الخميس، 26 نوفمبر 2020

تيتانيك2021 م

 تيتانيك  2021 م
      غمرت المياه السفينة؛ وقبل أن تغوص وتختفي في أعماق البحر، صرخ القبطان متسائلا في ذهول: - لا توجد جبال جليدية في بحورنا العربية، فكيف تصدعت السفينة بهذه الصورة الرهيبة؟!     
       ميز من بين الصراخ والعويل صوت أحد الركاب، وهو يقول بحسرة، وندم:    
  - أردت رؤية أعماق البحر؛ ففتحت ثقبا باتساع حدقة عيني، لم أكن أعلم أن هذا الثقب التافه سيتسبب في إغراق هذه السفينة العظيمة! 
        
تأليف / متولي محمد متولي بصل
دمياط
26 /  11 / 2020  م   

الأحد، 15 نوفمبر 2020

البطة الجديدة 2

البطة الجديدة
        
           لم يشفع لها جمالها، و لا تفوقهاالدراسي، فحرمت من المدرسة، وسيقت للعمل في أحد البيوت!
            حجرتها على السطح ملاصقة لعشش الدجاج والبط، أفزعتها رؤية الدماء كل صباح، فربة البيت لا تتورع عن ذبح دجاجة أو بطة كل يوم من أجل عيون ابنها الوحيد المدلل، الذي لم يتورع هو الآخر عن إراقة دماء البطة الجديدة.
تأليف/ متولي محمد متولي بصل
دمياط
6 / 11 / 2020  م

السبت، 14 نوفمبر 2020

النسر والأرملة السوداء

 

النسر والأرملة السوداء

من المجموعة القصصية " الحب في الوقت الضائع "

       أحاول أن أكتب قصتي، لكن الورق لا يسعفني، كلما اقتربت من إنهاء ورقة بلَّلتها دموعي! وبمجرد أن تمتزج الدموع بالحبر؛ تتحوَّل الحروف والكلمات إلى بقع ٍكبيرة؛ يستحيل على أي شخص أن يقرأها، حتى علي َّ أنا مع أنني أنا الذي كتبها !

       بعد محاولات عديدة، ألقيت الأوراق كلها في سلة المهملات؛ وكسرت القلم؛ وقذفت به فوق الأوراق، مرَّت دقائق وأنا أنظر في ألبوم الصور في محاولة مني لنسيان فشلي في الكتابة، الصور تذكرني بأجمل أيام عمري؛ زفافي أنا وأميرة، حب حياتي، كنت وقتها ملازم أول بنجمتين، واليوم أصبحت أحمل على كتفي نسرا، والجميع ينادونني " سيادة الرائد "

هدأتُ قليلا، فمددت يدي في السلة؛ وأمسكت إحدى الأوراق! انتابتني الدهشة عندما نظرت إليها، وقلت متعجبا :

-       ربما قصتي فعلا مبهمة وغامضة مثل هذه البقع التي لا يمكن قراءتها أو تفسيرها!

أضاءت في رأسي المتعب فكرة أعجبتني؛ على الفور أمسكت هاتفي النقال؛ وشغَّلت برنامج مسجل الصوت، إنني لن أُطِيل، فقط سأذكر بعض الأمور التي تهم زوجتي أميرة وابنتي التي لم تأت ِبعد، الدموع لا تتوقف، يبدو أنه مرض ما، مثل هذا المرض النادر الذي أخبرني الأطباء منذ أيام أنني مصابٌ به ِ!

       من أين أبدأ ؟! الكلام يذوب ويختفي مثل الملح! أطفأت الجهاز؛ وأعدت تشغيله أكثر من مرة! وأخيرا انفكت عقدة لساني، ووجدتني أتكلم وأقول :

-       زوجتي الحبيبة؛ أميرة؛ ابنتي يسرا التي لن أستطيع أن أراها أو أقبِّلها أو أضمها إلى صدري ..

اختنقت الكلمات في حنجرتي؛ وانفجرتُ باكيا؛ نوبة شديدة من البكاء المتواصل جعلتني أتذكَّر تعنيفي وتوبيخي لأحد الجنود عندما انهار باكيا؛ وهو يرى أشلاء رفاقه تتطاير أمام عينيه؛ بسبب انفجار لغم أرضي؛ أتذكَّر جيدا أنني – رغم هول المشهد – قلت له بكل صلف وغرور :

-       امسح دموعك يا عسكري! الجندي المقاتل لا يبكي مهما حدث؛ البكاء فقط للنساء!

لم تمض دقائق حتى انفجر لغم ٌ آخر جعله يلحق بزملائه بأسرع مما يمكن تخيله! وعدت وحدي بعدما فقدت كل من كانوا معي في هذه المهمة! عجبا كيف لم أنتبه لكل هذا ! عمليات كثيرة في منطقة العلمين استُشهد فيها الكثير من الجنود والضباط، وكنت أنا الوحيد الذي يعود في كل مرة سليما! لم أصب بخدش ٍ واحد ٍ في أي عملية من عمليات التنقيب عن الألغام! لا يمكن أن يكون هذا مجرد مصادفة! الأعجب من ذلك أنني منذ بضعة شهور أشعر بآلام ٍ تتزايد في قلبي؛ وفي أعلى الرأس؛ وأشم رائحة الدم داخل أنفي؛ إحساس ٌ فظيع بأنني أنزف من الداخل، شعور ٌ دائم ٌ بأن تحت فروة رأسي شلال هائل ٌ من الدماء! وعندما ذهبت إلى المستشفى العسكري؛ وبعد الأشعة والفحوصات والتحاليل، فوجئت بما لم يكن في الحسبان، أنا الذي يحسدني كل زملائي ويلقبونني دائما بالمحظوظ؛ أبلغني الأطباء بأنني سأموت خلال أيام !

-       يا إلهي! أيام فقط، ليست أسابيعا أو شهورا !

-       للأسف ..

-       وما هذا المرض الذي اختصر عمري كله في بضعة أيام؛ من حقي أن أعرف اسم المرض الذي أصابني!

-       للأسف، إنه مرض نادر، ومعلوماتنا عنه قليلة جدا !

-       أليس له علاج؛ عملية تنقذني من الموت ؟!

-       للأسف، لا .. لا يوجد علاج، ولم نتوصل لعملية يمكن إجراؤها للتخلص من هذا المرض!

-       سيدي! زوجتي حامل وعلى وشك أن تضع، بعد شهر أو اثنين سأصبح أبا، ألا توجد طريقة؟ لا أطمع في أكثر من أن أعيش حتى أرى ابنتي، الطبيبة أخبرتنا أنها أنثى ولذلك قررت أنا وزوجتي أن نسميها يسرا؛ فقد صبرنا أكثر من تسع سنوات حتى تحقق حلمنا!

       غلبني النعاسُ، وقطع حبل أفكاري؛ لكنه لم يوقف دموعي التي ظلت تسيل حتى وأنا نائم! كانت زوجتي عند أمها، ولو علمت بوجودي في الشقة لجاءت على وجه السرعة؛ لكنني لم أستطع إخبارها بوجودي، كما أنني لم أخبرها بأنني سأموت؛ إنها تحبني ولن تتحمَّل الصدمة؛ وقد يصيبها مكروه هي والجنين، لا؛ لن أخبرها! لقد تحمَّلت معي الكثير؛ وضحت من أجلي؛ وصبرت تسع سنين؛ ولم تجرحني يوما؛ رغم أنني كنت أنفعل كثيرا عليها؛ مع ذلك لم تعايرني يوما بأنني السبب في عدم الإنجاب! كم من المشاكل افتعلت أمها طمعا في تطليقنا، فقد كانت تتوق إلى حفيد ٍ أو حفيدة ٍ؛ لكن أميرة  كانت دائما تنصفني وتقف في صفي؛ يا الله! لو كنت أعرف أنني سأموت ما أغضبتها يوما؛ ولكنت أسعدتها بكل طريقة!

