الأحد، 12 يوليو 2020

صديقي الثري !

صديقي الثري !

     كل مرة كنت أقسم ألا أعود إليه مرة أخرى مهما حدث ، وكنت أعرف أنني سأحنث في قسمي ! وما أكثر ما عاتبتني زوجتي لدرجة أنها كانت تصرخ في وجهي من شدة الغيظ :

-        أين كرامتك .. .. أين كبرياؤك ؟!

وكان ردي جاهزا دائما ، مثل وجبة ( تيك أوي) ، وكان يجري على لساني رغم ضجري منه ؛ فليس أمامي تبرير آخر :

-       لا كرامة لمن يسمع أبناءه وهم يضجّون من الجوع ..  .. لا كبرياء للفقراء أمثالي !

     صحيح أنني أعمل منذ سنوات في ورشة كبيرة لتصنيع الأثاث ؛ لكن الأجر الذي أناله لم يعد يكفي احتياجات أسرتي منذ أن ولّى العهد الذهبي للنجارة ! وبدأت الكثير من الورش تغلق أبوابها ، وهرب أربابها فرارا من الغارات الشعواء للفقر والجوع الأسود ؛ ولجأوا إلى مهن أخرى ؛ فاشتغل الكثير منهم في المقاهي والمطاعم التي انتشرت ، وحلت محل الورش ، بينما آثر البعض أن يسافر ويبتعد عن طوفان الكساد الذي ظهرت نذره في الأفق!

     تغيرت الدنيا ، وما كان يكفينا بالأمس أسبوعا كاملا ، أصبح الآن لا يكفي إلا يوما واحدا ! حاولت بشهادتي أن أفوز بوظيفة  ؛ تحفظ لي ماء وجهي في هذه الأيام الكاسرة ، وتوفر لي راتبا مضمونا ،وترحمني من غدر الأيام ؛ لكن من كان بلا ظهر مثلي ، فليس له إلا مصمصة الشفاه كما يقولون !

     كنت أعود من شغلي خائر القوى ، كثور الساقية الذي لا يكف عن الدوران ، فأجلس بين زوجتي وأولادي عشاء ًلنتناول الغداء ! وكأننا نجمع بينهما جمع تأخير! وعندما كانت الورشة تغلق أبوابها لأي سبب ؛ كنت لا أنجح إلا في توفير وجبة واحدة فقط ، و بصعوبة بالغة !

     حتى ظهر هذا الشخص في حياتي مثل شجرة يابسة انكسرت من شدة الريح ، وسقطت في منتصف الطريق ! قابلته في حفل توزيع جوائز القصة ، فقد كانت هوايتي الوحيدة هي الكتابة ، وكنت قد اشتركت في مسابقة متواضعة للقصة ، ورغم معرفتي مسبقا بأن مبلغ الجائزة تقريبا مساوٍ لما سأنفقه في كتابتها على الكمبيوتر ، وتحميلها على اسطوانة ، وطباعتها وتصوير النسخ المطلوبة منها ٍ ؛ إلا أنني كنت مصرا على الاشتراك ؛ فقد كنت في أمس ِّ الحاجة إلى بعض الدعم المعنوي الذي أفتقده بشدة وأنا وسط طوفان الحياة المادية الجارف !

     وبالفعل منحتني الجائزة - رغم ضآلتها – بعض الثقة المفتقدة ، وأكثر من ذلك فرحة زوجتي وأولادي في هذه الليلة السعيدة ؛ حتى أنني شعرت بهرمون السعادة يتدفق في شراييني بكميات كبيرة !

     و قبل انتهاء الحفل بقليل ، خرجنا من قاعة الفندق الذي لم أدخله في حياتي إلا هذه المرة اليتيمة ! ثم انطلقنا للاستمتاع بفسحة مميزة  في رأس البر؛ التي حُرمنا من الذهاب إليها منذ سنوات بسبب الظروف المادية الخانقة ! وقبل أن نبتعد فوجئت به يتوقف بسيارته الفارهة ، ويعرض علي َّ توصيلنا حتى باب البيت ! لم أعرفه رغم أنه كان علما من أعلام البلد كما عرفت فيما بعد ! أخبرني أنه كان في الحفل ، وأنه معجب جدا بقصتي وبأسلوبي في السرد ، وأنه يرغب في مناقشتي بخصوص القصة ، وأعطاني كارت التعريف الخاص به ، وأخبرني أنه سيكون في غاية السعادة إذا شرفته في معرضه  ! وظل يمدحني ، ويثني علي  طريقتي في الكتابة وأنا وسط زوجتي وأولادي مثل البالون الذي يوشك أن ينفجر من شدة النفخ فيه !

     شكرته ، وذهبت بأسرتي الصغيرة للتنزه في ( الجربي ) متجهين نحو ( اللسان ) بمحاذاة النيل ، كانت ليلة من أجمل ليلات حياتي ، كدت أطير فيها من السعادة ، وأنا أرى الفرحة تطل من عيون زوجتي وأولادي .

     في اليوم التالي ، وبعد أن أنهيت عملي في الورشة ذهبت إليه في العنوان الذي ذكره لي ، والمكتوب على الكارت ، وعلى الرغم من ملابسي التي تبوح بأنها قديمة جدا ، والنشارة التي تعفرها وتعفر شعر رأسي ووجهي ؛ فقد رحب بي ترحيبا كبيرا وكأنني عريس جاء يطلب يد ابنته ! مع أنني عرفت بمرور الأيام أنه ليس له إلا ولد وحيد في طور الشباب ، و أن ولده هذا بمجرد أن أتم تعليمه سافر إلى لبنان !

     دارت الأيام ، وصديقي الجديد الثري يُظهر لي الود الشديد ، ويدعوني باستمرار إلى مجلسه الفخم الذي كان لا يجالسه فيه إلا علية القوم، وكان يقدم لي كل ما لذ وطاب من الطعام والشراب ، والعجيب أنني لم أره يوما يتناول قطعة واحدة من الحلويات ! عرفت بعد ذلك أن كبده تالف ؛ وأنه سيجري عملية زراعة كبد ، وأن المسألة مسألة وقت حتى يجدوا متبرعا أو كبدا مناسبا له ! فوجئت به كل يوم ؛ يأمر أحد عماله بتجهيز علبة كبيرة مليئة بالفطير والبريك وبعض الحلويات ؛ وينفحني بها بعد انتهاء الأمسية ؛ وكنت أدخل على زوجتي وأولادي المحرومين ، فيكادون يحملونني من على الأرض حملا !

     مرت الأيام ونحن على هذه الحال ، وأحيانا عندما كانت الورشة تغلق أبوابها ؛ كنت أقترض منه ، وكان لا يتأخر في إقراضي ، رغم أنني كنت أسمع أصدقاءه  ، وعماله يصفونه بالبخل الشديد !

     أصبحت الأمسية ثابتة في برنامجي اليومي ؛ لا يمنعني عنها تعب ولا مرض ! وذات مساء تشجعت وطلبت منه أن أعمل عنده في المصنع مجرد عامل ، أو في أحد محلات البيع بائعا أو ( كاشير ) ، كنت واثقا من أنه لن يرفض طلبي ؛ لكنه رفض وبشدة ، وتعلل بأننا أصدقاء ، وأنه يعتبرني أخاه الذي لم تلده أمه ، وأنه يتحرَّج من أن أعمل عنده ، فالعمل عنده - على حد قوله - أشغال شاقة !

     كانت صدمة كبيرة لي ؛ فلم أتوقع بعد كل هذا الترحيب أن يرفض اشتغالي عنده ، لا سيما أن الورشة أصبح العمل فيها نصف يومية فقط ، وكثيرا ما كانت تغلق أبوابها

     رغم ذلك ، ظللت أذهب إلى أمسياته التي كان يفتتحها دائما بقوله المعتاد :

-        ما الجديد ..  .. ( يا أبو زيد ) ؟

كان يحاول التحدث بالفصحى مع أنه - كما عرفت من مخالطتي له – لم يكن يجيد القراءة والكتابة  ، والشهادة الوحيدة التي حصل عليها – كما أخبرني هو بنفسه –  هي شهادة محو الأمية التي اضطر لشرائها بالمال ليتمكن من استخراج رخصة قيادة !

     كنت أروي له قصصي التي ألفتها ، وكان اهتمامه الكبير الذي يبديه يشجعني على أن أسرد حتى أدق التفاصيل ، وفي كل مرة كان يدور بيننا نقاش جيد حول ما أسرده له من قصصي ، والعجيب أنني أحيانا كنت أذهب إليه خاوي الوفاض ، ولكن بمجرد أن يبادرني بسؤاله العجيب :

-        ما الجديد ..  ..  يا  ( أبوزيد ) ؟

أجد سماء الإلهام قد فتحت أبوابها ، وأفاجأ بلساني يسرد وقائع قصة جديدة وليدة اللحظة !

     وكنت أحكي لزوجتي كل صغيرة وكبيرة ، ومن العجيب أنها كانت تحذرني منه ، بل وتطلب مني الابتعاد عنه ، لدرجة أنها كانت تقول لي :

-        يا ( أبو زيد )  ! التجار فجار ، وهذا الرجل لم يرحب بك ،ولم يصاحبك رغم فقرك إلا لأنه يطمع من وراء كل هذا في شيء لا تعرفه !

ضحكت من كلامها كثيرا ، وقلت لها :

-        الرجل الغني ..  .. يطمع في العبد الفقير ..  .. فيما سيطمع ؟ هو فقط معجب بطريقتي في الكتابة .. .. إنها هواية .. .. مجرد هواية ، مثل ملايين الناس الذين يحبون مشاهدة كرة القدم أو المصارعة !

فوجئت بها ، تداهمني بكلمة وقعت على رأسي مثل صخرة صلدة ، وتقول لي :

-        ربما يريد سرقة قصصك !

-       ها ها ..  .. يسرق قصصي .. إن معرفته بالقراءة والكتابة ضعيفة جدا .. .. لا .. لا .. ثم إنه صاحب أكبر مصنع للحلويات ، ولديه الكثير من الأموال .. .. فلماذا يسرق قصصي ؟!!

جرى الكلام على لساني ، دون تدخل مني ، لا أدري كيف حدث ذلك ، فقد كنت أحاول إقناعها ، بينما كانت قناعتي أنا تتحول إلى قطعة جبن مليئة بالثقوب !

    رغم انتهاء الحوار إلا أن كلمة ( سرقة ) ظلت تتردد ، وظل صداها يعلو في رأسي ، حتى كادت رأسي تنفجر ، فلم أنم ليلتي تلك ، وخرجت أبحث عن ( سايبر ) وأنا أعرف أن مثل هذه المحلات لا تغلق أبوابها إلا فجرا ! طلبت من صاحب ( السايبر ) أن يبحث لي عن صفحة صديقي الثري على ( الفيس بوك ) وأخبرته اسم الصفحة ، فرغم أن صديقي لم يكن يطلعني على هاتفه المحمول الذي لم يكن يفارق أصابعه لحظة ، إلا أنني لمحت اسم صفحته ذات مرة !

     غامت عيني َّ ، وأحسست بطعم الدم في فمي وأنفي ، وأنا أشاهد قصصي بحذافيرها مكتوبة ،  وموثقة باسمه هو ! ربما لو كانت صدمتني مقطورة كبيرة ، ما كنت شعرت بكل هذه الآلام المبرحة التي انتشرت في رأسي ، وبدأت تصل إلى قلبي !

     مرَّت هذه الليلة على َّ وأنا شبه ميت ! ولم أخبر زوجتي بشيء ، خشيت أن تصاب بالجلطة التي كنت أشعر بأنها على وشك أن تصيبني !

     وطلع النهار وليس في جيبي من المال حتى رائحته إن كانت له رائحة ؛ فخرجت أدور في الشوارع مثل المتسولين ؛ فالورشة مغلقة ! والأولاد يتضورون جوعا ؛ وقبل موعد الأمسية اليومية وجدتني أجلس في مكاني المعتاد ! رأيتني أجلس أمامه كالأبله ! والعجيب أنه لم يسألني سؤاله المعتاد ، بل بادرني بقوله :

-        لدي قصة .. .. أريدك أن تكتبها بأسلوبك الجميل .. .. إنها قصة واقعية ..  ..

وبدأ يحكي حكايته .. .. كنت متعبا جدا بسبب سهري طول الليل ، ورغم ذلك أخذت أنصت لما يقول ، فوجئت به يخبرني بحكاية ابنه الوحيد الذي تركه وسافر إلى لبنان ، أخبرني أنه كان ينتظر أن ينهي ابنه تعليمه حتى يساعده في إدارة أعماله في المصنع والمحلات ؛ ولكن ابنه كان له رأي آخر ، كان يريد أن يبدأ من الصفر فطلب من والده مبلغا من المال ليبدأ مشروعه ، وبالطبع رفض ، فما كان من الولد إلا أن سافر ، وترك له البلد !

     قال أنه كان يراسله ، ثم بعد فترة انقطعت أخباره ! لقد فعل الكثير ليصل إليه ؛ أبلغ السلطات المسئولة في مصر ، وفي لبنان بل ودفع لشركة أمن خاصة للبحث عنه ، وحتى الآن لم يعثر له على أثر !

     إنه فقط يريد رؤيته قبل أن يذهب لعمل عملية زراعة الكبد ، فقد أخبره طبيبه أنهم أخيرا عثروا على كبد مناسب له ، والعجيب أن العملية ستتكلف مائة ألف ، إنه نفس المبلغ الذي طلبه منه ابنه من قبل ليبدأ مشروعه الخاص !

     أخبرني أيضا أن طبيبه يقول له أنه محظوظ جدا ؛ لأن تحاليل الكبد الذي سيزرع له تؤكد أنه يناسبه جدا بصورة لا تحدث إلا عندما يكون المتبرع قريبا له من الدرجة الأولى !

     رأيت دموعه لأول مرة وهو يقول لي أنه تعيس جدا ، لأنه سيكون بين الحياة والموت ، بينما هو لا يعرف عن ابنه الوحيد أي شيء !

     سهرت أياما في كتابة القصة ، ومرت أسابيع ولم أستطع إنهاءها فرغم التفاصيل الدقيقة التي كان صديقي اللص قد أخبرني بها إلا أنني لم أستطع أن أكتب نهاية ترضيه ؛ فقد كنت حريصا على أن أكتب نهاية تعجبه ؛ لكن قلمي كان دائما يأبى ذلك ! ليس انتقاما منه ، ولكن لأن السياق كان دائما يجرفني كالشلال نحو نهاية مفجعة ، نهاية مفزعة لا أستطيع تغييرها !

     فكلام الطبيب عن الكبد الذي تظهر التحاليل أنه مناسب له تماما ، وكأنه جاء من متبرع قريب له من الدرجة الأولي ، مع اختفاء ابنه الوحيد بهذه الطريقة الغامضة في جبال لبنان ؛ لم يتركا لي خيارا آخر !

    كان قد أقرضني مبلغا كبيرا من المال ، قبل ذهابه لإجراء العملية ؛ على أمل أن أكتب له هذه القصة ، ولكنني وبعد شهور عديدة لا أستطيع أن أخبره بها !

     سددت له ما علي َّ من دين ، ولم أعاتبه في سرقته قصصي ، بل لم أفاتحه أصلا في هذا الأمر ! ولم أذكر له شيئا مما يراودني من أفكار بالنسبة لابنه ، فقط بدأت أنسحب شيئا فشيئا ، أما بالنسبة لقصته التي كتبتها ؛ فها هي ترى النور لأول مرة بعد أن ظلت حبيسة أكثر من عشر سنوات ، لقد قررت أخيرا أن أشارك بها في إحدى المسابقات ، بعدما علمت برجوع الابن الضائع من لبنان !

تأليف م متولي محمد متولي بصل

دمياط

12  /  7  /  2020  م

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...