الأحد، 26 يوليو 2020

استغاثة

استغاثة
في الشرفة أخذ يصرخ مستغيثا ؛ فلم يأبه له أحد ، بل حسبه البعض طفلا مجنونا ؛ نزع العلم المعلق في سور الشرفة ؛ وطفق يلوح به ؛ ومع ذلك لم يلتفتوا إليه  !
أشعل النار فيه ، وبدأ يلوح به ؛ عندئذ توقف كل شيء ؛ الناس والعربات ، وبينما كان الجميع يلتقطون الصور بهواتفهم ؛ شقت الزحام سيارات الشرطة ، والإسعاف ، والمطافئ !

الأحد، 19 يوليو 2020

أحلام تحت الركام

أحلام تحت الركام
       مثل الجميع كانت لي أحلام كثيرة ، كنت أحلم أن أتزوج  ، ويكون لي بيت سعيد وأولاد وبنات ، ولكن كما يقولون ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ؛ فكل هذه التطلعات المباحة والمتاحة للجميع ؛ كانت بالنسبة لي أحلاما تحت الركام  , وكنت أعرف أنها ستظل تحت الركام إلى الأبد
       لقد رضيت بنصيبي ، ولكن من حولي غير راضين ؛ حتى أمي التي سمعت بأذنيها الطبيب الذي كشف علي منذ سبع سنين ؛ وهو يؤكد أنني مصابة بعيب خلقي في الرحم وأن الإنجاب في المستقبل مستحيل ! كل ما قالته هي وأبي وقتها أن هذه المسألة بيد الله سبحانه وتعالي ، وليست بيد مخلوق ! أبي وأمي يؤمنان بالمعجزات ؛ أما أنا فمن يومها أصبح وجودي على قيد الحياة معجزة !
       ما فائدة أن أتزوج وأفرح شهرا أو سنة ثم بعد ذلك أحصل على تعاسة وحسرة وألم لايفارقني طول العمر لا توجد في هذا العالم كلمة أكرهها أكثر من كلمة (عاقر ) و لقب يسبب لي الرعب أكثر من كلمة ( مطلقة ) ؛ اللعنة على الرجال ؛ لن أضع نفسي تحت رحمة أحدهم ؛ هذا قراري ولكن ماذا أفعل وجيراني وأقاربي وأهلي لم يعد لهم شغل إلا موضوع رفضي للعرسان ، وما أكثرهم هذه الأيام
كانوا يظنونني مغرورة وما أكثر ما سمعت ورأيت من غمز و لمز ! 
       كان من السهل علي أن أصبر و أتحمل ؛ ولكن ليت الأمر توقف عند هذا الحد ؛ لقد بدأ أصحاب النفوس المريضة في ترويج الشائعات ؛ إنها تجارة رائجة أكثر من تجارة المخدرات ؛ الويل لهم لقد مرضت أمي بسببهم ؛ كادوا يقتلونها بألسنتهم  ! إن السموم التي ينشرونها تكفي لقتل فيل يزن ثلاثة أطنان ، ولكن أمي معروفة بصبرها وقوة إيمانها .
       من أجلها فقط قررت أن أخوض التجربة المريرة ؛ سأضحي من أجل أمي ؛ لكنني في نفس الوقت سأتخذ احتياطاتي ؛ لن أدخل القفص إلا ومعي مفتاحه !
       علي أن أختار الشريك المناسب ؛ ربما لو أحسنت الاختيار أجنب نفسي وأهلي الوقوع فى كارثة ؛  ظل شبحها يهددني لسنوات !
يا إلهي كل الذين يتقدمون لي لا يعيبهم شيء ! سبحان الله  ! لو كان الحال غير الحال ما خلا أحدهم من العيوب ؛ إنها الدنيا العجيبة التي لا تعطي أحدا ما يريد !
       كان علي أن أتحرك  ؛ فمواكب الخطاب لا تتوقف ؛ يا للعجب كيف تشتكي صديقاتي وجاراتي قلة الخطاب ربما يخشين الحسد !!
وحتى لا يدهمني الوقت اخترت وقررت ، وكان اختياري صدمة للجميع ، حتى أمي ولكنني كنت متأكدة أن هذه الصدمة ستزول بمرور الأيام .
       كان معاقا يتحرك دائما بدراجة بخارية ذات ثلاث عجلات ، أقل مني تعليما  ، يكبرني بسنوات  ؛ ربما فاته قطار الزواج فلم يكن قط ضمن قائمة اختيارات أي فتاة ! صاحبت أخته ، ولمّحت لها بأنني سأوافق عليه إذا تقدم لخطبتي .
       لا أدري حتى الآن كيف أقنعت أمي وإخوتي ! أوهمتهم أنني أحبه  ؛ ألا يقولون أن الحب أعمى ؛ كادوا يصابون بالحول من شدة الذهول كدت أقتل أمي وأنا لا أدري 
       لم يعد لأهل حارتنا حديث إلا هذه الزيجة لا أحد يصدق أنني بعد رفضي لكل هؤلاء الخطاب - وكل واحد فيهم بحق أمير أحلام أي فتاة  - أتزوج بشخص لا يوجد بيني وبينه أي تكافؤ !، كنت بيني وبين نفسي أشعر أنني ظلمته ، فرغم أنه كان يتظاهر بالسعادة ، إلا أنه كان يعرف أنني لم أحبه ، ولكنه كان يحاول - مثلي - التكيف مع هذه الحياة الجديدة ، تعود - مثلي - أن يتظاهر ويمثل أنه سعيد !
       لم ألتفت لما يقولون وبدأت أتكيف مع حياتي الجديدة ، ومرت سنة وحدث ما لم يكن في الحسبان ! اللعنة على هذا الطبيب الذي شخص حالتي منذ سنوات لقد أكد أنني معيبة وأن هذا العيب الخلقي سيجعلني عاقرا ، لكن ها هو طبيب آخر يؤكد لنا من خلال التحاليل وجود حمل !!
        الشهور تمر ، وبطني تتكور  ، وتزداد  ، و الجنين يكتمل ! إنني أشعر بقدميه تركلاني ؛ يريد أن يرى الحياة ، الحياة التي أشعر أنني على وشك الخروج منها !
تأليف متولي محمد متولي بصل
دمياط
19  /  7  2020  م


الأحد، 12 يوليو 2020

صديقي الثري !

صديقي الثري !

     كل مرة كنت أقسم ألا أعود إليه مرة أخرى مهما حدث ، وكنت أعرف أنني سأحنث في قسمي ! وما أكثر ما عاتبتني زوجتي لدرجة أنها كانت تصرخ في وجهي من شدة الغيظ :

-        أين كرامتك .. .. أين كبرياؤك ؟!

وكان ردي جاهزا دائما ، مثل وجبة ( تيك أوي) ، وكان يجري على لساني رغم ضجري منه ؛ فليس أمامي تبرير آخر :

-       لا كرامة لمن يسمع أبناءه وهم يضجّون من الجوع ..  .. لا كبرياء للفقراء أمثالي !

     صحيح أنني أعمل منذ سنوات في ورشة كبيرة لتصنيع الأثاث ؛ لكن الأجر الذي أناله لم يعد يكفي احتياجات أسرتي منذ أن ولّى العهد الذهبي للنجارة ! وبدأت الكثير من الورش تغلق أبوابها ، وهرب أربابها فرارا من الغارات الشعواء للفقر والجوع الأسود ؛ ولجأوا إلى مهن أخرى ؛ فاشتغل الكثير منهم في المقاهي والمطاعم التي انتشرت ، وحلت محل الورش ، بينما آثر البعض أن يسافر ويبتعد عن طوفان الكساد الذي ظهرت نذره في الأفق!

     تغيرت الدنيا ، وما كان يكفينا بالأمس أسبوعا كاملا ، أصبح الآن لا يكفي إلا يوما واحدا ! حاولت بشهادتي أن أفوز بوظيفة  ؛ تحفظ لي ماء وجهي في هذه الأيام الكاسرة ، وتوفر لي راتبا مضمونا ،وترحمني من غدر الأيام ؛ لكن من كان بلا ظهر مثلي ، فليس له إلا مصمصة الشفاه كما يقولون !

     كنت أعود من شغلي خائر القوى ، كثور الساقية الذي لا يكف عن الدوران ، فأجلس بين زوجتي وأولادي عشاء ًلنتناول الغداء ! وكأننا نجمع بينهما جمع تأخير! وعندما كانت الورشة تغلق أبوابها لأي سبب ؛ كنت لا أنجح إلا في توفير وجبة واحدة فقط ، و بصعوبة بالغة !

     حتى ظهر هذا الشخص في حياتي مثل شجرة يابسة انكسرت من شدة الريح ، وسقطت في منتصف الطريق ! قابلته في حفل توزيع جوائز القصة ، فقد كانت هوايتي الوحيدة هي الكتابة ، وكنت قد اشتركت في مسابقة متواضعة للقصة ، ورغم معرفتي مسبقا بأن مبلغ الجائزة تقريبا مساوٍ لما سأنفقه في كتابتها على الكمبيوتر ، وتحميلها على اسطوانة ، وطباعتها وتصوير النسخ المطلوبة منها ٍ ؛ إلا أنني كنت مصرا على الاشتراك ؛ فقد كنت في أمس ِّ الحاجة إلى بعض الدعم المعنوي الذي أفتقده بشدة وأنا وسط طوفان الحياة المادية الجارف !

     وبالفعل منحتني الجائزة - رغم ضآلتها – بعض الثقة المفتقدة ، وأكثر من ذلك فرحة زوجتي وأولادي في هذه الليلة السعيدة ؛ حتى أنني شعرت بهرمون السعادة يتدفق في شراييني بكميات كبيرة !

     و قبل انتهاء الحفل بقليل ، خرجنا من قاعة الفندق الذي لم أدخله في حياتي إلا هذه المرة اليتيمة ! ثم انطلقنا للاستمتاع بفسحة مميزة  في رأس البر؛ التي حُرمنا من الذهاب إليها منذ سنوات بسبب الظروف المادية الخانقة ! وقبل أن نبتعد فوجئت به يتوقف بسيارته الفارهة ، ويعرض علي َّ توصيلنا حتى باب البيت ! لم أعرفه رغم أنه كان علما من أعلام البلد كما عرفت فيما بعد ! أخبرني أنه كان في الحفل ، وأنه معجب جدا بقصتي وبأسلوبي في السرد ، وأنه يرغب في مناقشتي بخصوص القصة ، وأعطاني كارت التعريف الخاص به ، وأخبرني أنه سيكون في غاية السعادة إذا شرفته في معرضه  ! وظل يمدحني ، ويثني علي  طريقتي في الكتابة وأنا وسط زوجتي وأولادي مثل البالون الذي يوشك أن ينفجر من شدة النفخ فيه !

     شكرته ، وذهبت بأسرتي الصغيرة للتنزه في ( الجربي ) متجهين نحو ( اللسان ) بمحاذاة النيل ، كانت ليلة من أجمل ليلات حياتي ، كدت أطير فيها من السعادة ، وأنا أرى الفرحة تطل من عيون زوجتي وأولادي .

     في اليوم التالي ، وبعد أن أنهيت عملي في الورشة ذهبت إليه في العنوان الذي ذكره لي ، والمكتوب على الكارت ، وعلى الرغم من ملابسي التي تبوح بأنها قديمة جدا ، والنشارة التي تعفرها وتعفر شعر رأسي ووجهي ؛ فقد رحب بي ترحيبا كبيرا وكأنني عريس جاء يطلب يد ابنته ! مع أنني عرفت بمرور الأيام أنه ليس له إلا ولد وحيد في طور الشباب ، و أن ولده هذا بمجرد أن أتم تعليمه سافر إلى لبنان !

     دارت الأيام ، وصديقي الجديد الثري يُظهر لي الود الشديد ، ويدعوني باستمرار إلى مجلسه الفخم الذي كان لا يجالسه فيه إلا علية القوم، وكان يقدم لي كل ما لذ وطاب من الطعام والشراب ، والعجيب أنني لم أره يوما يتناول قطعة واحدة من الحلويات ! عرفت بعد ذلك أن كبده تالف ؛ وأنه سيجري عملية زراعة كبد ، وأن المسألة مسألة وقت حتى يجدوا متبرعا أو كبدا مناسبا له ! فوجئت به كل يوم ؛ يأمر أحد عماله بتجهيز علبة كبيرة مليئة بالفطير والبريك وبعض الحلويات ؛ وينفحني بها بعد انتهاء الأمسية ؛ وكنت أدخل على زوجتي وأولادي المحرومين ، فيكادون يحملونني من على الأرض حملا !

     مرت الأيام ونحن على هذه الحال ، وأحيانا عندما كانت الورشة تغلق أبوابها ؛ كنت أقترض منه ، وكان لا يتأخر في إقراضي ، رغم أنني كنت أسمع أصدقاءه  ، وعماله يصفونه بالبخل الشديد !

     أصبحت الأمسية ثابتة في برنامجي اليومي ؛ لا يمنعني عنها تعب ولا مرض ! وذات مساء تشجعت وطلبت منه أن أعمل عنده في المصنع مجرد عامل ، أو في أحد محلات البيع بائعا أو ( كاشير ) ، كنت واثقا من أنه لن يرفض طلبي ؛ لكنه رفض وبشدة ، وتعلل بأننا أصدقاء ، وأنه يعتبرني أخاه الذي لم تلده أمه ، وأنه يتحرَّج من أن أعمل عنده ، فالعمل عنده - على حد قوله - أشغال شاقة !

     كانت صدمة كبيرة لي ؛ فلم أتوقع بعد كل هذا الترحيب أن يرفض اشتغالي عنده ، لا سيما أن الورشة أصبح العمل فيها نصف يومية فقط ، وكثيرا ما كانت تغلق أبوابها

     رغم ذلك ، ظللت أذهب إلى أمسياته التي كان يفتتحها دائما بقوله المعتاد :

-        ما الجديد ..  .. ( يا أبو زيد ) ؟

كان يحاول التحدث بالفصحى مع أنه - كما عرفت من مخالطتي له – لم يكن يجيد القراءة والكتابة  ، والشهادة الوحيدة التي حصل عليها – كما أخبرني هو بنفسه –  هي شهادة محو الأمية التي اضطر لشرائها بالمال ليتمكن من استخراج رخصة قيادة !

     كنت أروي له قصصي التي ألفتها ، وكان اهتمامه الكبير الذي يبديه يشجعني على أن أسرد حتى أدق التفاصيل ، وفي كل مرة كان يدور بيننا نقاش جيد حول ما أسرده له من قصصي ، والعجيب أنني أحيانا كنت أذهب إليه خاوي الوفاض ، ولكن بمجرد أن يبادرني بسؤاله العجيب :

-        ما الجديد ..  ..  يا  ( أبوزيد ) ؟

أجد سماء الإلهام قد فتحت أبوابها ، وأفاجأ بلساني يسرد وقائع قصة جديدة وليدة اللحظة !

     وكنت أحكي لزوجتي كل صغيرة وكبيرة ، ومن العجيب أنها كانت تحذرني منه ، بل وتطلب مني الابتعاد عنه ، لدرجة أنها كانت تقول لي :

-        يا ( أبو زيد )  ! التجار فجار ، وهذا الرجل لم يرحب بك ،ولم يصاحبك رغم فقرك إلا لأنه يطمع من وراء كل هذا في شيء لا تعرفه !

ضحكت من كلامها كثيرا ، وقلت لها :

-        الرجل الغني ..  .. يطمع في العبد الفقير ..  .. فيما سيطمع ؟ هو فقط معجب بطريقتي في الكتابة .. .. إنها هواية .. .. مجرد هواية ، مثل ملايين الناس الذين يحبون مشاهدة كرة القدم أو المصارعة !

فوجئت بها ، تداهمني بكلمة وقعت على رأسي مثل صخرة صلدة ، وتقول لي :

-        ربما يريد سرقة قصصك !

-       ها ها ..  .. يسرق قصصي .. إن معرفته بالقراءة والكتابة ضعيفة جدا .. .. لا .. لا .. ثم إنه صاحب أكبر مصنع للحلويات ، ولديه الكثير من الأموال .. .. فلماذا يسرق قصصي ؟!!

جرى الكلام على لساني ، دون تدخل مني ، لا أدري كيف حدث ذلك ، فقد كنت أحاول إقناعها ، بينما كانت قناعتي أنا تتحول إلى قطعة جبن مليئة بالثقوب !

    رغم انتهاء الحوار إلا أن كلمة ( سرقة ) ظلت تتردد ، وظل صداها يعلو في رأسي ، حتى كادت رأسي تنفجر ، فلم أنم ليلتي تلك ، وخرجت أبحث عن ( سايبر ) وأنا أعرف أن مثل هذه المحلات لا تغلق أبوابها إلا فجرا ! طلبت من صاحب ( السايبر ) أن يبحث لي عن صفحة صديقي الثري على ( الفيس بوك ) وأخبرته اسم الصفحة ، فرغم أن صديقي لم يكن يطلعني على هاتفه المحمول الذي لم يكن يفارق أصابعه لحظة ، إلا أنني لمحت اسم صفحته ذات مرة !

     غامت عيني َّ ، وأحسست بطعم الدم في فمي وأنفي ، وأنا أشاهد قصصي بحذافيرها مكتوبة ،  وموثقة باسمه هو ! ربما لو كانت صدمتني مقطورة كبيرة ، ما كنت شعرت بكل هذه الآلام المبرحة التي انتشرت في رأسي ، وبدأت تصل إلى قلبي !

     مرَّت هذه الليلة على َّ وأنا شبه ميت ! ولم أخبر زوجتي بشيء ، خشيت أن تصاب بالجلطة التي كنت أشعر بأنها على وشك أن تصيبني !

     وطلع النهار وليس في جيبي من المال حتى رائحته إن كانت له رائحة ؛ فخرجت أدور في الشوارع مثل المتسولين ؛ فالورشة مغلقة ! والأولاد يتضورون جوعا ؛ وقبل موعد الأمسية اليومية وجدتني أجلس في مكاني المعتاد ! رأيتني أجلس أمامه كالأبله ! والعجيب أنه لم يسألني سؤاله المعتاد ، بل بادرني بقوله :

-        لدي قصة .. .. أريدك أن تكتبها بأسلوبك الجميل .. .. إنها قصة واقعية ..  ..

وبدأ يحكي حكايته .. .. كنت متعبا جدا بسبب سهري طول الليل ، ورغم ذلك أخذت أنصت لما يقول ، فوجئت به يخبرني بحكاية ابنه الوحيد الذي تركه وسافر إلى لبنان ، أخبرني أنه كان ينتظر أن ينهي ابنه تعليمه حتى يساعده في إدارة أعماله في المصنع والمحلات ؛ ولكن ابنه كان له رأي آخر ، كان يريد أن يبدأ من الصفر فطلب من والده مبلغا من المال ليبدأ مشروعه ، وبالطبع رفض ، فما كان من الولد إلا أن سافر ، وترك له البلد !

     قال أنه كان يراسله ، ثم بعد فترة انقطعت أخباره ! لقد فعل الكثير ليصل إليه ؛ أبلغ السلطات المسئولة في مصر ، وفي لبنان بل ودفع لشركة أمن خاصة للبحث عنه ، وحتى الآن لم يعثر له على أثر !

     إنه فقط يريد رؤيته قبل أن يذهب لعمل عملية زراعة الكبد ، فقد أخبره طبيبه أنهم أخيرا عثروا على كبد مناسب له ، والعجيب أن العملية ستتكلف مائة ألف ، إنه نفس المبلغ الذي طلبه منه ابنه من قبل ليبدأ مشروعه الخاص !

     أخبرني أيضا أن طبيبه يقول له أنه محظوظ جدا ؛ لأن تحاليل الكبد الذي سيزرع له تؤكد أنه يناسبه جدا بصورة لا تحدث إلا عندما يكون المتبرع قريبا له من الدرجة الأولى !

     رأيت دموعه لأول مرة وهو يقول لي أنه تعيس جدا ، لأنه سيكون بين الحياة والموت ، بينما هو لا يعرف عن ابنه الوحيد أي شيء !

     سهرت أياما في كتابة القصة ، ومرت أسابيع ولم أستطع إنهاءها فرغم التفاصيل الدقيقة التي كان صديقي اللص قد أخبرني بها إلا أنني لم أستطع أن أكتب نهاية ترضيه ؛ فقد كنت حريصا على أن أكتب نهاية تعجبه ؛ لكن قلمي كان دائما يأبى ذلك ! ليس انتقاما منه ، ولكن لأن السياق كان دائما يجرفني كالشلال نحو نهاية مفجعة ، نهاية مفزعة لا أستطيع تغييرها !

     فكلام الطبيب عن الكبد الذي تظهر التحاليل أنه مناسب له تماما ، وكأنه جاء من متبرع قريب له من الدرجة الأولي ، مع اختفاء ابنه الوحيد بهذه الطريقة الغامضة في جبال لبنان ؛ لم يتركا لي خيارا آخر !

    كان قد أقرضني مبلغا كبيرا من المال ، قبل ذهابه لإجراء العملية ؛ على أمل أن أكتب له هذه القصة ، ولكنني وبعد شهور عديدة لا أستطيع أن أخبره بها !

     سددت له ما علي َّ من دين ، ولم أعاتبه في سرقته قصصي ، بل لم أفاتحه أصلا في هذا الأمر ! ولم أذكر له شيئا مما يراودني من أفكار بالنسبة لابنه ، فقط بدأت أنسحب شيئا فشيئا ، أما بالنسبة لقصته التي كتبتها ؛ فها هي ترى النور لأول مرة بعد أن ظلت حبيسة أكثر من عشر سنوات ، لقد قررت أخيرا أن أشارك بها في إحدى المسابقات ، بعدما علمت برجوع الابن الضائع من لبنان !

تأليف م متولي محمد متولي بصل

دمياط

12  /  7  /  2020  م

 


السبت، 11 يوليو 2020

تقليد أعمى

      البائس الصغير
طفق يهز رأسه وينبح ، ربما تمنحه قطعة لذيذة مثل هذا المحظوظ الذي وضعت أمامه طبقا مملوءا ، لكنها نظرت إليه في ذهول وهي تتعجب من طريقته الغريبة للتسول ؛ ثم نفحته قطعة نقد ، أخذها مرغما وقلبه يتمزق حسرة وألما ، بينما كان المحظوظ يلتهم ٱخر قطعة لحم مشوية ، ويهز ذيله من شدة الفرح !
تأليف متولي محمد متولي بصل
دمياط
١٠  /  ٦  /  ٢٠٢٠. م

الجمعة، 10 يوليو 2020

شعبان في خبر كان 4

شعبان في خبر كان 4

     عندما عاد إلى البيت ، وجد أمه نائمة ؛ نظر إليها فدمعت عيناه ؛ وقبل جبينها ، ويديها، ثم ذهب إلى حجرته ، وارتمى وسط آلاف الأوراق التي تملأ الحجرة ، ورفع ساقيه وأسندهما على إحدى الكراتين بينما شبك أصابع يديه وجعلهما كوسادة تحت رأسه ، إنه في حيرة من أمره ؛ فمن المؤكد أن معرفته لكل هذه الأسرار وراؤها سبب ؛ واطلاعه على كل هذه المعلومات والبيانات ليس مصادفة ؛ إنه الآن يعرف أدق التفاصيل عما يدور في هذه المحافظة المسكينة ، بل ويعرف الكثير عن المشروعات التي لم تتم بعد ، والتي تقرر إنشاءها في السنوات المقبلة ! خرائط الاتساع العمراني والتي للأسف لا تراعي إلا مصالح الأثرياء وأصحاب النفوذ فقط !هؤلاء لهم كل المكاسب أما الفقراء فلهم الجنة !

     سمع صوت أبيه ، يبدو أنه قد عاد ؛ ويبدو أن أمه قد استيقظت ، بل وجهزت العشاء ؛ سمعها تناديه ؛ فخرج وجلس معهما لتناول الطعام ، فاجأهم الأب قائلا :

-        تصدقي يا " أم شعبان "  إن الأستاذ " شوكت " قريبنا مرشح نفسه لعضوية البرلمان !

اندهشت الأم  ، وقالت :

-       قريبنا ازاي يا " عبد العظيم " ده لا يعرفنا و لا نعرفه !

-       هو قريبنا من بعيد ..  ..  بس ناس كتير بيقولوا إن فرصته في النجاح كبيرة ، الناس في القهوة مفيش لهم سيرة غير الانتخابات والمرشحين لها .

-       يعني لو حتى كان قريبك ، ونجح ..  ..  ها ينوبنا إيه من وراه ؟!

-       ينوبنا إيه ..  ..  أقله يوظف لنا ابننا ، ولا عاجبك قعدته في البيت ..  ..  يعيّنه في أي وظيفة !

التفت إلى " شعبان " وسأله :

-       صحيح يا ابني ..  ..  موضوع الشركة طول قوي .. .. ده فيه ناس بيقولوا لي إنهم أكيد نصابين ، فات أكثر من خمس شهور ، وانت حابس نفسك مع الورق بتاعهم ، ولسه مفيش خبر ، همه ناويين يقبّضوك إمتى يا ابني ؟!

فاجأه السؤال ، وحاول أن يخفي ارتباكه بقوله :

-       هانت يا با ..  .. ما تقلقش فاضل شوية حسابات أخلصها ، وأقدم لهم الورق ، واتعيِّن على طول بإذن الله .

-       يا ابني أنا بس قلقان عليك ، أنا وامك أي حاجة بتكفينا ، إنما انت مشوارك لسه طويل ؛ محتاج شقة ، وعفش ، وشبكة تقدمها ، ومهر ، ومصاريف كتير .. ..  نفسنا نشوفك في بيتك متهني زي كل اللي في سنك !

التفتت إليه الأم ، وسألته باهتمام :

-       بالمناسبة شقة المجلس ، مفيش عنها أخبار ؟

أجابها الرجل بيأس :

-       الشقق من قبل ما تتبني بيوزعوها على الحبايب من بره بره .. .. أمال أنا كنت باكلمك عن قريبنا اللي مرشح نفسه ليه !

-       همه مش جم وعاينوا البيت اللي احنا فيه ده ، وقالوا نازله قرار إزالة ، واننا نستحق شقة ، مش قالوا الكلام ده بعضمة لسانهم !

تكلم " شعبان " الذي كان يسمع بمرارة ، وقال :

-       اللي بيقولوه غير اللي بيكتبوه !

-       يعني إيه ؟!

-       يعني زي ما ابويا قال ..  .. الشقق بتتوزع من قبل ما تتبنى بالرشاوي والواسطة ، واللي زينا ربنا يتولاه !

-       يا خسارة يا ابني ..  .. احنا كنا عاوزينها عشانك انت .. .. عشان تتجوز ونفرح بك !

فاجأها زوجها بقوله :

-       وافرضي الشقة جت .. .. هاندفع مقدمها منين ؟!

قال " شعبان "

-       هانضطر نتنازل لواحد من الأغنيا ، يدفع مقدمها وياخدها هو من الباطن ، واحنا كل اللي ها ينوبنا كام ألف ، هو ده اللي بيحصل

تحسّرت الأم قائلة :

-       ياااه ..  ..  دي تبقى بقى معمولة للناس المبسوطين اللي معاهم الفلوس ، مش للغلابة اللي زينا !

قال " شعبان " ليخفف عنهما :

-       ما تحملوش همي .. .. إن شاء الله ها تتعدِّل .. .. بكره اشتغل وتفرج بإذن الله !

كل واحد بياخد نصيبه ، مش كده برده ؟!

-       ونعم بالله .. .. ربنا يجعل نصيبك خير ، وينوِّلك من الفرح كله!

ابتسم أبوه ، وقال :

-       والله يا ابني أنا مبسوط منك .. .. انت بقالك فترة بتتكلم كلام كله حكم .. .. وعندك قناعة ورضا .. ربنا يكمّلك بعقلك ويفرحك ويرضيك يا ابني !

     استأذن من أبويه ، ودخل حجرته ، وأوصد بابها المتهالك ، لكنه لم ينم ! ظل طوال الليل عاكفا على الأوراق يقرأ ويكتب ملاحظاته ، لقد قرر أن يستفيد من هذا البحر الهائل من المعلومات التي أصبحت بين يديه ؛ فحبس نفسه أسبوعا آخر يقرأ و ينظم ويدقق ويقارن ، وقد أفادته دراسته في المعهد الفني التجاري فيما يقوم به ، وعندما خرج من محبسه تعمّد أن يمشي مسافة طويلة ، فسار من أمام المعهد الأزهري حتى وصل إلى الكوبري الجديد كانت الشمس تميل إلى الغروب ، وقد بدأ الناس يخرجون إلى الكورنيش للتمتع بهواء النيل المنعش ؛ ثم اتجه إلى القنطرة ، ومر بسوق السمك ، وجده مزدحما بالناس ! فتعجب فهو يعرف أن الزحام يخف شيئا فشيئا قبل غروب الشمس ، حيث يكون الجميع قد اشتروا احتياجاتهم من السمك للغداء ، والآن تغرب الشمس وما زال السوق يعج بالبشر ، تلاشى تعجبه هذا عندما دقق النظر فيمن حوله ، كان معظمهم من المصيفين ، عرف ذلك من وجوههم وجلودهم التي أكسبتها ملوحة البحر ، وأشعة شمس رأس البر صبغة مميزة ! كان الزحام شديدا ، ورغم أن الطريق يتسع لأربع سيارات متجاورة إل أنه لم يكن يسمح إلا بمرور سيارة واحدة في اتجاه واحد فقط ، بسبب الباعة المتجولين المنتشرين على الرصيف ، بل وعلى الأسفلت في نهر الطريق ، ومن العجيب أن أفرادا من شرطة المرافق ، وشرطة المرور كانوا متواجدين في المكان ! وشاهد شعبان بعينيه أحد الباعة يدس يده في جيب أحدهم ، كما رأى صولا يتحدث إلى بائع آخر بود ٍ شديد ٍ ، وهو يعاتبه قائلا :

-        الأولاد نفسهم في الحنشان يا عم زكريا

رد عليه البائع ، وكأنه يكلم صاحبه الذي لا يفارقه ، وقد ارتسمت على وجهه الضخم ابتسامة عريضة :

-       ما يغلاش عليهم يا حضرة الصول ..  .. ها تصبح الصبح تلاقيه بيتلعبط عندك في البيت ، ولو إن الكيلو عدّى المية وعشرين جنيه ، بس ما يغلاش عليهم !

       عبر الزحام الخانق بصعوبة ، ودخل سوق العطارين كان مزدحما هو الآخر ، سار فيه حتى وصل التجاري ، مشى فيه ببطء ؛ وهو يتأمل البيوت العتيقة المتلاصقة إنها تبدو من الأسفل كالجديدة من فرط عناية أصحاب المحلات واهتمامهم بتزيينها ؛ لكنها في الحقيقة بالية ويجب إزالتها ، فقد صدرت لها قرارات هدم وإزالة منذ سنوات ، لكن هذه القرارات بمرور الوقت أصبحت مجرد أوراق بالية في الأدراج ! تذكر وهو يقترب من جامع البدري ذلك الهاتف الذي سمعه وهو يقف على رصيف مبنى المحافظة ، والذي كان يقول ( كل ما حولك ليس إلا فألصوا ) ، تذكر أيضا أن كل قرارات الإزالة توجد صور لها ضمن الأوراق الموجودة عنده في البيت ، تعجب من أن قرارا واحدا منها لم ينفذ حتى الآن ، من المؤكد أن أصحاب المحلات - وهم أكثر أهل البلد ثراء – قد دفعوا الكثير لتعطيل هذه القرارات ، دفعوا أموالا طائلة ليكون مصيرها أن تحرق في محرقة القمامة كما كان مخططا لها !

       ظل يمشي حتى وصل قهوة اللؤلؤة حيث يعمل أبوه ، كان يعلم أن أباه قد أنهى عمله في القهوة وانصرف ، أراد أن يجلس ويستريح ، فتش جيوبه ؛ فوجدها خاوية ، من أين سيدفع ثمن الشاي لو طلبه ؟! قبل أن يولي ظهره للمقهى ، ويعود كما أتى  سمع صوت " عم برقوق "  زميل أبيه في العمل  

-       أستاذ " شعبان " ..  ..  أستاذ " شعبان " !

التفت إليه ، وسلم عليه ، أصر ّ الرجل  ؛ بل وأقسم عليه أن يجلس ، وما أسرع ما أحضر له كوبا من التمر المثلج ، فجلس وما كاد يشربه ، حتى فوجئ به يحضر له كوبا من الشاي !

       وبينما هو يحتسي الشاي سمع الناس حوله يتحدثون عن الانتخابات ، كانوا جميعا متفقين على أن الصراع سيحسمه أصحاب المال والنفوذ ، لكن كانت هناك مناوشات خفيفة بينهم  ؛ فالبعض يؤكد أنه لن يرشح إلا من يراه الأصلح ، والبعض الآخر يقول أنه طالما الأمر محسوم مسبقا لأصحاب النفوذ والمال الذين يشترون الأصوات فعلى الأقل يستفيدون قدر الإمكان ، فهذا الموسم لا يتكرر إلا كل أربع سنوات

       شد انتباهه حوار آخر يدور حول المحافظ الجديد ، يتوقعون أنه لن يطول به المقام بينهم ، لقد فشل فشلا ذريعا ، و لا أحد يدري السبب ، رغم ما كانوا يسمعونه عنه من قبل ، من أنه شعلة من النشاط ، وما اشتهر عنه من نزاهة يده ، ونظافة ذمته ! ووجد " شعبان " نفسه يقول ، وبصوت سمعه الجالسون بالقرب منه :

-       أنا عارف السبب .. .. أنا عارف السبب .. .. رجل نزيه مثله ، بين عصابة من اللصوص .. .. أكيد لازم يفشِّلوه .. .. ومش بعيد يطلَّعوه حرامي !

تنحنح ، وقد أصيب بالارتباك من نظرات من حوله ، لكنهم سرعان ما عادوا إلى أحاديثهم المتلاطمة كالموج ، فقال في نفسه ، وهو يبتسم :

-       ربما حسبوني أحد المجانين الذين كثر عددهم في هذه الأيام ، لكن أنا فعلا عارف السبب ، وعارف كمان إن أي محافظ سيأتي سيكون مصيره الفشل !

       قام من مكانه بعدما شكر " عم برقوق " الذي كان في غاية اللطف والذوق لدرجة أنه أراد أن يحضر له فنجانا من القهوة ، كانت عقارب ساعته تشير إلى الثامنة ، قرر أن يعود من طريق باب الحرس ، ويسير حتى ميدان الشهابية ، قال لنفسه ، وهو يتخيل مشوار عودته الطويل :

-       ياه .. .. مسافة كبيرة قوي .. .. لكن أعمل إيه ومفيش معايا و لا جنيه .. .. يا ترى فيه كام واحد زي داخلين على سن الأربعين وهمه مفلسين .. .. ومافيش في جيب الواحد منهم حتى جنيه يركب بيه مواصلات ؟!

       أثناء سيره رأى عشرات المتسولين، تلح ألسنتهم وأيديهم بالسؤال ! والعجيب أنه شعر أن كثيرا من الناس العاديين الذين يسيرون بجانبه على الرصيف في نفس الاتجاه ، أو في الاتجاه المعاكس هم أيضا تبدو عليهم علامات التسول ، لكنه تسول من نوع آخر ، إنه تسول يعرفه ، ويعيشه ، وقد ذكره هذا بحكاية حدثت له مع ابن خالته ، هذا الشاب الذي سافر إلى العراق ، قبل حرب الخليج ، وكون ثروة كبيرة ، وعندما عاد بنى عمارة كبيرة في منطقة الأعصر الأولى وجعل الطابق الأول كله عبارة عن ورشة كبيرة لتدهيب الموبيليا

لقد ذهب إليه ، وطلب منه أن يعمل عنده ، حتى يتعلم الصنعة ، ويصبح " مدهباتي " لكن وعلى غير ما كان يتوقع ؛ فوجئ به يرفض ! وعندما قال له :

-       ممكن تشغلني من غير أجر .. .. لغاية ما أتعلم !

-       أتكسف أشغلك من غير أجرة .. ..

لقد بخل عليه، وكره أن يعلمه صنعة يأكل منها ، عرف شعبان وقتها أن التسول لا يكون من أجل المال فحسب !

       عندما وصل الميدان فوجئ بأعداد كبيرة من أبناء الصعيد يفترشون الأرصفة ، مجموعات صغيرة متناثرة في أحشاء الميدان ، في انتظار أي شخص يحتاج إلى عمالة ، هدم بناء ، حمل رمل وظلط وطوب ، إنهم على استعداد لأي أعمال شاقة ، وها هم ينامون في العراء ، شاهد شابا يجلس القرفصاء عند كومة من القمامة ، ويمد يده داخل شنطة بلاستيكية ، ياه .. .. إنه يأكل منها ؛ لم يصدق عينيه ! انسلخ من المشهد بسرعة ؛ وألقى بكل ما انتابه من مشاعر خلف ظهره  ، وسار بمحاذاة الكوبري العلوي ، وجد نفسه على مسافة بضعة أمتار من السلم ، كان على وشك أن يعبر الطريق ، لكن شد انتباهه مجموعات من إطارات السيارات مرصوصة فوق بعضها ، وبطريقة تجعل منها ما يشبه كوخا أو عشة عجيبة ، مكان غريب في الفراغ الكبير أسفل الكوبري ، ذهل عندما رأى أطفالا يلعبون حول هذه العشة كانوا متشابهين لدرجة كبيرة ، وزاد من ذهوله أن كل واحد منهم لم يكن يرتدي إلا قطعة واحدة ، فبعضهم يرتدي ما يستر نصفه السفلي فقط ، بينما نصفه الآخر عار ، والبعض الآخر يرتدي ما يستر نصفه الأعلى بينما نصفه الآخر لا يستره شيء ! ظل واقفا في مكانه مذهولا ، رغم أنه كان يشعر أن ساقيه تعجزان عن حمله من شدة التعب ، ووجد نفسه يقول :

-       على أعتاب القرن الواحد والعشرين .. .. وما زال في هذا البلد من يعيشون عيشة القبائل البدائية  !

فوجئ بشيخ يخرج من وسط الإطارات أشعث ممزق الجلباب ، أو ما كان يطلق عليه من زمن ٍ جلبابا ! قعد أمام بيته فوق صخرة كبيرة ، وأشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانها في الهواء ، وهو يضع ساقا فوق الأخرى ، بينما الصغار يلعبون ويمرحون من حوله ! ولاحظ " شعبان " أن دخانا كثيفا بدأ يتصاعد من بين الإطارات ، رأى سحبا من الدخان الأسود ، والتي لا يعقل أن تكون منبعثة من السيجارة التي يدخنها الشيخ العجيب ؛ فدقق النظر وإذا بعجوز لم يكن يستطيع رؤيتها ليس بسبب الظلام فقط ، ولكن لأن الثوب الذي يسترها لا يختلف كثيرا عن الصخرة السوداء التي تجلس عليها ! كانت جالسة أمام ما يشبه الفرن الصغير ، أو ما يطلق عليه ( الكانون ) لقد صنعته من صفين من الطوب ؛ أربع أو ست قطع من الطوب ؛ وفي الوسط  وضعت قطع من الخشب ؛ وأشعلت فيها النار ؛ وفوق كل ذلك وضعت وعاء أو قدرا كبيرا ! سأل نفسه بأسى شديد :

-       هل ما زلنا نعيش في قرون الظلام ؟!

عبر من أمامه رجل ، بدا عليه التأثر الشديد ، سمعه يقول ، وهو يهز رأسه متعجبا  :

-        لا حول ولا قوة إلا بالله .. .. لا حول ولا قوة إلا بالله !

-       احنا في سنة كام يا حاج ؟!

-       ألفين يا ابني .. .. ألفين .. ..

فهم الرجل ما أراد " شعبان " أن يقوله ، ولكنه انصرف فما الذي يستطيع فعله ! وقبل أن ينصرف " شعبان " هو الآخر ، لاحظ اقتراب سيارة ملاكي ثم توقفها ، وما لبث سائقها أن أخرج كيسا كبيرا ، ومد به ذراعه في الهواء من النافذة ! على الفور تسابق الصغار نحوه ، والتقطوا الكيس ، انطلقت السيارة ، وقام الشيخ من مكانه بعدما أطفا سيجارته ووضع ما تبقى منها في جيب جلبابه ! زوجته هي الأخرى قامت من أمام فرنها الصغير ، ودخل الاثنان مع صغارهما بالكيس الكبير داخل البيت العجيب !

دمعت عيناه ، فتطلع إلى السماء يُقلب وجهه يمينا وشمالا  ، كان الظلام يبتلع كل شيء حوله ، و لولا أضواء المصابيح في أعمدة الإنارة ما رأى شيئا ! أحس أنه يحمل أثقالا فوق رأسه وكتفيه ، يكاد يسقط على الأرض من هول ما رأى وسمع ، فمن يراه على حالته هذه يظنه سكرانا !

       كل يوم  كان يرى ويسمع ، و يمر مرور الكرام ؛ فما الذي تغير اليوم ، إن قلبه يكاد يتقطع ، ويشعر أن في حلقه غصة هائلة تسبب له الاختناق ! لم يعد يقوى على السكوت ! إنه الآن يعلم الكثير ، ويعرف أن الفتات الذي يتبقى على موائد الفاسدين يكفي لحل جميع مشاكل كل هؤلاء المطحونين ، فلماذا يبخلون عليهم بهذا الفتات ؟!

       عندما عاد ؛ دخل حجرته ؛ أغلق بابها القديم بعنف دون أن يدري حتى أن الباب تفكك  بل وكاد ينخلع من مكانه ، نظر إلى الحائط المتآكل ، إلى السقف الذي تخلت عنه قشرته وسقطت ؛ فانكشفت أسياخ الحديد الصدئة ، ولأول مرة شعر أنه يعيش وسط أنقاض ، هو الآخر يعيش عيشة بدائية ، ووجد نفسه يقول متعجبا :

-       نحن أموات .. .. أموات بلا أكفان .. .. أموات لكن فوق التراب !

ونظر بحسرة إلى أكوام الورق والكراتين التي تملأ المكان ، إنها شاهد عيان ، وشاهد إثبات على الظلم الكبير الذي لا ينتهي ؛ على الحقوق المنهوبة والمسلوبة من أناس بسطاء والذين يسرقونهم هم للأسف المسئولون عنهم ! و يا ليتهم يفعلون كما يفعل الذئب مع الغنم ، فالذئب لا يفترس ولا يأكل إلا إذا كان جائعا ، أما هؤلاء فلا يشبعون أبدا مهما امتلأت بطونهم !

       بيَّت أمرا خطيرا ، وأعد َّ له عدته  ؛ وفي الصباح بدأ في تنفيذه ، قام قبل طلوع الشمس ، بينما كان أهل الحي نائمين يغطون في همومهم ، حمل الكراتين بما فيها من أوراق ، وألقى بها كلها في صندوق القمامة الكبير القريب ، وأشعل النار ، وكلما خبت زادها لهيبا ببعض البنزين الذي كان يملأ به زجاجة كبيرة ، ظل وقتا كبيرا يشعلها حتى تأكد من حرق كل الكراتين بما فيها ، وعندما أحس باستيقاظ بعض الجيران ؛ تسلل إلى البيت ! بينما كانت سحابة سوداء كبيرة تتسع شيئا فشيئا حتى كادت تخفي قرص الشمس الذي كان قد بدأ في الظهور ، وشظايا دقيقة جدا وجمرات متناهية في الصغر تتصاعد في السماء ، مر وقت ليس بالقصير والدخان يتصاعد في السماء إلى أن جاءت الريح فذهبت بالدخان الأسود الكثيف ، وبدأت النار في الصندوق الحديدي تذوي بعدما أتت على كل ما فيه !

       عاد إلى فراشه ، بعدما اطمأن إلى أن أحدا لم يشعر بما فعله لا سيما أبويه ، كانت رائحة الدخان قوية جدا ونفاذة ؛ فدخل واستحم وعطر نفسه وبدّل ملابسه ، تناول الإفطار مع أبويه ، لاحظ أن أباه ليس كعادته ، إنه يبدو مريضا ومرهقا ، ومع ذلك أصر على الذهاب إلى عمله ! تحامل على نفسه فليس لهم مصدر دخل آخر غير عمله في المقهى ! أحس " شعبان "بالخزي والعار ، وهو يرى والده على هذه الحال ولا يستطيع أن يفعل له شيئا ، كان أمل حياته ، وحلم عمره أن يعمل ويساعده ، ويخفف عنه !

       خرج هو الآخر بعدما استأذن أمه ؛ قرر أن يكمل ما بدأه ، ذهب إلى مبنى المحافظة ، طلب مقابلة المحافظ ، حاول كثيرا أن يدخل إلى مكتبه ، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل ، وحتى اليوم الذي كان مخصصا للقاء المحافظ بالمواطنين ، حتى هذا اليوم فوجئ بمن ينوب عنه !

       كان يعرف تماما أن هذا الذي ينوب عن المحافظ هو أحد أهم أضلاع الفساد ، ولو أنه عرف سبب مجيئه لنسفه من على الأرض نسفا ؛ لذلك عندما حان دوره للمقابلة ادعى أنه جاء يلتمس الحصول على شقة إيواء له ولوالديه ، فوعده السيد بأنه سينظر في طلبه ، وسيحل مشكلته في أقرب وقت !

       كل يوم كان يذهب على أمل أن يلتقي به ، لكنه كان يرجع خاوي الوفاض ، وفي هذا اليوم وهو عائد قرر أن يتصفح الجرائد المعروضة على الرصيف أمام محل الجرائد القريب من المقهى الذي يعمل فيه أبوه  ، وقف يقرأ العناوين ، فجأة صك أذنيه صوت سرينا الإسعاف، لحظات وشاهد سيارة الإسعاف تنطلق أمامه ، وتقف أمام المقهى مباشرة ! انطلق وقلبه يخفق بشدة ، دقاته أصبحت أسرع من خيل السباق ! مرق كالسهم من بين الأجساد ؛ لمح " عم برقوق " يجلس داخل سيارة الإسعاف ممسكا بيد شخص ممدد على الترول أحس أن قلبه توقف  ، كاد يغمى عليه ؛ لكنه تمالك نفسه وقفز داخل السيارة قبل أن يغلقوا بابها ! نظر في وجه الشخص الراقد ، لم يتمالك نفسه واندفع في البكاء ، بمجرد أن رأى وجه أبيه ،  بادره عم برقوق قائلا :

-       ما تخافش يا أستاذ " شعبان " .. .. هو تعبان شوية .. .. كرشة نفس .. .. ما تقلقش !

أمسك يد أبيه الذي كان غائبا عن الوعي ، وجد نبضه ضعيفا جدا لدرجة أنه لا يكاد يشعر به ! نظر إلى صدره فلما رآه يعلو ويهبط  اطمأن قليلا ، وأخذ يربت على كتفه ، وينظر إليه بحنان وعطف ، لا يدري لما بدا له أبوه في هذه اللحظة وكأنه مومياء فرعونية ، فوجئ به جلدا على عظم ! وعظام وجهه بارزة لدرجة كبيرة ! ياه .. .. إنه لم يره على هذه الصورة من قبل ؛ كاد يصرخ حزنا .. .. تذكر مقولة أحدهم :

-       لقد جئنا إلى هذه الدنيا فقط لنبني لهم أهراما .. .. ثم نخرج منها عظاما !

تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط      


الجمعة، 3 يوليو 2020

أنا وزوجتي والشيطان

أنا وزوجتي والشيطان

       لم أنم ، والعجيب أن كلب الجيران لم ينم هو الآخر ! ظل طول الليل ينبح ؛ لكنه لم يكن ينبح نباحا عاديا ؛ بل كان يعوي كما تعوي الذئاب ! ربما رأى ملك الموت ، وهو يدخل شقتي .

       حتى الآن لا أصدق ما حدث ؛ ليتني لم أسمع كلامها ، ليتني لم أطاوعها ! لقد قضيت الليل كله أبكي حتى نفدت دموعي ، وأصرخ من أعماقي حتى بح صوتي المكتوم في ضلوعي ، وأنا أحاول أن أسعفها ؛ أن أعيدها إلى الحياة ؛ لكن كان الأمر قد وقع ! ربما لو كنت اتصلت بالإسعاف ؛ لكتبت لها النجاة ، كانت تحتاج إلى من يسعفها ؛ ولكنني كنت خائفا ، هي نفسها قبل أن تفقد الوعي رفضت اللجوء للإسعاف أو الذهاب إلى المستشفى !

       مع ذلك أنا متأكد أنها ماتت ، صحيح أنني غير مثقف كما كانت تقول ، ولم أحصل على شهادة عليا كما كانت تقول ! لكنني تمرست في مدرسة الحياة ، ومررت بأشياء وتجارب لا يعلم عنها أهل المدارس شيئا ، رأيت من قبل رجلا يموت في سيارته بعدما نزل ليشتري علبة سجائر ! وبمجرد أن عاد إلى السيارة ، وفتح العلبة، ووضع السيجارة في فمه ، وأشعلها تجمد في مكانه ! كان قد أوصد الباب ؛ فظللنا وقتا نحاول فتحه لنخرج جثته ، كانت عيناه مفتوحتان كأنه رأى ما لم نره !

      مرة أخرى ؛ وفي الورشة التي أعمل فيها ، المعلم ، وهو جالس على كرسيه المصنوع من جريد النخيل ، وقعت النرجيلة من يده فجأة ، وعندما ذهب زميلي ليساعده وجده جامدا في مكانه لا يتحرك ، وعيناه مفتوحتان لا ترمشان ! فعلنا الكثير لدرجة أننا صفعناه أكثر من مرة على وجهه ، ومع ذلك لم يعد ، لو كان حيا لعلقنا جميعا من أرجلنا كالذبائح !

        لقد ماتت زوجتي الحبيبة ، أنا متأكد من أنها ماتت ؛ والذي يشهد على كلامي عواء كلب الجيران ، إنه لم يعو بهذه الطريقة قط منذ أقمنا في هذه الشقة المنحوسة !

       ماذا سأقول .. .. إن أحدا لن يصدقني .. .. سيظن الجميع أنني قتلتها ! يا إلهي ! زوجتي الحبيبة .. .. سيقولون أنني قتلتها ، إنها فرصتهم التي انتظروها طويلا ؛ جاءتهم على طبق من ذهب !

       طول الليل وأنا أدور حول نفسي حتى تعبت ، ومن شدة التعب نمت بجانب جثتها ! لقد تزوجتها عن حب ، مع أنني كنت أعرف أن زيجتنا غير متكافئة ؛ فأنا مجرد عامل حرفي بسيط ، أكاد أعرف القراءة والكتابة ، بينما هي خريجة جامعة ، لديها شهادة عليا ، و جميلة  ، وموظفة تنفق على البيت أقصد تساعدني .. .. لا .. .. لا  .. .. الحقيقة منذ انتشار كورونا وغلق الورشة ؛ أصبحت هي التي تنفق على البيت ، أو علي َّ كما يقولون .. .. اللعنة عليهم جميعا ؛ إنهم يحسدونني عليها ، إنهم شياطين يسعون إلى خراب البيوت !

       رغم كل ذلك ، ورغم كل المشاكل التي كانت تندلع بيننا ، فقد كانت تحبني ، وكنت أهيم بها حبا ، على الرغم من دخول طرف ثالث بيننا بسببه كدت أطلقها أكثر من مرة ، كانت شغوفة به أكثر من شغفها بي ؛ تجلس معه أكثر من جلوسها معي ، ترافقه في كل مكان ، تستشيره في كل صغيرة وكبيرة  ، وعندما أعترض ، تتحجج بقلة تعليمي ! بدأت أتقبل وجوده بيننا رغم شعوري بأن قرنين كبيرين ينبتان في جانبي رأسي ، وكنت كلما نظرت في المرآة أنظر خلسة خشية أن أراهما ، وبدأت أعتاد الأمر بعدما اتضح لي أن الجميع مغرمين به أيضا إنه المأسوف على شبابه المدعو جوجل !

       في تلك الليلة المشؤومة ، فوجئت بها تتلوى وتصرخ ، إنها مريضة ؛ فاقترحت عليها أن أصحبها إلى المستشفى ، وهممت بطلب الإسعاف ؛ لكنها رفضت وبشدة ، وشرحت لي أن المستشفيات كلها موبوءة بالمدعو كورونا ، ووجدتها تكتب ما تحس به ، وترسله إلى جوجل وما أسرع ما جاء رده ! فبعد أن قرأ الأعراض التي أرسلتها ما كان من حضرة الطبيب جوجل إلا أن كتب لها قائمة متكاملة بالأدوية  اللازمة ومن ضمنها حقنة ، و لأن كلام السيد جوجل أوامر فقد أرسلتني لأحضر لها الدواء من الصيدلية القريبة ، ثم طلبت مني أن أحقنها بتلك الحقنة ، وطبعا رفضت ؛ ولكن بعد جدال هائل ، وبعد اتهامي بأنني أريدها أن تموت ، حقنتها و يا ليتني لم أفعل ! فما هي إلا دقائق ورأيتها تتشنج أمام عيني ثم رأيت حدقتا عينيها تدوران ، قبل أن تجمدا ، وتتوقفا إلى الأبد ، حاولت إفاقتها بكل الطرق ، لكنها كانت قد فارقت الحياة .. .. اللعنة على جوجل  ، إن مصيبتي كبيرة ، وليست في موت زوجتي التي أحبها فقط ، فالمصيبة الأكبر أنهم سيتهمونني بقتلها .. .. بمن سأستشهد ؟! هل أطلب شهادة كلب الجيران الذي ظل يعوي طيلة الليل خوفا من ملك الموت ، أم أطلب شهادة جوجل الذي كان يسعى لتفريقنا دائما حتى نجح ، وحرمني منها ؟ !

       انتهى الليل ، ليبدأ ليل حياتي الأبدي ؛ لقد مر أكثر من سنة ؛ سنة سوداء محت كل عمري الذي عشته من قبل ، حتى أنني لم أعد أذكر لحظة سعادة واحدة عشتها ، وأنا أنزف الساعات المتبقية لي خلف القضبان ! إنهم يقولون أن القرائن كلها ضدي ؛ كل الأدلة والبراهين تقول أنني قتلت زوجتي الحبيبة ! ولذلك حكموا بالإعدام لتوفر العمد مع سبق الإصرار ، كلمات منمقة لا أدرك لها معنى ! لكن الذي يشغلني الآن هو متى سينفذون الحكم ! ربما ينفذونه الليلة ؛ فها هو صوت عواء كلب الجيران يتردد في أذني من جديد !

تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط

 3  /  7  /  2020  م

        


شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...