أنا وزوجتي والشيطان
لم أنم ، والعجيب أن كلب
الجيران لم ينم هو الآخر ! ظل طول الليل ينبح ؛ لكنه لم يكن ينبح نباحا عاديا ؛ بل
كان يعوي كما تعوي الذئاب ! ربما رأى ملك الموت ، وهو يدخل شقتي .
حتى الآن لا أصدق ما حدث ؛
ليتني لم أسمع كلامها ، ليتني لم أطاوعها ! لقد قضيت الليل كله أبكي حتى نفدت
دموعي ، وأصرخ من أعماقي حتى بح صوتي المكتوم في ضلوعي ، وأنا أحاول أن أسعفها ؛
أن أعيدها إلى الحياة ؛ لكن كان الأمر قد وقع ! ربما لو كنت اتصلت بالإسعاف ؛ لكتبت
لها النجاة ، كانت تحتاج إلى من يسعفها ؛ ولكنني كنت خائفا ، هي نفسها قبل أن تفقد
الوعي رفضت اللجوء للإسعاف أو الذهاب إلى المستشفى !
مع ذلك أنا متأكد أنها ماتت
، صحيح أنني غير مثقف كما كانت تقول ، ولم أحصل على شهادة عليا كما كانت تقول !
لكنني تمرست في مدرسة الحياة ، ومررت بأشياء وتجارب لا يعلم عنها أهل المدارس شيئا
، رأيت من قبل رجلا يموت في سيارته بعدما نزل ليشتري علبة سجائر ! وبمجرد أن عاد
إلى السيارة ، وفتح العلبة، ووضع السيجارة في فمه ، وأشعلها تجمد في مكانه ! كان
قد أوصد الباب ؛ فظللنا وقتا نحاول فتحه لنخرج جثته ، كانت عيناه مفتوحتان كأنه
رأى ما لم نره !
مرة أخرى ؛ وفي الورشة التي
أعمل فيها ، المعلم ، وهو جالس على كرسيه المصنوع من جريد النخيل ، وقعت النرجيلة
من يده فجأة ، وعندما ذهب زميلي ليساعده وجده جامدا في مكانه لا يتحرك ، وعيناه
مفتوحتان لا ترمشان ! فعلنا الكثير لدرجة أننا صفعناه أكثر من مرة على وجهه ، ومع
ذلك لم يعد ، لو كان حيا لعلقنا جميعا من أرجلنا كالذبائح !
لقد ماتت زوجتي الحبيبة ، أنا متأكد من
أنها ماتت ؛ والذي يشهد على كلامي عواء كلب الجيران ، إنه لم يعو بهذه الطريقة قط
منذ أقمنا في هذه الشقة المنحوسة !
ماذا سأقول .. .. إن أحدا لن
يصدقني .. .. سيظن الجميع أنني قتلتها ! يا إلهي ! زوجتي الحبيبة .. .. سيقولون
أنني قتلتها ، إنها فرصتهم التي انتظروها طويلا ؛ جاءتهم على طبق من ذهب !
طول الليل وأنا أدور حول
نفسي حتى تعبت ، ومن شدة التعب نمت بجانب جثتها ! لقد تزوجتها عن حب ، مع أنني كنت
أعرف أن زيجتنا غير متكافئة ؛ فأنا مجرد عامل حرفي بسيط ، أكاد أعرف القراءة
والكتابة ، بينما هي خريجة جامعة ، لديها شهادة عليا ، و جميلة ، وموظفة تنفق على البيت أقصد تساعدني .. .. لا
.. .. لا .. .. الحقيقة منذ انتشار كورونا
وغلق الورشة ؛ أصبحت هي التي تنفق على البيت ، أو علي َّ كما يقولون .. .. اللعنة
عليهم جميعا ؛ إنهم يحسدونني عليها ، إنهم شياطين يسعون إلى خراب البيوت !
رغم كل ذلك ، ورغم كل
المشاكل التي كانت تندلع بيننا ، فقد كانت تحبني ، وكنت أهيم بها حبا ، على الرغم
من دخول طرف ثالث بيننا بسببه كدت أطلقها أكثر من مرة ، كانت شغوفة به أكثر من
شغفها بي ؛ تجلس معه أكثر من جلوسها معي ، ترافقه في كل مكان ، تستشيره في كل
صغيرة وكبيرة ، وعندما أعترض ، تتحجج بقلة
تعليمي ! بدأت أتقبل وجوده بيننا رغم شعوري بأن قرنين كبيرين ينبتان في جانبي رأسي
، وكنت كلما نظرت في المرآة أنظر خلسة خشية أن أراهما ، وبدأت أعتاد الأمر بعدما
اتضح لي أن الجميع مغرمين به أيضا إنه المأسوف على شبابه المدعو جوجل !
في تلك الليلة المشؤومة ،
فوجئت بها تتلوى وتصرخ ، إنها مريضة ؛ فاقترحت عليها أن أصحبها إلى المستشفى ،
وهممت بطلب الإسعاف ؛ لكنها رفضت وبشدة ، وشرحت لي أن المستشفيات كلها موبوءة بالمدعو
كورونا ، ووجدتها تكتب ما تحس به ، وترسله إلى جوجل وما أسرع ما جاء رده ! فبعد أن
قرأ الأعراض التي أرسلتها ما كان من حضرة الطبيب جوجل إلا أن كتب لها قائمة
متكاملة بالأدوية اللازمة ومن ضمنها حقنة
، و لأن كلام السيد جوجل أوامر فقد أرسلتني لأحضر لها الدواء من الصيدلية القريبة
، ثم طلبت مني أن أحقنها بتلك الحقنة ، وطبعا رفضت ؛ ولكن بعد جدال هائل ، وبعد اتهامي
بأنني أريدها أن تموت ، حقنتها و يا ليتني لم أفعل ! فما هي إلا دقائق ورأيتها تتشنج
أمام عيني ثم رأيت حدقتا عينيها تدوران ، قبل أن تجمدا ، وتتوقفا إلى الأبد ،
حاولت إفاقتها بكل الطرق ، لكنها كانت قد فارقت الحياة .. .. اللعنة على جوجل ، إن مصيبتي كبيرة ، وليست في موت زوجتي التي
أحبها فقط ، فالمصيبة الأكبر أنهم سيتهمونني بقتلها .. .. بمن سأستشهد ؟! هل أطلب
شهادة كلب الجيران الذي ظل يعوي طيلة الليل خوفا من ملك الموت ، أم أطلب شهادة
جوجل الذي كان يسعى لتفريقنا دائما حتى نجح ، وحرمني منها ؟ !
انتهى الليل ، ليبدأ ليل
حياتي الأبدي ؛ لقد مر أكثر من سنة ؛ سنة سوداء محت كل عمري الذي عشته من قبل ،
حتى أنني لم أعد أذكر لحظة سعادة واحدة عشتها ، وأنا أنزف الساعات المتبقية لي خلف
القضبان ! إنهم يقولون أن القرائن كلها ضدي ؛ كل الأدلة والبراهين تقول أنني قتلت
زوجتي الحبيبة ! ولذلك حكموا بالإعدام لتوفر العمد مع سبق الإصرار ، كلمات منمقة
لا أدرك لها معنى ! لكن الذي يشغلني الآن هو متى سينفذون الحكم ! ربما ينفذونه
الليلة ؛ فها هو صوت عواء كلب الجيران يتردد في أذني من جديد !
تأليف / متولي محمد متولي بصل
دمياط
3
/ 7 /
2020 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق