الجمعة، 3 يوليو 2020

أنا وزوجتي والشيطان

أنا وزوجتي والشيطان

       لم أنم ، والعجيب أن كلب الجيران لم ينم هو الآخر ! ظل طول الليل ينبح ؛ لكنه لم يكن ينبح نباحا عاديا ؛ بل كان يعوي كما تعوي الذئاب ! ربما رأى ملك الموت ، وهو يدخل شقتي .

       حتى الآن لا أصدق ما حدث ؛ ليتني لم أسمع كلامها ، ليتني لم أطاوعها ! لقد قضيت الليل كله أبكي حتى نفدت دموعي ، وأصرخ من أعماقي حتى بح صوتي المكتوم في ضلوعي ، وأنا أحاول أن أسعفها ؛ أن أعيدها إلى الحياة ؛ لكن كان الأمر قد وقع ! ربما لو كنت اتصلت بالإسعاف ؛ لكتبت لها النجاة ، كانت تحتاج إلى من يسعفها ؛ ولكنني كنت خائفا ، هي نفسها قبل أن تفقد الوعي رفضت اللجوء للإسعاف أو الذهاب إلى المستشفى !

       مع ذلك أنا متأكد أنها ماتت ، صحيح أنني غير مثقف كما كانت تقول ، ولم أحصل على شهادة عليا كما كانت تقول ! لكنني تمرست في مدرسة الحياة ، ومررت بأشياء وتجارب لا يعلم عنها أهل المدارس شيئا ، رأيت من قبل رجلا يموت في سيارته بعدما نزل ليشتري علبة سجائر ! وبمجرد أن عاد إلى السيارة ، وفتح العلبة، ووضع السيجارة في فمه ، وأشعلها تجمد في مكانه ! كان قد أوصد الباب ؛ فظللنا وقتا نحاول فتحه لنخرج جثته ، كانت عيناه مفتوحتان كأنه رأى ما لم نره !

      مرة أخرى ؛ وفي الورشة التي أعمل فيها ، المعلم ، وهو جالس على كرسيه المصنوع من جريد النخيل ، وقعت النرجيلة من يده فجأة ، وعندما ذهب زميلي ليساعده وجده جامدا في مكانه لا يتحرك ، وعيناه مفتوحتان لا ترمشان ! فعلنا الكثير لدرجة أننا صفعناه أكثر من مرة على وجهه ، ومع ذلك لم يعد ، لو كان حيا لعلقنا جميعا من أرجلنا كالذبائح !

        لقد ماتت زوجتي الحبيبة ، أنا متأكد من أنها ماتت ؛ والذي يشهد على كلامي عواء كلب الجيران ، إنه لم يعو بهذه الطريقة قط منذ أقمنا في هذه الشقة المنحوسة !

       ماذا سأقول .. .. إن أحدا لن يصدقني .. .. سيظن الجميع أنني قتلتها ! يا إلهي ! زوجتي الحبيبة .. .. سيقولون أنني قتلتها ، إنها فرصتهم التي انتظروها طويلا ؛ جاءتهم على طبق من ذهب !

       طول الليل وأنا أدور حول نفسي حتى تعبت ، ومن شدة التعب نمت بجانب جثتها ! لقد تزوجتها عن حب ، مع أنني كنت أعرف أن زيجتنا غير متكافئة ؛ فأنا مجرد عامل حرفي بسيط ، أكاد أعرف القراءة والكتابة ، بينما هي خريجة جامعة ، لديها شهادة عليا ، و جميلة  ، وموظفة تنفق على البيت أقصد تساعدني .. .. لا .. .. لا  .. .. الحقيقة منذ انتشار كورونا وغلق الورشة ؛ أصبحت هي التي تنفق على البيت ، أو علي َّ كما يقولون .. .. اللعنة عليهم جميعا ؛ إنهم يحسدونني عليها ، إنهم شياطين يسعون إلى خراب البيوت !

       رغم كل ذلك ، ورغم كل المشاكل التي كانت تندلع بيننا ، فقد كانت تحبني ، وكنت أهيم بها حبا ، على الرغم من دخول طرف ثالث بيننا بسببه كدت أطلقها أكثر من مرة ، كانت شغوفة به أكثر من شغفها بي ؛ تجلس معه أكثر من جلوسها معي ، ترافقه في كل مكان ، تستشيره في كل صغيرة وكبيرة  ، وعندما أعترض ، تتحجج بقلة تعليمي ! بدأت أتقبل وجوده بيننا رغم شعوري بأن قرنين كبيرين ينبتان في جانبي رأسي ، وكنت كلما نظرت في المرآة أنظر خلسة خشية أن أراهما ، وبدأت أعتاد الأمر بعدما اتضح لي أن الجميع مغرمين به أيضا إنه المأسوف على شبابه المدعو جوجل !

       في تلك الليلة المشؤومة ، فوجئت بها تتلوى وتصرخ ، إنها مريضة ؛ فاقترحت عليها أن أصحبها إلى المستشفى ، وهممت بطلب الإسعاف ؛ لكنها رفضت وبشدة ، وشرحت لي أن المستشفيات كلها موبوءة بالمدعو كورونا ، ووجدتها تكتب ما تحس به ، وترسله إلى جوجل وما أسرع ما جاء رده ! فبعد أن قرأ الأعراض التي أرسلتها ما كان من حضرة الطبيب جوجل إلا أن كتب لها قائمة متكاملة بالأدوية  اللازمة ومن ضمنها حقنة ، و لأن كلام السيد جوجل أوامر فقد أرسلتني لأحضر لها الدواء من الصيدلية القريبة ، ثم طلبت مني أن أحقنها بتلك الحقنة ، وطبعا رفضت ؛ ولكن بعد جدال هائل ، وبعد اتهامي بأنني أريدها أن تموت ، حقنتها و يا ليتني لم أفعل ! فما هي إلا دقائق ورأيتها تتشنج أمام عيني ثم رأيت حدقتا عينيها تدوران ، قبل أن تجمدا ، وتتوقفا إلى الأبد ، حاولت إفاقتها بكل الطرق ، لكنها كانت قد فارقت الحياة .. .. اللعنة على جوجل  ، إن مصيبتي كبيرة ، وليست في موت زوجتي التي أحبها فقط ، فالمصيبة الأكبر أنهم سيتهمونني بقتلها .. .. بمن سأستشهد ؟! هل أطلب شهادة كلب الجيران الذي ظل يعوي طيلة الليل خوفا من ملك الموت ، أم أطلب شهادة جوجل الذي كان يسعى لتفريقنا دائما حتى نجح ، وحرمني منها ؟ !

       انتهى الليل ، ليبدأ ليل حياتي الأبدي ؛ لقد مر أكثر من سنة ؛ سنة سوداء محت كل عمري الذي عشته من قبل ، حتى أنني لم أعد أذكر لحظة سعادة واحدة عشتها ، وأنا أنزف الساعات المتبقية لي خلف القضبان ! إنهم يقولون أن القرائن كلها ضدي ؛ كل الأدلة والبراهين تقول أنني قتلت زوجتي الحبيبة ! ولذلك حكموا بالإعدام لتوفر العمد مع سبق الإصرار ، كلمات منمقة لا أدرك لها معنى ! لكن الذي يشغلني الآن هو متى سينفذون الحكم ! ربما ينفذونه الليلة ؛ فها هو صوت عواء كلب الجيران يتردد في أذني من جديد !

تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط

 3  /  7  /  2020  م

        


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...