صديقي الثري !
كل مرة كنت أقسم ألا أعود إليه
مرة أخرى مهما حدث ، وكنت أعرف أنني سأحنث في قسمي ! وما أكثر ما عاتبتني زوجتي
لدرجة أنها كانت تصرخ في وجهي من شدة الغيظ :
-
أين كرامتك ..
.. أين كبرياؤك ؟!
وكان ردي جاهزا دائما ، مثل وجبة ( تيك أوي) ، وكان يجري على لساني رغم
ضجري منه ؛ فليس أمامي تبرير آخر :
-
لا كرامة لمن يسمع أبناءه وهم يضجّون من الجوع .. .. لا كبرياء للفقراء أمثالي !
صحيح أنني أعمل منذ سنوات في ورشة كبيرة
لتصنيع الأثاث ؛ لكن الأجر الذي أناله لم يعد يكفي احتياجات أسرتي منذ أن ولّى
العهد الذهبي للنجارة ! وبدأت الكثير من الورش تغلق أبوابها ، وهرب أربابها فرارا
من الغارات الشعواء للفقر والجوع الأسود ؛ ولجأوا إلى مهن أخرى ؛ فاشتغل الكثير
منهم في المقاهي والمطاعم التي انتشرت ، وحلت محل الورش ، بينما آثر البعض أن
يسافر ويبتعد عن طوفان الكساد الذي ظهرت نذره في الأفق!
تغيرت الدنيا ، وما كان يكفينا
بالأمس أسبوعا كاملا ، أصبح الآن لا يكفي إلا يوما واحدا ! حاولت بشهادتي أن أفوز
بوظيفة ؛ تحفظ لي ماء وجهي في هذه الأيام
الكاسرة ، وتوفر لي راتبا مضمونا ،وترحمني من غدر الأيام ؛ لكن من كان بلا ظهر
مثلي ، فليس له إلا مصمصة الشفاه كما يقولون !
كنت أعود من شغلي خائر القوى ،
كثور الساقية الذي لا يكف عن الدوران ، فأجلس بين زوجتي وأولادي عشاء ًلنتناول
الغداء ! وكأننا نجمع بينهما جمع تأخير! وعندما كانت الورشة تغلق أبوابها لأي سبب ؛
كنت لا أنجح إلا في توفير وجبة واحدة فقط ، و بصعوبة بالغة !
حتى ظهر هذا الشخص في حياتي
مثل شجرة يابسة انكسرت من شدة الريح ، وسقطت في منتصف الطريق ! قابلته في حفل
توزيع جوائز القصة ، فقد كانت هوايتي الوحيدة هي الكتابة ، وكنت قد اشتركت في
مسابقة متواضعة للقصة ، ورغم معرفتي مسبقا بأن مبلغ الجائزة تقريبا مساوٍ لما سأنفقه
في كتابتها على الكمبيوتر ، وتحميلها على اسطوانة ، وطباعتها وتصوير النسخ
المطلوبة منها ٍ ؛ إلا أنني كنت مصرا على الاشتراك ؛ فقد كنت في أمس ِّ الحاجة إلى
بعض الدعم المعنوي الذي أفتقده بشدة وأنا وسط طوفان الحياة المادية الجارف !
وبالفعل منحتني الجائزة - رغم
ضآلتها – بعض الثقة المفتقدة ، وأكثر من ذلك فرحة زوجتي وأولادي في هذه الليلة
السعيدة ؛ حتى أنني شعرت بهرمون السعادة يتدفق في شراييني بكميات كبيرة !
و قبل انتهاء الحفل بقليل ،
خرجنا من قاعة الفندق الذي لم أدخله في حياتي إلا هذه المرة اليتيمة ! ثم انطلقنا
للاستمتاع بفسحة مميزة في رأس البر؛ التي
حُرمنا من الذهاب إليها منذ سنوات بسبب الظروف المادية الخانقة ! وقبل أن نبتعد
فوجئت به يتوقف بسيارته الفارهة ، ويعرض علي َّ توصيلنا حتى باب البيت ! لم أعرفه
رغم أنه كان علما من أعلام البلد كما عرفت فيما بعد ! أخبرني أنه كان في الحفل ،
وأنه معجب جدا بقصتي وبأسلوبي في السرد ، وأنه يرغب في مناقشتي بخصوص القصة ، وأعطاني
كارت التعريف الخاص به ، وأخبرني أنه سيكون في غاية السعادة إذا شرفته في
معرضه ! وظل يمدحني ، ويثني علي طريقتي في الكتابة وأنا وسط زوجتي وأولادي مثل
البالون الذي يوشك أن ينفجر من شدة النفخ فيه !
شكرته ، وذهبت بأسرتي الصغيرة
للتنزه في ( الجربي ) متجهين نحو ( اللسان ) بمحاذاة النيل ، كانت ليلة من أجمل
ليلات حياتي ، كدت أطير فيها من السعادة ، وأنا أرى الفرحة تطل من عيون زوجتي
وأولادي .
في اليوم التالي ، وبعد أن
أنهيت عملي في الورشة ذهبت إليه في العنوان الذي ذكره لي ، والمكتوب على الكارت ،
وعلى الرغم من ملابسي التي تبوح بأنها قديمة جدا ، والنشارة التي تعفرها وتعفر شعر
رأسي ووجهي ؛ فقد رحب بي ترحيبا كبيرا وكأنني عريس جاء يطلب يد ابنته ! مع أنني
عرفت بمرور الأيام أنه ليس له إلا ولد وحيد في طور الشباب ، و أن ولده هذا بمجرد
أن أتم تعليمه سافر إلى لبنان !
دارت الأيام ، وصديقي الجديد
الثري يُظهر لي الود الشديد ، ويدعوني باستمرار إلى مجلسه الفخم الذي كان لا
يجالسه فيه إلا علية القوم، وكان يقدم لي كل ما لذ وطاب من الطعام والشراب ،
والعجيب أنني لم أره يوما يتناول قطعة واحدة من الحلويات ! عرفت بعد ذلك أن كبده
تالف ؛ وأنه سيجري عملية زراعة كبد ، وأن المسألة مسألة وقت حتى يجدوا متبرعا أو
كبدا مناسبا له ! فوجئت به كل يوم ؛ يأمر أحد عماله بتجهيز علبة كبيرة مليئة
بالفطير والبريك وبعض الحلويات ؛ وينفحني بها بعد انتهاء الأمسية ؛ وكنت أدخل على
زوجتي وأولادي المحرومين ، فيكادون يحملونني من على الأرض حملا !
مرت الأيام ونحن على هذه الحال
، وأحيانا عندما كانت الورشة تغلق أبوابها ؛ كنت أقترض منه ، وكان لا يتأخر في
إقراضي ، رغم أنني كنت أسمع أصدقاءه ، وعماله
يصفونه بالبخل الشديد !
أصبحت الأمسية ثابتة في
برنامجي اليومي ؛ لا يمنعني عنها تعب ولا مرض ! وذات مساء تشجعت وطلبت منه أن أعمل
عنده في المصنع مجرد عامل ، أو في أحد محلات البيع بائعا أو ( كاشير ) ، كنت واثقا
من أنه لن يرفض طلبي ؛ لكنه رفض وبشدة ، وتعلل بأننا أصدقاء ، وأنه يعتبرني أخاه
الذي لم تلده أمه ، وأنه يتحرَّج من أن أعمل عنده ، فالعمل عنده - على حد قوله - أشغال
شاقة !
كانت صدمة كبيرة لي ؛ فلم
أتوقع بعد كل هذا الترحيب أن يرفض اشتغالي عنده ، لا سيما أن الورشة أصبح العمل
فيها نصف يومية فقط ، وكثيرا ما كانت تغلق أبوابها
رغم ذلك ، ظللت أذهب إلى
أمسياته التي كان يفتتحها دائما بقوله المعتاد :
-
ما الجديد
.. .. ( يا أبو زيد ) ؟
كان يحاول التحدث بالفصحى مع أنه - كما عرفت من مخالطتي له – لم يكن يجيد
القراءة والكتابة ، والشهادة الوحيدة التي
حصل عليها – كما أخبرني هو بنفسه – هي
شهادة محو الأمية التي اضطر لشرائها بالمال ليتمكن من استخراج رخصة قيادة !
كنت أروي له قصصي التي ألفتها
، وكان اهتمامه الكبير الذي يبديه يشجعني على أن أسرد حتى أدق التفاصيل ، وفي كل
مرة كان يدور بيننا نقاش جيد حول ما أسرده له من قصصي ، والعجيب أنني أحيانا كنت
أذهب إليه خاوي الوفاض ، ولكن بمجرد أن يبادرني بسؤاله العجيب :
-
ما الجديد
.. ..
يا ( أبوزيد ) ؟
أجد سماء الإلهام قد فتحت أبوابها ، وأفاجأ بلساني يسرد وقائع قصة جديدة
وليدة اللحظة !
وكنت أحكي لزوجتي كل صغيرة
وكبيرة ، ومن العجيب أنها كانت تحذرني منه ، بل وتطلب مني الابتعاد عنه ، لدرجة
أنها كانت تقول لي :
-
يا ( أبو زيد
) ! التجار فجار ، وهذا الرجل لم يرحب بك ،ولم
يصاحبك رغم فقرك إلا لأنه يطمع من وراء كل هذا في شيء لا تعرفه !
ضحكت من كلامها كثيرا ، وقلت لها :
-
الرجل الغني
.. .. يطمع في العبد الفقير .. .. فيما سيطمع ؟ هو فقط معجب بطريقتي في
الكتابة .. .. إنها هواية .. .. مجرد هواية ، مثل ملايين الناس الذين يحبون مشاهدة
كرة القدم أو المصارعة !
فوجئت بها ، تداهمني بكلمة وقعت على رأسي مثل صخرة صلدة ، وتقول لي :
-
ربما يريد سرقة
قصصك !
-
ها ها .. ..
يسرق قصصي .. إن معرفته بالقراءة والكتابة ضعيفة جدا .. .. لا .. لا .. ثم إنه
صاحب أكبر مصنع للحلويات ، ولديه الكثير من الأموال .. .. فلماذا يسرق قصصي ؟!!
جرى الكلام على لساني ، دون تدخل مني ، لا أدري كيف حدث ذلك ، فقد كنت
أحاول إقناعها ، بينما كانت قناعتي أنا تتحول إلى قطعة جبن مليئة بالثقوب !
رغم انتهاء الحوار إلا أن كلمة (
سرقة ) ظلت تتردد ، وظل صداها يعلو في رأسي ، حتى كادت رأسي تنفجر ، فلم أنم ليلتي
تلك ، وخرجت أبحث عن ( سايبر ) وأنا أعرف أن مثل هذه المحلات لا تغلق أبوابها إلا
فجرا ! طلبت من صاحب ( السايبر ) أن يبحث لي عن صفحة صديقي الثري على ( الفيس بوك
) وأخبرته اسم الصفحة ، فرغم أن صديقي لم يكن يطلعني على هاتفه المحمول الذي لم
يكن يفارق أصابعه لحظة ، إلا أنني لمحت اسم صفحته ذات مرة !
غامت عيني َّ ، وأحسست بطعم
الدم في فمي وأنفي ، وأنا أشاهد قصصي بحذافيرها مكتوبة ، وموثقة باسمه هو ! ربما لو كانت صدمتني مقطورة
كبيرة ، ما كنت شعرت بكل هذه الآلام المبرحة التي انتشرت في رأسي ، وبدأت تصل إلى قلبي
!
مرَّت هذه الليلة على َّ وأنا
شبه ميت ! ولم أخبر زوجتي بشيء ، خشيت أن تصاب بالجلطة التي كنت أشعر بأنها على
وشك أن تصيبني !
وطلع النهار وليس في جيبي من
المال حتى رائحته إن كانت له رائحة ؛ فخرجت أدور في الشوارع مثل المتسولين ؛
فالورشة مغلقة ! والأولاد يتضورون جوعا ؛ وقبل موعد الأمسية اليومية وجدتني أجلس
في مكاني المعتاد ! رأيتني أجلس أمامه كالأبله ! والعجيب أنه لم يسألني سؤاله
المعتاد ، بل بادرني بقوله :
-
لدي قصة .. ..
أريدك أن تكتبها بأسلوبك الجميل .. .. إنها قصة واقعية .. ..
وبدأ يحكي حكايته .. .. كنت متعبا جدا بسبب سهري طول الليل ، ورغم ذلك أخذت
أنصت لما يقول ، فوجئت به يخبرني بحكاية ابنه الوحيد الذي تركه وسافر إلى لبنان ، أخبرني
أنه كان ينتظر أن ينهي ابنه تعليمه حتى يساعده في إدارة أعماله في المصنع والمحلات
؛ ولكن ابنه كان له رأي آخر ، كان يريد أن يبدأ من الصفر فطلب من والده مبلغا من
المال ليبدأ مشروعه ، وبالطبع رفض ، فما كان من الولد إلا أن سافر ، وترك له البلد
!
قال أنه كان يراسله ، ثم بعد
فترة انقطعت أخباره ! لقد فعل الكثير ليصل إليه ؛ أبلغ السلطات المسئولة في مصر ،
وفي لبنان بل ودفع لشركة أمن خاصة للبحث عنه ، وحتى الآن لم يعثر له على أثر !
إنه فقط يريد رؤيته قبل أن
يذهب لعمل عملية زراعة الكبد ، فقد أخبره طبيبه أنهم أخيرا عثروا على كبد مناسب له
، والعجيب أن العملية ستتكلف مائة ألف ، إنه نفس المبلغ الذي طلبه منه ابنه من قبل
ليبدأ مشروعه الخاص !
أخبرني أيضا أن طبيبه يقول له
أنه محظوظ جدا ؛ لأن تحاليل الكبد الذي سيزرع له تؤكد أنه يناسبه جدا بصورة لا
تحدث إلا عندما يكون المتبرع قريبا له من الدرجة الأولى !
رأيت دموعه لأول مرة وهو يقول
لي أنه تعيس جدا ، لأنه سيكون بين الحياة والموت ، بينما هو لا يعرف عن ابنه
الوحيد أي شيء !
سهرت أياما في كتابة القصة ، ومرت أسابيع ولم
أستطع إنهاءها فرغم التفاصيل الدقيقة التي كان صديقي اللص قد أخبرني بها إلا أنني
لم أستطع أن أكتب نهاية ترضيه ؛ فقد كنت حريصا على أن أكتب نهاية تعجبه ؛ لكن قلمي
كان دائما يأبى ذلك ! ليس انتقاما منه ، ولكن لأن السياق كان دائما يجرفني كالشلال
نحو نهاية مفجعة ، نهاية مفزعة لا أستطيع تغييرها !
فكلام الطبيب عن الكبد الذي
تظهر التحاليل أنه مناسب له تماما ، وكأنه جاء من متبرع قريب له من الدرجة الأولي ،
مع اختفاء ابنه الوحيد بهذه الطريقة الغامضة في جبال لبنان ؛ لم يتركا لي خيارا
آخر !
كان قد أقرضني مبلغا كبيرا من
المال ، قبل ذهابه لإجراء العملية ؛ على أمل أن أكتب له هذه القصة ، ولكنني وبعد
شهور عديدة لا أستطيع أن أخبره بها !
سددت له ما علي َّ من دين ،
ولم أعاتبه في سرقته قصصي ، بل لم أفاتحه أصلا في هذا الأمر ! ولم أذكر له شيئا
مما يراودني من أفكار بالنسبة لابنه ، فقط بدأت أنسحب شيئا فشيئا ، أما بالنسبة
لقصته التي كتبتها ؛ فها هي ترى النور لأول مرة بعد أن ظلت حبيسة أكثر من عشر
سنوات ، لقد قررت أخيرا أن أشارك بها في إحدى المسابقات ، بعدما علمت برجوع الابن
الضائع من لبنان !
تأليف م متولي محمد متولي بصل
دمياط
12 / 7
/ 2020 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق