شعبان في خبر كان 4
عندما عاد إلى البيت ، وجد أمه
نائمة ؛ نظر إليها فدمعت عيناه ؛ وقبل جبينها ، ويديها، ثم ذهب إلى حجرته ، وارتمى
وسط آلاف الأوراق التي تملأ الحجرة ، ورفع ساقيه وأسندهما على إحدى الكراتين بينما
شبك أصابع يديه وجعلهما كوسادة تحت رأسه ، إنه في حيرة من أمره ؛ فمن المؤكد أن
معرفته لكل هذه الأسرار وراؤها سبب ؛ واطلاعه على كل هذه المعلومات والبيانات ليس
مصادفة ؛ إنه الآن يعرف أدق التفاصيل عما يدور في هذه المحافظة المسكينة ، بل
ويعرف الكثير عن المشروعات التي لم تتم بعد ، والتي تقرر إنشاءها في السنوات
المقبلة ! خرائط الاتساع العمراني والتي للأسف لا تراعي إلا مصالح الأثرياء وأصحاب
النفوذ فقط !هؤلاء لهم كل المكاسب أما الفقراء فلهم الجنة !
سمع صوت أبيه ، يبدو أنه قد
عاد ؛ ويبدو أن أمه قد استيقظت ، بل وجهزت العشاء ؛ سمعها تناديه ؛ فخرج وجلس
معهما لتناول الطعام ، فاجأهم الأب قائلا :
-
تصدقي يا "
أم شعبان " إن الأستاذ " شوكت
" قريبنا مرشح نفسه لعضوية البرلمان !
اندهشت الأم ،
وقالت :
-
قريبنا ازاي يا " عبد العظيم " ده لا يعرفنا و
لا نعرفه !
-
هو قريبنا من بعيد ..
.. بس ناس كتير بيقولوا إن فرصته
في النجاح كبيرة ، الناس في القهوة مفيش لهم سيرة غير الانتخابات والمرشحين لها .
-
يعني لو حتى كان قريبك ، ونجح .. .. ها
ينوبنا إيه من وراه ؟!
-
ينوبنا إيه ..
.. أقله يوظف لنا ابننا ، ولا
عاجبك قعدته في البيت .. .. يعيّنه في أي وظيفة !
التفت إلى " شعبان " وسأله :
-
صحيح يا ابني .. ..
موضوع الشركة طول قوي .. .. ده فيه ناس بيقولوا لي إنهم أكيد نصابين ، فات
أكثر من خمس شهور ، وانت حابس نفسك مع الورق بتاعهم ، ولسه مفيش خبر ، همه ناويين
يقبّضوك إمتى يا ابني ؟!
فاجأه السؤال ، وحاول أن يخفي ارتباكه بقوله :
-
هانت يا با ..
.. ما تقلقش فاضل شوية حسابات أخلصها ، وأقدم لهم الورق ، واتعيِّن على طول
بإذن الله .
-
يا ابني أنا بس قلقان عليك ، أنا وامك أي حاجة بتكفينا ،
إنما انت مشوارك لسه طويل ؛ محتاج شقة ، وعفش ، وشبكة تقدمها ، ومهر ، ومصاريف
كتير .. .. نفسنا نشوفك في بيتك متهني زي
كل اللي في سنك !
التفتت إليه الأم ، وسألته باهتمام :
-
بالمناسبة شقة المجلس ، مفيش عنها أخبار ؟
أجابها الرجل بيأس :
-
الشقق من قبل ما تتبني بيوزعوها على الحبايب من بره بره
.. .. أمال أنا كنت باكلمك عن قريبنا اللي مرشح نفسه ليه !
-
همه مش جم وعاينوا البيت اللي احنا فيه ده ، وقالوا
نازله قرار إزالة ، واننا نستحق شقة ، مش قالوا الكلام ده بعضمة لسانهم !
تكلم " شعبان " الذي كان يسمع بمرارة ، وقال :
-
اللي بيقولوه غير اللي بيكتبوه !
-
يعني إيه ؟!
-
يعني زي ما ابويا قال .. .. الشقق بتتوزع من قبل ما تتبنى بالرشاوي
والواسطة ، واللي زينا ربنا يتولاه !
-
يا خسارة يا ابني ..
.. احنا كنا عاوزينها عشانك انت .. .. عشان تتجوز ونفرح بك !
فاجأها زوجها بقوله :
-
وافرضي الشقة جت .. .. هاندفع مقدمها منين ؟!
قال " شعبان "
-
هانضطر نتنازل لواحد من الأغنيا ، يدفع مقدمها وياخدها
هو من الباطن ، واحنا كل اللي ها ينوبنا كام ألف ، هو ده اللي بيحصل
تحسّرت الأم قائلة :
-
ياااه ..
.. دي تبقى بقى معمولة للناس
المبسوطين اللي معاهم الفلوس ، مش للغلابة اللي زينا !
قال " شعبان " ليخفف عنهما :
-
ما تحملوش همي .. .. إن شاء الله ها تتعدِّل .. .. بكره
اشتغل وتفرج بإذن الله !
كل واحد بياخد نصيبه ، مش كده برده ؟!
-
ونعم بالله .. .. ربنا يجعل نصيبك خير ، وينوِّلك من
الفرح كله!
ابتسم أبوه ، وقال :
-
والله يا ابني أنا مبسوط منك .. .. انت بقالك فترة
بتتكلم كلام كله حكم .. .. وعندك قناعة ورضا .. ربنا يكمّلك بعقلك ويفرحك ويرضيك
يا ابني !
استأذن من أبويه ،
ودخل حجرته ، وأوصد بابها المتهالك ، لكنه لم ينم ! ظل طوال الليل عاكفا على
الأوراق يقرأ ويكتب ملاحظاته ، لقد قرر أن يستفيد من هذا البحر الهائل من
المعلومات التي أصبحت بين يديه ؛ فحبس نفسه أسبوعا آخر يقرأ و ينظم ويدقق ويقارن ،
وقد أفادته دراسته في المعهد الفني التجاري فيما يقوم به ، وعندما خرج من محبسه
تعمّد أن يمشي مسافة طويلة ، فسار من أمام المعهد الأزهري حتى وصل إلى الكوبري
الجديد كانت الشمس تميل إلى الغروب ، وقد بدأ الناس يخرجون إلى الكورنيش للتمتع
بهواء النيل المنعش ؛ ثم اتجه إلى القنطرة ، ومر بسوق السمك ، وجده مزدحما بالناس
! فتعجب فهو يعرف أن الزحام يخف شيئا فشيئا قبل غروب الشمس ، حيث يكون الجميع قد
اشتروا احتياجاتهم من السمك للغداء ، والآن تغرب الشمس وما زال السوق يعج بالبشر ،
تلاشى تعجبه هذا عندما دقق النظر فيمن حوله ، كان معظمهم من المصيفين ، عرف ذلك من
وجوههم وجلودهم التي أكسبتها ملوحة البحر ، وأشعة شمس رأس البر صبغة مميزة ! كان
الزحام شديدا ، ورغم أن الطريق يتسع لأربع سيارات متجاورة إل أنه لم يكن يسمح إلا
بمرور سيارة واحدة في اتجاه واحد فقط ، بسبب الباعة المتجولين المنتشرين على
الرصيف ، بل وعلى الأسفلت في نهر الطريق ، ومن العجيب أن أفرادا من شرطة المرافق ،
وشرطة المرور كانوا متواجدين في المكان ! وشاهد شعبان بعينيه أحد الباعة يدس يده
في جيب أحدهم ، كما رأى صولا يتحدث إلى بائع آخر بود ٍ شديد ٍ ، وهو يعاتبه قائلا
:
-
الأولاد نفسهم
في الحنشان يا عم زكريا
رد عليه البائع ، وكأنه يكلم صاحبه الذي لا يفارقه ، وقد ارتسمت على وجهه
الضخم ابتسامة عريضة :
-
ما يغلاش عليهم يا حضرة الصول .. .. ها تصبح الصبح تلاقيه بيتلعبط عندك في البيت
، ولو إن الكيلو عدّى المية وعشرين جنيه ، بس ما يغلاش عليهم !
عبر الزحام الخانق
بصعوبة ، ودخل سوق العطارين كان مزدحما هو الآخر ، سار فيه حتى وصل التجاري ، مشى
فيه ببطء ؛ وهو يتأمل البيوت العتيقة المتلاصقة إنها تبدو من الأسفل كالجديدة من
فرط عناية أصحاب المحلات واهتمامهم بتزيينها ؛ لكنها في الحقيقة بالية ويجب
إزالتها ، فقد صدرت لها قرارات هدم وإزالة منذ سنوات ، لكن هذه القرارات بمرور
الوقت أصبحت مجرد أوراق بالية في الأدراج ! تذكر وهو يقترب من جامع البدري ذلك
الهاتف الذي سمعه وهو يقف على رصيف مبنى المحافظة ، والذي كان يقول ( كل ما حولك
ليس إلا فألصوا ) ، تذكر أيضا أن كل قرارات الإزالة توجد صور لها ضمن الأوراق
الموجودة عنده في البيت ، تعجب من أن قرارا واحدا منها لم ينفذ حتى الآن ، من
المؤكد أن أصحاب المحلات - وهم أكثر أهل البلد ثراء – قد دفعوا الكثير لتعطيل هذه
القرارات ، دفعوا أموالا طائلة ليكون مصيرها أن تحرق في محرقة القمامة كما كان
مخططا لها !
ظل يمشي
حتى وصل قهوة اللؤلؤة حيث يعمل أبوه ، كان يعلم أن أباه قد أنهى عمله في القهوة
وانصرف ، أراد أن يجلس ويستريح ، فتش جيوبه ؛ فوجدها خاوية ، من أين سيدفع ثمن
الشاي لو طلبه ؟! قبل أن يولي ظهره للمقهى ، ويعود كما أتى سمع صوت " عم برقوق " زميل أبيه في العمل
-
أستاذ " شعبان " .. ..
أستاذ " شعبان " !
التفت إليه ، وسلم عليه ، أصر ّ الرجل
؛ بل وأقسم عليه أن يجلس ، وما أسرع ما أحضر له كوبا من التمر المثلج ،
فجلس وما كاد يشربه ، حتى فوجئ به يحضر له كوبا من الشاي !
وبينما هو يحتسي الشاي سمع
الناس حوله يتحدثون عن الانتخابات ، كانوا جميعا متفقين على أن الصراع سيحسمه
أصحاب المال والنفوذ ، لكن كانت هناك مناوشات خفيفة بينهم ؛ فالبعض يؤكد أنه لن يرشح إلا من يراه الأصلح
، والبعض الآخر يقول أنه طالما الأمر محسوم مسبقا لأصحاب النفوذ والمال الذين
يشترون الأصوات فعلى الأقل يستفيدون قدر الإمكان ، فهذا الموسم لا يتكرر إلا كل
أربع سنوات
شد انتباهه حوار آخر يدور
حول المحافظ الجديد ، يتوقعون أنه لن يطول به المقام بينهم ، لقد فشل فشلا ذريعا ،
و لا أحد يدري السبب ، رغم ما كانوا يسمعونه عنه من قبل ، من أنه شعلة من النشاط ،
وما اشتهر عنه من نزاهة يده ، ونظافة ذمته ! ووجد " شعبان " نفسه يقول ،
وبصوت سمعه الجالسون بالقرب منه :
-
أنا عارف السبب .. .. أنا عارف السبب .. .. رجل نزيه
مثله ، بين عصابة من اللصوص .. .. أكيد لازم يفشِّلوه .. .. ومش بعيد يطلَّعوه
حرامي !
تنحنح ، وقد أصيب بالارتباك من نظرات من حوله ، لكنهم سرعان ما عادوا إلى
أحاديثهم المتلاطمة كالموج ، فقال في نفسه ، وهو يبتسم :
-
ربما حسبوني أحد المجانين الذين كثر عددهم في هذه الأيام
، لكن أنا فعلا عارف السبب ، وعارف كمان إن أي محافظ سيأتي سيكون مصيره الفشل !
قام من مكانه بعدما شكر " عم برقوق
" الذي كان في غاية اللطف والذوق لدرجة أنه أراد أن يحضر له فنجانا من القهوة
، كانت عقارب ساعته تشير إلى الثامنة ، قرر أن يعود من طريق باب الحرس ، ويسير حتى
ميدان الشهابية ، قال لنفسه ، وهو يتخيل مشوار عودته الطويل :
-
ياه .. .. مسافة كبيرة قوي .. .. لكن أعمل إيه ومفيش
معايا و لا جنيه .. .. يا ترى فيه كام واحد زي داخلين على سن الأربعين وهمه مفلسين
.. .. ومافيش في جيب الواحد منهم حتى جنيه يركب بيه مواصلات ؟!
أثناء سيره رأى عشرات المتسولين، تلح
ألسنتهم وأيديهم بالسؤال ! والعجيب أنه شعر أن كثيرا من الناس العاديين الذين
يسيرون بجانبه على الرصيف في نفس الاتجاه ، أو في الاتجاه المعاكس هم أيضا تبدو
عليهم علامات التسول ، لكنه تسول من نوع آخر ، إنه تسول يعرفه ، ويعيشه ، وقد ذكره
هذا بحكاية حدثت له مع ابن خالته ، هذا الشاب الذي سافر إلى العراق ، قبل حرب
الخليج ، وكون ثروة كبيرة ، وعندما عاد بنى عمارة كبيرة في منطقة الأعصر الأولى
وجعل الطابق الأول كله عبارة عن ورشة كبيرة لتدهيب الموبيليا
لقد ذهب إليه ، وطلب منه أن يعمل عنده ، حتى يتعلم الصنعة ، ويصبح "
مدهباتي " لكن وعلى غير ما كان يتوقع ؛ فوجئ به يرفض ! وعندما قال له :
-
ممكن تشغلني من غير أجر .. .. لغاية ما أتعلم !
-
أتكسف أشغلك من غير أجرة .. ..
لقد بخل عليه، وكره أن يعلمه صنعة يأكل منها ، عرف شعبان وقتها أن التسول
لا يكون من أجل المال فحسب !
عندما وصل الميدان فوجئ
بأعداد كبيرة من أبناء الصعيد يفترشون الأرصفة ، مجموعات صغيرة متناثرة في أحشاء
الميدان ، في انتظار أي شخص يحتاج إلى عمالة ، هدم بناء ، حمل رمل وظلط وطوب ،
إنهم على استعداد لأي أعمال شاقة ، وها هم ينامون في العراء ، شاهد شابا يجلس
القرفصاء عند كومة من القمامة ، ويمد يده داخل شنطة بلاستيكية ، ياه .. .. إنه
يأكل منها ؛ لم يصدق عينيه ! انسلخ من المشهد بسرعة ؛ وألقى بكل ما انتابه من
مشاعر خلف ظهره ، وسار بمحاذاة الكوبري
العلوي ، وجد نفسه على مسافة بضعة أمتار من السلم ، كان على وشك أن يعبر الطريق ،
لكن شد انتباهه مجموعات من إطارات السيارات مرصوصة فوق بعضها ، وبطريقة تجعل منها
ما يشبه كوخا أو عشة عجيبة ، مكان غريب في الفراغ الكبير أسفل الكوبري ، ذهل عندما
رأى أطفالا يلعبون حول هذه العشة كانوا متشابهين لدرجة كبيرة ، وزاد من ذهوله أن
كل واحد منهم لم يكن يرتدي إلا قطعة واحدة ، فبعضهم يرتدي ما يستر نصفه السفلي فقط
، بينما نصفه الآخر عار ، والبعض الآخر يرتدي ما يستر نصفه الأعلى بينما نصفه
الآخر لا يستره شيء ! ظل واقفا في مكانه مذهولا ، رغم أنه كان يشعر أن ساقيه تعجزان
عن حمله من شدة التعب ، ووجد نفسه يقول :
-
على أعتاب القرن الواحد والعشرين .. .. وما زال في هذا
البلد من يعيشون عيشة القبائل البدائية !
فوجئ بشيخ يخرج من وسط الإطارات أشعث ممزق الجلباب ، أو ما كان يطلق عليه
من زمن ٍ جلبابا ! قعد أمام بيته فوق صخرة كبيرة ، وأشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانها
في الهواء ، وهو يضع ساقا فوق الأخرى ، بينما الصغار يلعبون ويمرحون من حوله !
ولاحظ " شعبان " أن دخانا كثيفا بدأ يتصاعد من بين الإطارات ، رأى سحبا
من الدخان الأسود ، والتي لا يعقل أن تكون منبعثة من السيجارة التي يدخنها الشيخ
العجيب ؛ فدقق النظر وإذا بعجوز لم يكن يستطيع رؤيتها ليس بسبب الظلام فقط ، ولكن
لأن الثوب الذي يسترها لا يختلف كثيرا عن الصخرة السوداء التي تجلس عليها ! كانت
جالسة أمام ما يشبه الفرن الصغير ، أو ما يطلق عليه ( الكانون ) لقد صنعته من صفين
من الطوب ؛ أربع أو ست قطع من الطوب ؛ وفي الوسط
وضعت قطع من الخشب ؛ وأشعلت فيها النار ؛ وفوق كل ذلك وضعت وعاء أو قدرا
كبيرا ! سأل نفسه بأسى شديد :
-
هل ما زلنا نعيش في قرون الظلام ؟!
عبر من أمامه رجل ، بدا عليه التأثر الشديد ، سمعه يقول ، وهو يهز رأسه
متعجبا :
-
لا حول ولا قوة
إلا بالله .. .. لا حول ولا قوة إلا بالله !
-
احنا في سنة كام يا حاج ؟!
-
ألفين يا ابني .. .. ألفين .. ..
فهم الرجل ما أراد " شعبان " أن يقوله ، ولكنه انصرف فما الذي
يستطيع فعله ! وقبل أن ينصرف " شعبان " هو الآخر ، لاحظ اقتراب سيارة
ملاكي ثم توقفها ، وما لبث سائقها أن أخرج كيسا كبيرا ، ومد به ذراعه في الهواء من
النافذة ! على الفور تسابق الصغار نحوه ، والتقطوا الكيس ، انطلقت السيارة ، وقام
الشيخ من مكانه بعدما أطفا سيجارته ووضع ما تبقى منها في جيب جلبابه ! زوجته هي
الأخرى قامت من أمام فرنها الصغير ، ودخل الاثنان مع صغارهما بالكيس الكبير داخل
البيت العجيب !
دمعت عيناه ، فتطلع إلى السماء يُقلب وجهه يمينا وشمالا ، كان الظلام يبتلع كل شيء حوله ، و لولا أضواء
المصابيح في أعمدة الإنارة ما رأى شيئا ! أحس أنه يحمل أثقالا فوق رأسه وكتفيه ،
يكاد يسقط على الأرض من هول ما رأى وسمع ، فمن يراه على حالته هذه يظنه سكرانا !
كل يوم كان يرى ويسمع ، و يمر مرور الكرام ؛ فما الذي
تغير اليوم ، إن قلبه يكاد يتقطع ، ويشعر أن في حلقه غصة هائلة تسبب له الاختناق !
لم يعد يقوى على السكوت ! إنه الآن يعلم الكثير ، ويعرف أن الفتات الذي يتبقى على
موائد الفاسدين يكفي لحل جميع مشاكل كل هؤلاء المطحونين ، فلماذا يبخلون عليهم
بهذا الفتات ؟!
عندما عاد ؛ دخل حجرته ؛
أغلق بابها القديم بعنف دون أن يدري حتى أن الباب تفكك بل وكاد ينخلع من مكانه ، نظر إلى الحائط
المتآكل ، إلى السقف الذي تخلت عنه قشرته وسقطت ؛ فانكشفت أسياخ الحديد الصدئة ،
ولأول مرة شعر أنه يعيش وسط أنقاض ، هو الآخر يعيش عيشة بدائية ، ووجد نفسه يقول
متعجبا :
-
نحن أموات .. .. أموات بلا أكفان .. .. أموات لكن فوق
التراب !
ونظر بحسرة إلى أكوام الورق والكراتين التي تملأ المكان ، إنها شاهد عيان ،
وشاهد إثبات على الظلم الكبير الذي لا ينتهي ؛ على الحقوق المنهوبة والمسلوبة من
أناس بسطاء والذين يسرقونهم هم للأسف المسئولون عنهم ! و يا ليتهم يفعلون كما يفعل
الذئب مع الغنم ، فالذئب لا يفترس ولا يأكل إلا إذا كان جائعا ، أما هؤلاء فلا
يشبعون أبدا مهما امتلأت بطونهم !
بيَّت أمرا خطيرا ، وأعد َّ
له عدته ؛ وفي الصباح بدأ في تنفيذه ، قام
قبل طلوع الشمس ، بينما كان أهل الحي نائمين يغطون في همومهم ، حمل الكراتين بما
فيها من أوراق ، وألقى بها كلها في صندوق القمامة الكبير القريب ، وأشعل النار ،
وكلما خبت زادها لهيبا ببعض البنزين الذي كان يملأ به زجاجة كبيرة ، ظل وقتا كبيرا
يشعلها حتى تأكد من حرق كل الكراتين بما فيها ، وعندما أحس باستيقاظ بعض الجيران ؛
تسلل إلى البيت ! بينما كانت سحابة سوداء كبيرة تتسع شيئا فشيئا حتى كادت تخفي قرص
الشمس الذي كان قد بدأ في الظهور ، وشظايا دقيقة جدا وجمرات متناهية في الصغر
تتصاعد في السماء ، مر وقت ليس بالقصير والدخان يتصاعد في السماء إلى أن جاءت
الريح فذهبت بالدخان الأسود الكثيف ، وبدأت النار في الصندوق الحديدي تذوي بعدما
أتت على كل ما فيه !
عاد إلى فراشه ، بعدما اطمأن
إلى أن أحدا لم يشعر بما فعله لا سيما أبويه ، كانت رائحة الدخان قوية جدا ونفاذة
؛ فدخل واستحم وعطر نفسه وبدّل ملابسه ، تناول الإفطار مع أبويه ، لاحظ أن أباه
ليس كعادته ، إنه يبدو مريضا ومرهقا ، ومع ذلك أصر على الذهاب إلى عمله ! تحامل
على نفسه فليس لهم مصدر دخل آخر غير عمله في المقهى ! أحس " شعبان
"بالخزي والعار ، وهو يرى والده على هذه الحال ولا يستطيع أن يفعل له شيئا ،
كان أمل حياته ، وحلم عمره أن يعمل ويساعده ، ويخفف عنه !
خرج هو الآخر بعدما استأذن
أمه ؛ قرر أن يكمل ما بدأه ، ذهب إلى مبنى المحافظة ، طلب مقابلة المحافظ ، حاول
كثيرا أن يدخل إلى مكتبه ، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل ، وحتى اليوم الذي كان
مخصصا للقاء المحافظ بالمواطنين ، حتى هذا اليوم فوجئ بمن ينوب عنه !
كان يعرف تماما أن هذا الذي ينوب
عن المحافظ هو أحد أهم أضلاع الفساد ، ولو أنه عرف سبب مجيئه لنسفه من على الأرض
نسفا ؛ لذلك عندما حان دوره للمقابلة ادعى أنه جاء يلتمس الحصول على شقة إيواء له
ولوالديه ، فوعده السيد بأنه سينظر في طلبه ، وسيحل مشكلته في أقرب وقت !
كل يوم كان يذهب على أمل أن
يلتقي به ، لكنه كان يرجع خاوي الوفاض ، وفي هذا اليوم وهو عائد قرر أن يتصفح
الجرائد المعروضة على الرصيف أمام محل الجرائد القريب من المقهى الذي يعمل فيه
أبوه ، وقف يقرأ العناوين ، فجأة صك أذنيه
صوت سرينا الإسعاف، لحظات وشاهد سيارة الإسعاف تنطلق أمامه ، وتقف أمام المقهى مباشرة
! انطلق وقلبه يخفق بشدة ، دقاته أصبحت أسرع من خيل السباق ! مرق كالسهم من بين
الأجساد ؛ لمح " عم برقوق " يجلس داخل سيارة الإسعاف ممسكا بيد شخص ممدد
على الترول أحس أن قلبه توقف ، كاد يغمى
عليه ؛ لكنه تمالك نفسه وقفز داخل السيارة قبل أن يغلقوا بابها ! نظر في وجه الشخص
الراقد ، لم يتمالك نفسه واندفع في البكاء ، بمجرد أن رأى وجه أبيه ، بادره عم برقوق قائلا :
-
ما تخافش يا أستاذ " شعبان " .. .. هو تعبان
شوية .. .. كرشة نفس .. .. ما تقلقش !
أمسك يد أبيه الذي كان غائبا عن الوعي ، وجد نبضه ضعيفا جدا لدرجة أنه لا يكاد
يشعر به ! نظر إلى صدره فلما رآه يعلو ويهبط اطمأن قليلا ، وأخذ يربت على كتفه ، وينظر إليه بحنان
وعطف ، لا يدري لما بدا له أبوه في هذه اللحظة وكأنه مومياء فرعونية ، فوجئ به
جلدا على عظم ! وعظام وجهه بارزة لدرجة كبيرة ! ياه .. .. إنه لم يره على هذه
الصورة من قبل ؛ كاد يصرخ حزنا .. .. تذكر مقولة أحدهم :
-
لقد جئنا إلى هذه الدنيا فقط لنبني لهم أهراما .. .. ثم
نخرج منها عظاما !
تأليف / متولي محمد متولي بصل
دمياط
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق