الملاك الذي أصبح شيطانا !
لا يدري لم أصبح يكره المدرسة
! إنه ما زال في الصف الخامس الابتدائي ، ومع ذلك يشعر بالضيق الشديد لدرجة الاختناق كلما سمع اسمها ! حتى حصة
التربية الرياضية التي كان ينتظرها كل أسبوع ؛ و يحرص على ألا يغيب عنها ، أصبح لا
يشعر نحوها بأي اهتمام ؛ منذ أن أبعده المعلم عن اللعب بحجة أنه لم يحضر الزي
الرياضي المطلوب !
كان ساخطا جدا لدرجة أنه تمنى
لو يصرخ في وجه المعلم بأعلى صوته ؛ ويقول :
_ ما ذنبي .. .. أتعاقبني ،
وتحرمني من لعبة الكرة التي أحبها ؛ لأن والدي فقير ، ولا يستطيع أن يشتري لي زيا
رياضيا ؟!
بداخله بركان هائل ، يتحين الفرصة ليعلن ثورته ، في المدرسة ؛ أصبح يفتعل
الكثير من المشاجرات ؛ يتعارك مع زملائه لأتفه الأسباب ! وفي الشارع ؛ يكسر كل ما يقابله طالما لا يراه أحد ؛ لدرجة أنه كان يسرق بعض المعروضات
الزجاجية من أمام المحل المجاور للمدرسة ، وعندما يصبح بعيدا عن العيون ؛ يقذفها
في الهواء لتسقط محدثة فرقعة كبيرة !
وفي البيت ، ما أكثر المشاكل
التي أصبح يسببها لوالديه ؛ لدرجة أنه كان سيتسبب في طلاقهما أكثر من مرة !
كان في قرارة نفسه يعرف أنه
ربما يكون قد تحول إلى شيطان صغير ؛ ولكنه كان يبرر ذلك متعللا بأن أحدا ممن حوله
لا يهتم بسعادته ؛ فلماذا يهتم هو بعدم إفساد سعادتهم !
قبل توقف الدراسة بأيام بسبب
المدعو " كورونا " ، استقبل فصله تلميذا جديدا ؛ قدمته لهم معلمة الفصل
؛ وعرَّفتهم به ؛ ومن خلال كلامها فهم أنه من بلد عربي شقيق ؛ جاء به خاله فرارا
من الحرب التي خربت ديارهم ، وقتلت أحبابهم ؛ لقد قتلت كل أسرته ، أبويه وإخوته !
ولم تترك له إلا خاله !
تعجَّب من هدوئه ، ومن دماثة
خلقه ، ومن أدبه الجم ، حتى معه هو ! فقد تعمَّد إحراجه أمام زملائه ، ودفعه أكثر
من مرة حتى كاد يوقعه على الأرض ، وكان يقول له ساخرا :
_ أيها اللاجئ !
ومع ذلك ، كان يبتسم له ، ويرد عليه بلطف ، ويقول له :
_ يا أخي !
توقفت الدراسة ؛ واستسلم
الجميع للحبس المنزلي ؛ الذي زاده ضيقا واختناقا ؛ ووجد نفسه يستعيد ذكريات هذه
الأيام القلائل ، ويتذكر ذلك الملاك الذي كان يجلس على بعد خطوات قليلة منه ؛ ووجد
نفسه يقول :
- مؤكد هو ملاك من السماء ! لقد
فقد أهله ، وبيته ، وأصدقاءه ، وزملاءه ؛ فقد الكثير لكنه - رغم أنه صغير مثلي - لم يفقد إيمانه ، ولم تتغير أخلاقه ؛ ما زال
يتعامل مع الناس بكل أدب ولطف !
في منتصف إحدى الليالي ؛
استيقظت أمه على صوته ؛ فوجئت به يفترش سجادة أبيه ، ويطيل السجود ، ويدعو ! امتلأ
قلبها سعادة ؛ واقتربت منه ، وهي لا تصدق عينيها ؛ سمعته يقول :
- يا رب احفظ أبي وأمي يا رب ،
واحفظ بلادي يا رب !
تأليف / متولي محمد متولي بصل
دمياط
25 / 6 / 2020 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق