أحلام تحت الركام
مثل الجميع كانت لي أحلام كثيرة ، كنت أحلم أن أتزوج ، ويكون لي بيت سعيد وأولاد وبنات ، ولكن كما يقولون ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ؛ فكل هذه التطلعات المباحة والمتاحة للجميع ؛ كانت بالنسبة لي أحلاما تحت الركام , وكنت أعرف أنها ستظل تحت الركام إلى الأبد
لقد رضيت بنصيبي ، ولكن من حولي غير راضين ؛ حتى أمي التي سمعت بأذنيها الطبيب الذي كشف علي منذ سبع سنين ؛ وهو يؤكد أنني مصابة بعيب خلقي في الرحم وأن الإنجاب في المستقبل مستحيل ! كل ما قالته هي وأبي وقتها أن هذه المسألة بيد الله سبحانه وتعالي ، وليست بيد مخلوق ! أبي وأمي يؤمنان بالمعجزات ؛ أما أنا فمن يومها أصبح وجودي على قيد الحياة معجزة !
ما فائدة أن أتزوج وأفرح شهرا أو سنة ثم بعد ذلك أحصل على تعاسة وحسرة وألم لايفارقني طول العمر لا توجد في هذا العالم كلمة أكرهها أكثر من كلمة (عاقر ) و لقب يسبب لي الرعب أكثر من كلمة ( مطلقة ) ؛ اللعنة على الرجال ؛ لن أضع نفسي تحت رحمة أحدهم ؛ هذا قراري ولكن ماذا أفعل وجيراني وأقاربي وأهلي لم يعد لهم شغل إلا موضوع رفضي للعرسان ، وما أكثرهم هذه الأيام
كانوا يظنونني مغرورة وما أكثر ما سمعت ورأيت من غمز و لمز !
كان من السهل علي أن أصبر و أتحمل ؛ ولكن ليت الأمر توقف عند هذا الحد ؛ لقد بدأ أصحاب النفوس المريضة في ترويج الشائعات ؛ إنها تجارة رائجة أكثر من تجارة المخدرات ؛ الويل لهم لقد مرضت أمي بسببهم ؛ كادوا يقتلونها بألسنتهم ! إن السموم التي ينشرونها تكفي لقتل فيل يزن ثلاثة أطنان ، ولكن أمي معروفة بصبرها وقوة إيمانها .
من أجلها فقط قررت أن أخوض التجربة المريرة ؛ سأضحي من أجل أمي ؛ لكنني في نفس الوقت سأتخذ احتياطاتي ؛ لن أدخل القفص إلا ومعي مفتاحه !
علي أن أختار الشريك المناسب ؛ ربما لو أحسنت الاختيار أجنب نفسي وأهلي الوقوع فى كارثة ؛ ظل شبحها يهددني لسنوات !
يا إلهي كل الذين يتقدمون لي لا يعيبهم شيء ! سبحان الله ! لو كان الحال غير الحال ما خلا أحدهم من العيوب ؛ إنها الدنيا العجيبة التي لا تعطي أحدا ما يريد !
كان علي أن أتحرك ؛ فمواكب الخطاب لا تتوقف ؛ يا للعجب كيف تشتكي صديقاتي وجاراتي قلة الخطاب ربما يخشين الحسد !!
وحتى لا يدهمني الوقت اخترت وقررت ، وكان اختياري صدمة للجميع ، حتى أمي ولكنني كنت متأكدة أن هذه الصدمة ستزول بمرور الأيام .
كان معاقا يتحرك دائما بدراجة بخارية ذات ثلاث عجلات ، أقل مني تعليما ، يكبرني بسنوات ؛ ربما فاته قطار الزواج فلم يكن قط ضمن قائمة اختيارات أي فتاة ! صاحبت أخته ، ولمّحت لها بأنني سأوافق عليه إذا تقدم لخطبتي .
لا أدري حتى الآن كيف أقنعت أمي وإخوتي ! أوهمتهم أنني أحبه ؛ ألا يقولون أن الحب أعمى ؛ كادوا يصابون بالحول من شدة الذهول كدت أقتل أمي وأنا لا أدري
لم يعد لأهل حارتنا حديث إلا هذه الزيجة لا أحد يصدق أنني بعد رفضي لكل هؤلاء الخطاب - وكل واحد فيهم بحق أمير أحلام أي فتاة - أتزوج بشخص لا يوجد بيني وبينه أي تكافؤ !، كنت بيني وبين نفسي أشعر أنني ظلمته ، فرغم أنه كان يتظاهر بالسعادة ، إلا أنه كان يعرف أنني لم أحبه ، ولكنه كان يحاول - مثلي - التكيف مع هذه الحياة الجديدة ، تعود - مثلي - أن يتظاهر ويمثل أنه سعيد !
لم ألتفت لما يقولون وبدأت أتكيف مع حياتي الجديدة ، ومرت سنة وحدث ما لم يكن في الحسبان ! اللعنة على هذا الطبيب الذي شخص حالتي منذ سنوات لقد أكد أنني معيبة وأن هذا العيب الخلقي سيجعلني عاقرا ، لكن ها هو طبيب آخر يؤكد لنا من خلال التحاليل وجود حمل !!
الشهور تمر ، وبطني تتكور ، وتزداد ، و الجنين يكتمل ! إنني أشعر بقدميه تركلاني ؛ يريد أن يرى الحياة ، الحياة التي أشعر أنني على وشك الخروج منها !
تأليف متولي محمد متولي بصل
دمياط
19 / 7 2020 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق