوع آخر ، إنه تسول يعرفه ، ويعيشه ، وقد ذكره هذا بحكاية حدثت له مع ابن خالته ، هذا الشاب الذي سافر إلى العراق ، قبل حرب الخليج ، وكون ثروة كبيرة ، وعندما عاد بنى عمارة كبيرة في منطقة الأعصر الأولى وجعل الطابق الأول كله عبارة عن ورشة كبيرة لتدهيب الموبيليا

لقد ذهب إليه ، وطلب منه أن يعمل عنده ، حتى يتعلم الصنعة ، ويصبح " مدهباتي " لكن وعلى غير ما كان يتوقع ؛ فوجئ به يرفض ! وعندما قال له :

-       ممكن تشغلني من غير أجر .. .. لغاية ما أتعلم !

-       أتكسف أشغلك من غير أجرة .. ..

لقد بخل عليه، وكره أن يعلمه صنعة يأكل منها ، عرف شعبان وقتها أن التسول لا يكون من أجل المال فحسب !

       عندما وصل الميدان فوجئ بأعداد كبيرة من أبناء الصعيد يفترشون الأرصفة ، مجموعات صغيرة متناثرة في أحشاء الميدان ، في انتظار أي شخص يحتاج إلى عمالة ، هدم بناء ، حمل رمل وظلط وطوب ، إنهم على استعداد لأي أعمال شاقة ، وها هم ينامون في العراء ، شاهد شابا يجلس القرفصاء عند كومة من القمامة ، ويمد يده داخل شنطة بلاستيكية ، ياه .. .. إنه يأكل منها ؛ لم يصدق عينيه ! انسلخ من المشهد بسرعة ؛ وألقى بكل ما انتابه من مشاعر خلف ظهره  ، وسار بمحاذاة الكوبري العلوي ، وجد نفسه على مسافة بضعة أمتار من السلم ، كان على وشك أن يعبر الطريق ، لكن شد انتباهه مجموعات من إطارات السيارات مرصوصة فوق بعضها ، وبطريقة تجعل منها ما يشبه كوخا أو عشة عجيبة ، مكان غريب في الفراغ الكبير أسفل الكوبري ، ذهل عندما رأى أطفالا يلعبون حول هذه العشة كانوا متشابهين لدرجة كبيرة ، وزاد من ذهوله أن كل واحد منهم لم يكن يرتدي إلا قطعة واحدة ، فبعضهم يرتدي ما يستر نصفه السفلي فقط ، بينما نصفه الآخر عار ، والبعض الآخر يرتدي ما يستر نصفه الأعلى بينما نصفه الآخر لا يستره شيء ! ظل واقفا في مكانه مذهولا ، رغم أنه كان يشعر أن ساقيه تعجزان عن حمله من شدة التعب ، ووجد نفسه يقول :

-       على أعتاب القرن الواحد والعشرين .. .. وما زال في هذا البلد من يعيشون عيشة القبائل البدائية  !

فوجئ بشيخ يخرج من وسط الإطارات أشعث ممزق الجلباب ، أو ما كان يطلق عليه من زمن ٍ جلبابا ! قعد أمام بيته فوق صخرة كبيرة ، وأشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانها في الهواء ، وهو يضع ساقا فوق الأخرى ، بينما الصغار يلعبون ويمرحون من حوله ! ولاحظ " شعبان " أن دخانا كثيفا بدأ يتصاعد من بين الإطارات ، رأى سحبا من الدخان الأسود ، والتي لا يعقل أن تكون منبعثة من السيجارة التي يدخنها الشيخ العجيب ؛ فدقق النظر وإذا بعجوز لم يكن يستطيع رؤيتها ليس بسبب الظلام فقط ، ولكن لأن الثوب الذي يسترها لا يختلف كثيرا عن الصخرة السوداء التي تجلس عليها ! كانت جالسة أمام ما يشبه الفرن الصغير ، أو ما يطلق عليه ( الكانون ) لقد صنعته من صفين من الطوب ؛ أربع أو ست قطع من الطوب ؛ وفي الوسط  وضعت قطع من الخشب ؛ وأشعلت فيها النار ؛ وفوق كل ذلك وضعت وعاء أو قدرا كبيرا ! سأل نفسه بأسى شديد :

-       هل ما زلنا نعيش في قرون الظلام ؟!

عبر من أمامه رجل ، بدا عليه التأثر الشديد ، سمعه يقول ، وهو يهز رأسه متعجبا  :

-        لا حول ولا قوة إلا بالله .. .. لا حول ولا قوة إلا بالله !

-       احنا في سنة كام يا حاج ؟!

-       ألفين يا ابني .. .. ألفين .. ..

فهم الرجل ما أراد " شعبان " أن يقوله ، ولكنه انصرف فما الذي يستطيع فعله ! وقبل أن ينصرف " شعبان " هو الآخر ، لاحظ اقتراب سيارة ملاكي ثم توقفها ، وما لبث سائقها أن أخرج كيسا كبيرا ، ومد به ذراعه في الهواء من النافذة ! على الفور تسابق الصغار نحوه ، والتقطوا الكيس ، انطلقت السيارة ، وقام الشيخ من مكانه بعدما أطفا سيجارته ووضع ما تبقى منها في جيب جلبابه ! زوجته هي الأخرى قامت من أمام فرنها الصغير ، ودخل الاثنان مع صغارهما بالكيس الكبير داخل البيت العجيب !

دمعت عيناه ، فتطلع إلى السماء يُقلب وجهه يمينا وشمالا  ، كان الظلام يبتلع كل شيء حوله ، و لولا أضواء المصابيح في أعمدة الإنارة ما رأى شيئا ! أحس أنه يحمل أثقالا فوق رأسه وكتفيه ، يكاد يسقط على الأرض من هول ما رأى وسمع ، فمن يراه على حالته هذه يظنه سكرانا !

       كل يوم  كان يرى ويسمع ، و يمر مرور الكرام ؛ فما الذي تغير اليوم ، إن قلبه يكاد يتقطع ، ويشعر أن في حلقه غصة هائلة تسبب له الاختناق ! لم يعد يقوى على السكوت ! إنه الآن يعلم الكثير ، ويعرف أن الفتات الذي يتبقى على موائد الفاسدين يكفي لحل جميع مشاكل كل هؤلاء المطحونين ، فلماذا يبخلون عليهم بهذا الفتات ؟!

       عندما عاد ؛ دخل حجرته ؛ أغلق بابها القديم بعنف دون أن يدري حتى أن الباب تفكك  بل وكاد ينخلع من مكانه ، نظر إلى الحائط المتآكل ، إلى السقف الذي تخلت عنه قشرته وسقطت ؛ فانكشفت أسياخ الحديد الصدئة ، ولأول مرة شعر أنه يعيش وسط أنقاض ، هو الآخر يعيش عيشة بدائية ، ووجد نفسه يقول متعجبا :

-       نحن أموات .. .. أموات بلا أكفان .. .. أموات لكن فوق التراب !

ونظر بحسرة إلى أكوام الورق والكراتين التي تملأ المكان ، إنها شاهد عيان ، وشاهد إثبات على الظلم الكبير الذي لا ينتهي ؛ على الحقوق المنهوبة والمسلوبة من أناس بسطاء والذين يسرقونهم هم للأسف المسئولون عنهم ! و يا ليتهم يفعلون كما يفعل الذئب مع الغنم ، فالذئب لا يفترس ولا يأكل إلا إذا كان جائعا ، أما هؤلاء فلا يشبعون أبدا مهما امتلأت بطونهم !

       بيَّت أمرا خطيرا ، وأعد َّ له عدته  ؛ وفي الصباح بدأ في تنفيذه ، قام قبل طلوع الشمس ، بينما كان أهل الحي نائمين يغطون في همومهم ، حمل الكراتين بما فيها من أوراق ، وألقى بها كلها في صندوق القمامة الكبير القريب ، وأشعل النار ، وكلما خبت زادها لهيبا ببعض البنزين الذي كان يملأ به زجاجة كبيرة ، ظل وقتا كبيرا يشعلها حتى تأكد من حرق كل الكراتين بما فيها ، وعندما أحس باستيقاظ بعض الجيران ؛ تسلل إلى البيت ! بينما كانت سحابة سوداء كبيرة تتسع شيئا فشيئا حتى كادت تخفي قرص الشمس الذي كان قد بدأ في الظهور ، وشظايا دقيقة جدا وجمرات متناهية في الصغر تتصاعد في السماء ، مر وقت ليس بالقصير والدخان يتصاعد في السماء إلى أن جاءت الريح فذهبت بالدخان الأسود الكثيف ، وبدأت النار في الصندوق الحديدي تذوي بعدما أتت على كل ما فيه !

       عاد إلى فراشه ، بعدما اطمأن إلى أن أحدا لم يشعر بما فعله لا سيما أبويه ، كانت رائحة الدخان قوية جدا ونفاذة ؛ فدخل واستحم وعطر نفسه وبدّل ملابسه ، تناول الإفطار مع أبويه ، لاحظ أن أباه ليس كعادته ، إنه يبدو مريضا ومرهقا ، ومع ذلك أصر على الذهاب إلى عمله ! تحامل على نفسه فليس لهم مصدر دخل آخر غير عمله في المقهى ! أحس " شعبان "بالخزي والعار ، وهو يرى والده على هذه الحال ولا يستطيع أن يفعل له شيئا ، كان أمل حياته ، وحلم عمره أن يعمل ويساعده ، ويخفف عنه !

       خرج هو الآخر بعدما استأذن أمه ؛ قرر أن يكمل ما بدأه ، ذهب إلى مبنى المحافظة ، طلب مقابلة المحافظ ، حاول كثيرا أن يدخل إلى مكتبه ، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل ، وحتى اليوم الذي كان مخصصا للقاء المحافظ بالمواطنين ، حتى هذا اليوم فوجئ بمن ينوب عنه !

       كان يعرف تماما أن هذا الذي ينوب عن المحافظ هو أحد أهم أضلاع الفساد ، ولو أنه عرف سبب مجيئه لنسفه من على الأرض نسفا ؛ لذلك عندما حان دوره للمقابلة ادعى أنه جاء يلتمس الحصول على شقة إيواء له ولوالديه ، فوعده السيد بأنه سينظر في طلبه ، وسيحل مشكلته في أقرب وقت !

       كل يوم كان يذهب على أمل أن يلتقي به ، لكنه كان يرجع خاوي الوفاض ، وفي هذا اليوم وهو عائد قرر أن يتصفح الجرائد المعروضة على الرصيف أمام محل الجرائد القريب من المقهى الذي يعمل فيه أبوه  ، وقف يقرأ العناوين ، فجأة صك أذنيه صوت سرينا الإسعاف، لحظات وشاهد سيارة الإسعاف تنطلق أمامه ، وتقف أمام المقهى مباشرة ! انطلق وقلبه يخفق بشدة ، دقاته أصبحت أسرع من خيل السباق ! مرق كالسهم من بين الأجساد ؛ لمح " عم برقوق " يجلس داخل سيارة الإسعاف ممسكا بيد شخص ممدد على الترول أحس أن قلبه توقف  ، كاد يغمى عليه ؛ لكنه تمالك نفسه وقفز داخل السيارة قبل أن يغلقوا بابها ! نظر في وجه الشخص الراقد ، لم يتمالك نفسه واندفع في البكاء ، بمجرد أن رأى وجه أبيه ،  بادره عم برقوق قائلا :

-       ما تخافش يا أستاذ " شعبان " .. .. هو تعبان شوية .. .. كرشة نفس .. .. ما تقلقش !

أمسك يد أبيه الذي كان غائبا عن الوعي ، وجد نبضه ضعيفا جدا لدرجة أنه لا يكاد يشعر به ! نظر إلى صدره فلما رآه يعلو ويهبط  اطمأن قليلا ، وأخذ يربت على كتفه ، وينظر إليه بحنان وعطف ، لا يدري لما بدا له أبوه في هذه اللحظة وكأنه مومياء فرعونية ، فوجئ به جلدا على عظم ! وعظام وجهه بارزة لدرجة كبيرة ! ياه .. .. إنه لم يره على هذه الصورة من قبل ؛ كاد يصرخ حزنا .. .. تذكر مقولة أحدهم :

-       لقد جئنا إلى هذه الدنيا فقط لنبني لهم أهراما .. .. ثم نخرج منها عظاما !

تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط      


الاثنين، 22 يونيو 2020

شعبان في خبر كان. ٢

شعبان في خبر كان  ٢
     موقف رأس البر في الناحية الأخرى من النهر، فضل أن يمشي ويعبر الكوبري العلوي بدلا من ركوب السرفيس أو المعدية  ، إن المشي سينعش تفكيره فهو حتى الآن لا يعرف فيما سيعمل !  الشغل في رأس البر كثير على البحر ، وعلى النيل ، وفي السوق  ، وفي الكازينوهات  ، والمقاهي  ، والمطاعم المنتشرة  ، لكنه حائر يتساءل ماذا سيشتغل !
     وهو فوق الكوبري شاهد في الأسفل مجموعة من الصبيان يستحمون في مياه النيل ، بالقرب من الجسر الخشبي الذي تتوقف عنده المعديه  ؛ إنه يبدو كلسان صغير يمتد بضعة أمتار داخل الماء ،  تذكر أنه لا يعرف العوم  ، يكاد يتم الثالثة والثلاثين ولا يستطيع السباحة !
تذكر اشياءا كثيرة كان يحاول نسيانها  ، وكلها تبدأ بالكلمة (لم)  ؛ أخذ يردد : 
-  لم أكمل تعليمي رغم أن مجموع الثانوية العامة كان يدخلني أحسن كلية ، و اضطررت بسبب فقري أن أدخل المعهد الفني التجاري  ، ولم أعين في وظيفة  ، ولم أدخل الجيش ؛ لأننى وحيد أبي وأمي  ، ولم أفتح ورشة أو محلا  ، ولم أتزوج وأدخل دنيا  !
تساءل بدهشة :
-  يعني إيه ما دخلتش دنيا   ..   .. يعني أنا ميت ولا إيه معناها ؟!
سمع وهو مازال يسير علي الكوبري أحد المارة يقول لصاحبه بينما هما قادمان في الاتجاه المعاكس :
-  يا أخي كنا احنا يا مصريين بنسافر العراق  ، ونشتغل ونكسب ذهب  ..  ..  دلوقتي العراق بقى خرابة  !  الأمريكان  دمروه  ,,  ..  خلاص منجم الذهب اللي كان مفتوح لنا نغرف منه ونيجي بلدنا نشتري أراضي ونبني عماير ونعيش ملوك  ، المنجم ده خلاص شطب.
رد عليه زميله قائلا : 
-  المنجم ما خلصش  ..  .. تقدر تقول إن الأمريكان استولوا عليه  ، الذهب كله بقى بتاعهم !
قال الأول بمراره واضحة :
-  يا حسرة قلبي على العراق  , وعلى خير العراق ده أنا لولا السنتين اللي قضيتهم هناك كان زماني شحات زي الشيخ المسن اللي قاعد بيشحت على سلم الكوبري ده !
ضحك زميله وقال له : 
-  احمد ربنا بقى إنك طلت حاجة من خيره  ..  .. قبل اللي حصل ده ما يحصل !
كان صوتهما يذهب شيئا فشيئا كلما ابتعدا في الاتجاه الاخر ، توقف شعبان فقد وصل الى السلم في الطرف الاخر من الكوبري  ، كان على وشك النزول  ، لكنه توقف ونظر وراءه وتابع الرجلين  ، وشرد ببصره  لحظات ، فقد  تذكر أنه واتته الفرصة للسفر الى العراق مع خاله لكن أمه رفضت بل ومرضت مرضا شديدا في ذلك الوقت عندما علمت أن ابنها سيسافر ؛ ويبتعد عنها مع أنه كان سيسافر مع اخوها ! هز رأسه ،  وقال باستسلام كأنما يصبر نفسه :
-  نصيب  ..  .. نصيب  ولعله خير  ..  .. والحمدلله على كل حال !
     ركب شعبان متوجها  إلى رأس البر ،  نبههم السائق انه سيتخذ الطريق القديم  ، وليس الطريق الجديد الموازي للنيل  ، جلس " شعبان " في المقعد الاخير ، وسبقته فتاتان  ترتديان ملابس ضيقة ، وملفتة للنظر  ؛ قال في نفسه :
-  يمكن غلابة زي حالي ورايحين يشتغلوا في كازينوا  ، ولا مطعم  ..  ..  الدنيا مظاهر   ..  .. مظاهر كدابة  !
     كان الطريق من الموقف وحتى نقطة مرور السنانية طريقا عاديا على جانبيه اصطفت المباني والبيوت وسور محطة القطار وبمجرد أن عبرت السيارة نقطة المرور أصبح الطريق زراعياً تصطف على جانبيه أشجار النخيل والصفصاف والجزورينا وعلى امتداد البصر بساتين الجوافة و الليمون و أحيانا كانت تبدو بوضوح أشجار  الجميز والتوت والبامبوظة ألوان شتي تطل على العابرين من على الصفين و في منتصف المسافة و بالقرب من كوبري العمده اصبحت الطريق بين ترعتين نظر شعبان في ساعته فوجد عقاربها تشير الى التاسعه صباحا قال في نفسه
هانت كلها ربع ساعة ونبقى في راس البر وهناك يحلها ربنا ان شاء الله اشتغل اشتغل ابيه لب اوترمس او حتى بطاطا اكيد هلاقي شغل اكيد هتلاقي شغل مطبات كثيره على الطريق الكرينه مفروشه على الاسفلت والسيارات تعبر من فوقها على مر البصر جهه الشمال عشق المساحه الخضراء شرحا ابيض شامخ مؤكد انها مدرسه وعلى مسافه منها الاوناش العملاقه داخل سور الميناء و صواري الناقلات والسفن الضخمه التي تبدو من بعيد صغيره جدا وكأنها لعب استسلم شعبان لغفوة قصيرة جدا راي خلالها طيورا بيضاء عملاقه تهبط من السماء وتخطف كل من بداخل السياره تذكر ان امه اوصته قائلة له
يا ابني انا ما عنديش غيرك خذ بالك من نفسك ما تقربش للبحر ولا حتى من الترعه وانت لسه صغير كنت بحميك في الطشت وفي مره سبتك فيه وقمت افتح الباب لابوك ورجعت لقيتك بتغرق كنت هتموت يا ضنايا
اختطفت الطيور جميع من في الميكروباص وحتى الفتاتين لدرجه انهم تشبست به طب امسكي الطياره ولكنه لم يستطع انقاذ هما احث برد يديهما في يده كان مسعورا جدا
بعد ثواني معدوده افاق لكنه كان خائفا جدا من الكابوس الذي راى منذ لحظات افاق على خناقه بين السائق واحد ركاب سمع سائق يقول
مراتك في البيت مش في عربيتي شيل ايدك من عليها لو سمحتوا الا هوقفك العربيه
في ايه يا اسطى ما قلتلك الست دي امراتي امراتي
. مراتك تبوسها كده على ناني قدامنا انك ايه
وفيها ايه يا اسطى ما تخليك في ايه
في ايه قصدك ايه يعني اركب قرنين انت مفكرني ايه
رفع الرجل ذراعه عن المراه التي كانت ملتصقه به وقال
خلاص يا اسطى خلاص بصي بقى قدامك خلي عينيك على الطريق ضيعنا
ذهل  شعبان مما سمع و نسي حلمه القصير المفزع ولكنه كان ما يزال يشعر ببرودة في يده
فنظر فإذا الفتاة الملاصقة  له تمسك بيده بالفعل وتبتسم له نزع يده من يدها ووضع الشنطة البلاستيكية التي يمسكها وضعها بينه وبينها حاجزاً وأخذ يردد بينه وبين نفسه بصوت لا يسمعه احد
استغفر الله العظيم استغفر الله العظيم 
هم أن ينادي على السائق حتى يتوقف ينزل من السياره لمحها وهو غار يكون في بحر من الارتباك والعرق جايب قميصه خويا زادت باكو وما ده يده الى الجب هذا الكتاب كان في اربع اوراق من فئه ال 50 جنيه ملفوفه مع بعضها اين ذهبت 
احس بذراع تطوق رقبته انها ذراع الفتاه الجالسه بجانبه نظر اليها بتجبهم كان على وجهها نفس الابتسامه ابتسامه الصناعيه همست في اذنه
انت بتدور على دول يا عسل
فوجئ بالأربع ورقات التي يبحث عنها في يدها الأخرى حاول ان يقوم من مكانه أن يصيح و يصرخ فيجعل السائق يوقف السيارة لكن القدر لم يمهله ففي نفس الوقت عبرت سيارة ملاكي بجوار الميكروباص بسرعه جنونية واصطدم جانبي السيارتين فحادث الملاكي عن مسارها واصطدمت بشجرة ضخمة على جانب الطريق أما الميكروباص ففقد السائق سيطرته عليه
فانحرف عن الطريق وسقط في الترعة امتلأ قلب شعبان خوفا وهلعا عندما لمست مياه الترعة جسده لقد ملأت المياه الميكروباص في ثوان معدودة اندفع جميع الركاب نحو الباب للخروج والنجاة بأنفسهم لكن بلا جدوى
ورغم أن  الشمس كانت مشرقة  والحادثة وقعت في بدايه النهار إلا أن المفاجأة شلت الجميع  فالركاب بعضهم فقد الوعي بعد سقوط السيارة في الماء وكان من بينهم السائق و الراكبان بجواره فقد ارتطمت رأسه بقوة في المقود فشجت وسالت منها الدماء والبعض الآخر تسابقوا إلى الباب ليفتحوه  ونتيجة تدافعهم اخطاأأحدهم وبدلا من ان يفتح الباب اغلق المسوجر فانحبسوا جميعا داخل الميكروباص الذي غاص بدوره في القاع بسرعة عجيبة واختفى تحت المياه والحشائش الخضراء !
توقفت بالقرب من مكان الحادث سيارتان ونزل من فيهما وخلع أحد الرجال ملابسه الخارجية ونزل الترعة بحذر شديد و غاص لعله يتمكن من إنقاذ الركاب دار حول الميكروباص شاهد من فيه وهم يلفظون أنفاسهم الاخيرة حاول ان يفتح الباب لكنه لم يستطع صعد للسطح أكثر من مرة  ليأخذ نفسا ثم يعود حاول أن يكسر زجاج النوافذ أن يفعل اي شيء لكنه لم يستطع إلا أن يشاهد استغاثاتهم وتوسلاتهم قبل أن تخشع الأصوات وتخمد الحركات صعد إلى السطح بعد ان نفد الهواء من صدره أشار لبعض الواقفين على البر إشارة تعني أنه لا يوجد ناجون أحس أن شيئاً يلتف حول ساقيه بل وأخذ يشده إلى الأسفل وجد نفسه يغوص ثم يطفو ثم  يغوص ثم يطفو رغماً عنه فصرخ مستنجدا بمن على البر
الحقوني الحقوني
في المرة الأخيرة جذبه ذلك الشيء المجهول الى الأسفل بقوة كبيرة فغاص رغما عنه 
دار حول نفسه وهو في غاية الذعر فرأى ذراعين ممدودتين من داخل إحدى النوافذ وقد أمسكتا بكلتا ساقيه واستماتت في جذبهما مد الرجل ذراعيه هو الآخر وأمسك بهذا الشخص الذي كان لا يزال حيا جذبه إلى أعلى بكل قوته
بعد قليل كان شعبان ممددا على البر واحد الاشخاص يحاول اخراج المياه التي ابتلعها في جوفه التفاف الناس حوله وكانوا جميعا في غايه التاثر وفي نفس الوقت الذي وصلت فيه سيارات الاسعاف وسيارات النجده وصلت كارا كتان وراء الناس الموجودون عدد من الغواصين ينزلون الى المياه تم انتشال جميع الجثث كما تم غمسها على ناحيه من الطريق وتاكد احد الاطباء من وفاتهم جميعا
كان شعبان قد افاك شاهد بعينيه الركاب الذين كانوا معه منذ قليل شاهدهم ممددين وعيونهم لا تزال مفتوحه راس سائق وراي الفتاتين اللتين كانت تجلسان بجواري ناس يا الاربع ورقات من فئه ال 50 جنيها التي استولت عليها احدى الفتاتين انساه مشهد عينيها كل شيء ان هما لاترم شان تلمعان ولكن اختفي من هم ابريق الحياه سمع احد المسعفين يقول لزميله وهو يشير نحوه
ايوه هو ده الناجي الوحيد
في مستشفى دمياط التخصصي تحولت المنطقه الخلفيه من المستشفى والموجوده بين المغسله ومعهد الاورام لبنتك الثانيه هنا ساحه مزدحمه بالناس و ساد الهرج والمرج في هذه المساحه الصغيره احتشدت اعداد كبيره من اقارب الموتى صراخ وعويل ونواح كل هؤلاء اجتمعوا على أمر واحد وهو البكاء اللغه السائده بينهم هي الدموع والحزن يغلف كل شيء بغلاف أسود بدات الألسنة تنفلت ببعض العبارات التي فضحت ما كان مستورا فالفتاتان  كانتا تنتميان إلى شبكة  آداب وكانتا في طريقهما لممارسة الرزيلة والرجل الذي قبل المرأة التي كانت ملتصقة به وادعي أنه زوجها لم يكن إلا عشيقها إنهما موظفان في مصلحة من المصالح الحكومية ذهبا ووقعا في كشف الحضور ثم تسلل كل منهما على حدة وخرجا وركبا معا الميكروباص في طريقهما الى المتعة الحرام
حكايات عن العرض والشرف بدأت تتناقل على الألسنة  ألهبت المشاعر التي كانت مشتعلة بالفعل فتحول المأتم الكبير الى معركة كبرى
وبدأ التشابك بالأيدي والأسلحة البيضاء بين رجال ونساء وشباب ربما بعضهم لا يعرف البعض الآخر ولم يره من قبل حتى اضطرت إدارة المستشفى إلى طلب قوات الأمن لفض هذه المشاجرات والمعارك وإخراج الأهالي جميعا خارج سور المستشفى الوحيد الذي لم يحضر أهله بل ولم يعلموا أصلا بما حدث هو شعبان فقد رفض أن يعطي عنوانه لأحد كما أخبرهم أنه سليم وأنه لم يصب باي سوء فما الداعي لإزعاج والديه إنهما مسنان ومريضان ولن يتحملا سماع مثل هذا الخبر لذلك بعد ان انتهي من علاج إصاباته البسيطة ومن سؤاله كشاهد على ما حدث انصرف وغادر المستشفى لائذا بالبيت فوجئت أمه وهي تفتح له الباب كان يرتدي ملابسه الأخرى التي كان يحملها معه في الكيس البلاستيكي ورغم ذلك كانت تشعر أنه قد عاد بوجه غير الذي ذهب به ضربت على صدرها وهي تسأله بخوف وقلق
مالك يا شعبان وشك متغير كده ليه يا ابني و غيرت هدومك ليه
لم يخبرها بشيء احتضنته كعادتها دائما عندما يعود إلى البيت او يغادر كان أبوه جالسا على الأرض على مقعد بلاستيك صغير لا يبدو منه شيء وأمامه طبلية عليها بعض الأرغفة  المدعمة وقطعة جبن وطبق به سلطة خيار وطماطم قال أبوه
خير يا ابني اشتغلت
تمالك شعبان أعصابه وقال لأبيه
الشغل كثير يا بابا بس
بس ايه يا ابني بس ايه
بس انا غيرت رايي
يعني ايه
هاشتغل هنا
هتشتغل هنا ما انت اشتغلت هنا وما فلحتش
لا المرة دي إن شاء الله هافلح
ضحك ابو شعبان ملء فمه وقال
صدق اللي قال  الكتكوت الفصيح من البيضة بيصيح يا ابني انت حظك وحش زي حظي
ابتسم شعبان لأول مرة منذ وقعت الحادثه وقال
 لا يا با انا مش معاك في دي والحمد لله على كل حال احنا احسن من غيرنا يابا
اندهش الرجل من كلام ابنه فلم يتعود منه كل هذه الحكمة واستسلم قائلاً
عندك حق احنا أحسن من غيرنا الحمد لله يا ابني
أخفى شعبان كل ما حدث له عن والديه لأنه كان يعلم مدى حبهما له فهو وحيدهما لقد رفض حتى أن  يعطي عنوانه  لإدارة المستشفى حتى لا يتصل بهما احد ويخبرهما شيئا عن الحادثة كما غير ملابسه حتى لا يشعر باي شيء كانت امه مصرة على أن نعرف سبب تغيير ملابسه فقال لها ليطمئنها نزلت البحر واستحميت حد يروح رأس البر وما ينزلش البحر
اندهشت وقالت له متعجبة وهي متأكدة أنه يكذب عليها
انت رايح تدور على شغل ولا رايح تستحمى
تلعثم وبعد تفكير قال لها
يا امي انا جاي تعبان وعايز أنام وأرتاح
قاطعه ابوه قائلا له 
هاتنام من غير ما تتعشى ده انت وشك مخطوف زي اللي راجع من الموت
ضربت الأم صدرها بيديها ونهرت زوجها وقالت له
حرام عليك يا أبو شعبان دي الملافظ سعد هو صحيح هفتان شوية بس اوعى تقول الكلمة الوحشة دي ثاني هنا  ألف ألف بعد الشر عليه هو احنا حيلتنا غيره
قاعد شعبان بجوار ابيه وتناول رغيفا من على الطبليه و بدا ياكل انه منذ الصباح وهو على لحم بطنه لم يدق حتى الماء وتشرب مياه الترعه بما فيها من وحل مراكب ونباتات طافيه خضراء تشبه حبات العدس توقف عن الاكل فجاه وكان يتقيا عندما تذكر اجساد الموتى المرصوصه على الارض وعيونهم المفتوحه اللامعه ورائحه الموت التي لا تزال تسكن تمام فا نهض ولم يكمل طعامه كان والده يشعرها انه ليس على ما يرام لكنه ما تركها يرتمي في فراشه وينام ليستريح
قالت الام والدموع تبلل عينيها
يا حبيبي يا ابني ربنا يفرجها عليك بشغلانة تريح قلبك وتطيب خاطرك
ربت الأب على ظهر ابنه الذي غرق في نوم عميق وكأنه لم ينم منذ شهور وقال
يا ريت يا ابني كنت أقدر أساعدك بس أعمل إيه اللي جاي على قد اللي رايح واقف على رجلي في القهوه 12 ساعة كل يوم والأجر على قد مصروف البيت
ما تقولش كده يا أبو شعبان انت برده الخير والبركة وبكره شعبان ربنا يوفقه ويشتغل في شغلة كويسة ويسعدك ويبقى سندك 
نفسي اطمئن عليه اللي زيه كلهم اتجوزوا وخلفوا وفتحوا بدل المصلحة اثنين وثلاثة أنا مش عارف فيه ايه هو إبني ايه اللي بيه
بكره تتعدل ياعم ارمي حمولك علي الله إن شاء الله بكره هيبقى أحسن ونفرح بيه وبخلفته
صعبان علي ابننا مش سهل علي أشوفه متلطم كده في بورسعيد وراس البر وحتى هنا في بلده يا ريتني ما دلعته وهو صغير يمكن دلعنا فيه وهو صغير هو اللي مخليه مايثبتش في شغلانة
كفايه كده يا أبو شعبان أنت تعبان وشقيان ومش حمل زعل وهو انت بإيدك إيه تعمله وما عملتوش
والله ما أنا عارف حاسس إني مقصر في حقه
قول الحمد لله إحنا أحسن من غيرنا وكل حي بياخد نصيبه
الحمد لله الحمد لله على كل اللي ربنا يجيبه وعلى رأيك أهو أنا بتعكز و أشتغل إنما فيه ناس ثانية راقدة ولا قادرة تروح ولا تيجي
ربنا ما يقطعنا
امين امين يا رب
والله أنا مستبشرة خير وحاسة إن ابننا شعبان ربنا هايجبر بخاطره وهايبقى حاجة كبيرة  قوي
ابتسم الرجل وقال وهو ينظر لها ثم لابنه النائم
ربنا يسمع منك
انصرف الاثنان وذهبا إلى فراشهما وتركا شعبان الذي كان يغط في نوم عميق .
تأليف متولي بصل









 

الأحد، 21 يونيو 2020

شعبان في خبر كان ٣

شعبان في خبر كان 3   

   عندما استيقظ من نومه ، أحس بوخز شديد في جانبه الأيسر ، تحامل على نفسه حتى لا يزعج والديه الكبيرين،  نظر في ساعته فوجدها  تشير الى الخامسة مساء ! تعجب من نفسه ، فقد ظل نائما ما يقرب من عشرين ساعة كاملة !

     أثناء نومه أشفقت عليه أمه ، و فضلت عدم إيقاظه ، وتركته ليأخذ حظه من النوم ، لكنها بمجرد أن عرفت أنه قام من نومه ؛ أعدت له غذاءه ووضعته على الطبلية ! تظاهر أمامها أنه بخير ؛ و ليؤكد لها ذلك ؛ جلس وأخذ يتناول بعض الطعام الذي كان عبارة عن أرز وسمك مشوي ، دعاها لتأكل معه ، وهو يعرف أنها لن تمد يدها إلى الطعام إلا عندما يعود أبوه ، هو نفسه في الظروف العادية كان ينتظر عودته ؛ حتى يجتمعوا حول الطعام ، لكنه كان يعرف أنه في العمل  ، و أنه لن يعود منه قبل ساعة ؛  فهو يعمل من السادسة صباحا حتى السادسة مساء ! تعودوا تناول الغداء مع غروب الشمس بسبب طبيعة عمل والده ! وربما بسبب ذلك لم يكن أبدا يشعر بأي معاناة في صيام شهر رمضان !

     نجح في أن يخفي عنها ما يشعر به من آلام تلهب جانبه ، بل و أقنعها أنه أكل حتى شبع  ؛ وخرج تكلله دعواتها له بالتوفيق .

     بعد قليل كان في إحدى غرف الطوارئ بالمستشفى الأميري المواجه لمبنى المحافظة ، لقد كره أن يتوجه الى طوارئ المستشفى التخصصي الذي كان فيه بالأمس هو وحوالي أربعة عشرة  جثة كانوا هم ضحايا الميكروباص الغارق ، انتظر طويلا حتى جاء الطبيب ليكشف عليه كان طبيب امتياز صغير السن ! بعد أن كشف عليه كتب في تذكرة الدخول اشتباه زائدة دودية ،  وأعطي التذكرة  لممرضة ،  لتقوم بإجراءات الحجز ! عرف من حديث الطبيب مع الممرضة أنه سيحجزه داخل المستشفى لإجراء عملية الزائدة الدودية ،  اندهش شعبان وقال بينما كان الطبيب قد انصرف الى حالة أخرى : 

  -  هي الزائدة مش بتبقى في الجنب اليمين  ؟!

سألته الممرضة وهي تبتسم ابتسامه باهتة : 

  -   هو انت تعبان مالك ..  ..   حاسس بإيه  ؟!

ضحك رغم الألم الشديد الذى يشعر به في جانبه الأيسر ،  وقال  :

  -  أنا صحيت من النوم لقيت جنبي الشمال ..  ..  واخدة بالك  ..  .. جنبي الشمال بيوجعني  ..  ..  جنبي الشمال مش اليمين حضرتك  !

لمح طبيب آخر يعبر من أمامه ، كان يبدو أكبر سنا من الأول ؛  فاستوقفه وسأله بلهفة   :

  -  لو سمحت  ..  ..  لو سمحت هي الزائدة  في الجنب الشمال ولا اليمين   ؟ 

أجابه بسخرية واضحة  :

  -  في اليمين طبعا ..  ..  معقوله انت مش عارف ، مع إن شكلك متعلم  !!

لم ينتظر الطبيب ليسمع رده ! إنهم لا يتوقفون ؛ فغرف الاستقبال مكتظة بحالات كثيرة ، وكل لحظة يستقبلون الكثير من الحالات ، وبعضهم حالات صعبة جدا ! اقتربت منه الممرضة ومعها تذكرة الدخول والحجز ، وطلبت منه أن يذهب معها لإتمام عملية حجزه في المستشفى  وجد نفسه يقوم من على السرير الذي كان راقدا عليه ،ويقول لها

  -  أنا بقيت كويس .. ..  الحمد لله جنبي بقى تمام !

لم ينتظر حتى يرى علامات الدهشة التي ارتسمت على وجهها ، وخرج مسرعا يطوي الممر الذي أمامه ، وعندما عبر بوابة المستشفى ، وخرج ،  قال بصوت عالي كأنما يخاطب الطريق أمامه :

 _  اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ..  ..   يااااااااااه  ..  .. فعلا الداخل مفقود والخارج مولود  !

     خرج من الباب ،  ووقف على الرصيف يحاول أن يستنشق أكبر كمية من الهواء العليل من هواء النيل ، كان يريد أن يُخرج الهواء الذي استنشقه داخل المستشفى ! كان يشعر أنه هواء غير صحي !

     شيئا فشيئا خفت حدة الألم ، وأحس أن جانبه يتحسن بصورة عجيبة أشبه بالسحر! هل كان في حاجة إلى جرعة من الهواء النقي ليشفي جانبه ، أم أنه شفي بإيحاء منه عندما قال للممرضة أنه لم يعد يشعر بأي ألم ! المهم أنه بالفعل لم يعد يشعر بأي ألم .

     وهو يقف على الرصيف كان مبنى المحافظة أمامه مباشرة ، يفصل بينه وبين النيل، تذكر عندما شاهد هذا المبنى لأول مرة  ، حدث هذا عندما كان في السادسة من عمره أي منذ سبع وعشرين سنة و كان بصحبة أبيه داخل حنطور ، في طريقهما إلى المستشفى لعلاجه من عضة كلب، تحسس يده فقد كانت آثار الجرح لا تزال موجودة على معصم يده من الجانبين ، لقد ظل أبوه يصحبه الى المستشفى أكثر من عشرين يوما ؛ ليأخذ الحقنة حتى لا يصاب بداء الكلب !

      هذا المبنى الذي أمامه ما زال كما هو لم يتغير ! مات الكثير، وولد الكثير ، و تغيرت أشياء كثيرة ، ومازال هذا البناء على صورته الأولى لدرجة أنه يشعره وهو ينظر إليه أنه يريد أن ينقض ! عبر الطريق واقترب منه حتى أصبح يقف على رصيفه ، شعر أن المبنى يستغيث به ، تعجب ،  لقد قاموا بترميمه ودهانه وها هي الأعلام تزينه وترفرف على أبوابه ونوافذه حتى أكوام القمامة التي كانت قديما تنال من هيبته ومن صورة حديقته القريبة اختفت ،ولم يعد لها أثر؛ فالمحافظ الجديد كالغربال الجديد له شدة ، وأي شدة ! فلماذا يستغيث المبنى ، ومما يستغيث  إنه بعد ترميمه يبدو كالجديد ! سمع هاتفا يهتف به ، ومن العجيب أنه كان يأتي من أعماقه ، كان يقول له  :

 -  أيها المخدوع إياك أن تصدق كل ما تراه عيناك ،فكل ما حولك ليس إلا فالصو  !

اندهش وظن أنه أصيب بهلاوس  سمعية ، ربما بسبب الأشياء الخضراء التي دخلت جوفه مع ما ابتلعه من مياه الترعة أمس !

          وقعت عيناه على عدد كبير من الكراتين كبيرة الحجم إنها مرصوصة فوق بعضها  على رصيف مبنى المحافظة ، فتح كرتونة ونظر بداخلها فإذا دفاتر وأوراق وسجلات ومحاضر إنها اوراق في غاية الأهمية ! لماذا وضعوها هكذا على الرصيف ؟! ربما أخرجوها مؤقتا حتى يستطيعوا تنظيف الغرف والمكاتب جيدا ، وبعد ذلك سيعيدونها الى مكانها في الأدراج والدواليب داخل المكاتب !

     اختفت الشمس في الأفق البعيد ، وبدأ الظلام يخيم على المكان ، وفي هذا الوقت تصبح هذه المنطقة مهجورة  بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، لا ترى في المكان إلا المترددين على المستشفى الأميري من المرضى وأقارب المرضى أما مبنى المحافظة فحتى الحرس يكونون جميعا في الجهة الأخرى من المبنى أمام البوابة الرئيسية المواجهة  للنيل !

      أغراه فضوله بأن يمد يده مرة أخرى داخل الكرتونة التي فتحها منذ قليل ، سحب أحد الدفاتر، فتحه وبدأ يقلب صفحاته إنه دفتر حضور وانصراف موظفي التنظيم والإدارة ! أعاده مكانه و التقط دفترا آخر فوجده يخص ميزانيات ورواتب الموظفين في المجلس المحلي ! أمسك بعض الأوراق والملفات فوجدها تضم بيانات العاملين بمبنى المحافظة ! أعاد الأوراق إلى مكانها في الكرتونة ، و أعاد الشريط اللاصق عليها كما كان تقريبا

    سمع صوت أقدام تقترب شلت المفاجأة قدميه ؛ فلم يستطع أن يتحرك في أي اتجاه ، هربت الدماء من عروقه ؛ فمن رأى وجهه وهو على هذه الحال ظن أنه أصيب بالصفراء ! كان وسط صفوف الكراتين فلم يره الرجلان اللذان اقتربا  ، وتوقفا أمام صفوف الكراتين التي ترتفع ما يقرب من المترين !  قال الأول لزميله   :

 -  العربية تأخرت قوي همه مش خايفين على نفسهم ولا إيه  ؟

رد عليه الآخر بتوتر واضح :

 -  مشكلة كبيرة  لو الباشا عدى من هنا و شاف المنظر ده وانت عارف ..  .. معاليه  ما بيخصمش يوم و لا حتى أسبوع ! 

هز الأول رأسه مصدقا على كلام الآخر ؛ وقال :

 -  أيوه ما فيش على لسانه إلا خصم شهر أو شهرين يا راجل ده خراب بيوت  ..  ..  خراب مستعجل  !

تساءل الآخر ، وكأنه يسأل نفسه وليس صاحبه  :

 -  طيب نعمل إيه نشيلهم إحنا على أكتافنا لحد محرقة الزبالة اللي بعد مدينة شطا 

 -   ربنا يستر والعربية توصل ، وتشيلهم  ، ونخلص من الهم ده  !

انصرف الرجلان ، وغابا داخل المبنى  ، بينما كان شعبان متجمدا بين الكراتين كالتمثال ، تعجب مما سمعه ، وقال في نفسه :

  -  محرقة الزبالة ..  .. الأوراق المهمة دي زبالة   !

لمح شعبان سيارة ربع نقل تهدئ من سرعتها أمام المطب ، بدون تردد أشار للسائق  ، فتوقف على الفور ، وجد نفسه يسأله  : 

 -  فاضي يا أسطى 

هز السائق رأسه بالإيجاب ، وسأله بدوره  :

 -  معاك ايه ؟

بدون أن يتفوه بكلمة أشار إلى الكراتين ؛ فما كان من السائق إلا أن نزل ، وبدأ في تحميلها ووضعها في صندوق السيارة ، وشعبان واقف في مكانه كأن على رأسه الطير، انتهى السائق ودخل كابينة السيارة ، وأشار له بالركوب ؛ فألقى بنفسه داخل الكابينة ، و انطلقت السيارة بهما !

      كانت قديمة جدا ؛ لدرجة أن صوت الموتور كان عاليا جدا كمريض يصرخ من الوجع ، وكانت تهتز بطريقة واضحة وهي تسير كالسلحفاة على أسفلت الطريق ، ورغم ذلك لم يشعر " شعبان " بأي شيء من ذلك ، فقد كان صوت دقات قلبه المتلاحقة أعلي من صوت الموتور، وكان جسده ينتفض ويرتعش وكأنه داخل باب فريزر وليس كابينة سيارة تتحرك   ! 

     بعد  أن اختفت السيارة بقليل ، ظهر أحد الرجلين وعندما وجد الرصيف خاليا من الكراتين قبل كف يده باطنا وظاهرا ، وقال   :

 -  الحمد لله العربية شالتهم يااااه  نفدنا من الجزا

   :   "في نفس الوقت كان السائق يسأل " شعبان

 -  رايحين فين بالضبط يا أستاذ   ؟

قال له وهو يحاول ابتلاع الغصة  التي تقف في حلقه   :

شارع طلعت  ..    

عندما دخل البيت وهو يحمل كرتونة بعد أخرى ، وأخذ يرص هذه الكراتين كلها في حجرته القديمة ؛  تساءل والداه في حيرة عما بداخل هذه الكراتين ، فطمأنهما قائلا  :

 -  هي دي الشغلة الجديدة اللي قلت لكم عليها !

سألاه في نفس واحد  :

 -  شغلة ايه يا ابني   ؟

 -  انتم ناسيين إن معايا دبلوم فني تجاري ..  ..  فيه شركة وافقت تشغلني بالمؤهل ده بس شرطهم الوحيد عشان يعينوني إني أراجع لهم حسابات ودفاتر قديمة من سنين فاتت يعني زي اختبار ..  .. ولو نجحت ها يوافقوا يعينوني !

كان الأبوان أميان لا يعرفان القراءة أو الكتابة ولم يجد شعبان أي حيلة أخرى غير هذه ليوافقا على وجود هذه الأوراق داخل البيت ، إن فضوله الشديد جعله يأتي بها ، وهو يعلم أنها ليست أوراقا عادية إنها قنابل وألغام ، قد تودي بحياته وحياة والديه في أي لحظة   !

     ظل بضع شهور عاكفا على هذه الأوراق ، لدرجة أنه أصبح نادر الخروج من البيت ،

انقطع عن أصحابه وأقاربه ؛ حتى أنه أصبح لا يقابل أحدا ممن يزورونهم في البيت ، إنه دائما داخل حجرته  ، والباب دائما مغلق ، وكان رد أمه او أبيه على من يسألونهما عنه ،

أنه يقوم ببعض الحسابات في الشركة التي سيعمل بها

     من خلال الأوراق التي كان شعبان يقرأها مرات ومرات حتى يفهم كل ما فيها ، ويقارن بين البيانات المدونة في الملفات والسجلات ، عرف معلومات و حقائق لم يكن يعرف عنها أي شيء ! كل ما كان يدور و يجرى داخل حجرات المحافظة ، و في مكاتبها أصبح بين يديه  !

      تعب كثيرا !  طوال هذه الشهور تقوس ظهره من كثرة انحنائه على الأوراق  ، وضعفت عيناه ، يبست عظامه من قلة الحركة ، لذلك قرر أن يقطع هذا السكون وهذا الحبس الانفرادي الذي فرضه على نفسه ، ويتمشى على الكورنيش ، ويستمتع بهواء النيل المنعش .

تأليف / متولي محمد متولي بصل


المشاركات المميزة

تغريدة من قصيدة قم يا معلم ( بحر الكامل ) متولي بصل

قم يا معلم قد صبرت طويلا واطلب حقوقك وارفض التأجيلا قد كنت في صدر الزمان مكرما كيف ارتضيت بأن تكون ذليلا ؟ إن غاب ضوء الشمس عن أوطان...