       لم يطل نومي! وعندما نظرت في الساعة، عرفت أنها كانت غفوة! أنى لمثلي أن ينام؟! من علم أن الموت يطلبه كيف يهنأ ويرتاح؟! أيام قليلة وأدخل قبرا ضيقا مظلما! ربما من الأفضل لي أن أخرج وأعيش ما تبقَّى لي من أيام؛ وأمتع نفسي؛ وأعوض عليها ما فاتها! لا، لا .. الأفضل أن أستعد للموت، وللقبر! نعم القبر ذلك المكان الضيق الذي نذهب إليه ولا نعود منه! دخلت الدولاب؛ ثم أغلقته وأنا في داخله! كدت أختنق؛ ففتحته بسرعة؛ وخرجت؛ وأنا أسعل سعالا شديدا من الأتربة المتراكمة بداخله! رفعت ملاءة السرير وتدحرجت؛ حتى أصبحت ممددا  تحته؛ ووضعت ذراعي اليمنى فوق اليسرى متعانقتين على صدري تماما مثل المومياء! ثم أغمضت عيني َّ، وكأنني أختبر نفسي لحظة الموت! يبدو أنني أصبت بالجنون! عندما هممت بالخروج من تحت السرير، سمعت باب الشقة يُفتح؛ فتجمَّدت ُ في مكاني، وجففت دموعي بأكمامي؛ وأخذت أهيئ نفسي، فليس من مصلحة زوجتي الغالية أن تراني وأنا على هذه الحالة! وأنا أقلب أفكاري يمينا وشمالا بحثا عن أي موضوع أشغلها به؛ حتى لا تلاحظ حزني وانكساري! صك أذني صوت أمها! قلت لنفسي متسائلا :

-       ما الذي جاء بها .. هل جاءت مع أميرة؛ لتساعدها في حمل الملابس التي تحتاجها ؟!

لكنني لم أسمع إلا صوت حماتي! يبدو أنها جاءت وحدها! من تحت السرير؛ رأيت باب الغرفة ينفتح؛ ورأيتها وهي تدخل ببطء، لكنها لم تتوجه مباشرة نحو الدولاب؛ لإحضار الملابس المطلوبة! بل توجهت مباشرة نحو صورتي المعلقة، والتي التقطت لي وأنا بكامل هيئتي العسكرية بعد ترقيتي الأخيرة لرتبة رائد ٍ! وقفت أمامها تتفرَّس فيها بصورة عجيبة، ولم تهتم أبدا بالنظر إلى صورة زفافي أنا وابنتها! بعد دقائق فوجئت بصوتها وقد تبدَّل بطريقة مخيفة وأصبح أكثر شبها بفحيح الأفاعي! سمعتها تقول بغل ٍّ واضح :

-       فرحان بالنسر يا حضرة الضابط! حقك تفرح؛ وتتجبَّر؛ وتطيح فينا؛ وتضرب ابنتي الوحيدة؛ وتهينها؛ وتكسر قلبها! صحيح هي سامحتك لأنها تحبك؛ لكن أنا مستحيل أن أسامحك؛ خصوصا أنك سبب مرضي؛ بسببك أصبحت مريضة بالسكر؛ لكن عن قريب نكون خالصين؛ السم أكيد بدأ يتمكن منك ؛ استعد للكفن يا باشا! ياه، صحيح نسيت أن الكفن لا فيه نسر؛ و لا فيه بدلة! لكن صدقني يوم ما أسمع خبرك – نذر، ولا بد أوفي النذر – أن أوصي الحانوتي يدفن معك النسر والبدلة .

 

تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط

14  / 11  /  2020  م

الليلة الأخيرة

 

الليلة الأخيرة

من المجموعة القصصية " الحب في الوقت الضائع "

       الليلة الأخيرة له في دمياط، آثر أن يقضيها في الهواء الطلق؛ على كورنيش النيل؛ تعجَّب من الرائحة النتنة التي تفوح من المياه الملوثة بمياه الصرف الصحي! لم تكن الرائحة فقط هي التي تضايقه؛ اللوحات واللافتات المنتشرة للمرشحين لعضوية مجلس الشعب، كانت هي الأخرى تكدِّر صفوه، وتقلِّب عليه المواجع، لا سيما صور ذلك الشخص المكتوب أسفل اسمه ( ابن البلد )! إنه يعرفه؛ ويعرف عنه الكثير؛ فقد عمل عنده في بدايات حياته عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، استجمع قوته وهو يبصق في اتجاه إحدى هذه الصور، وقال بغضب شديد، وكأنه يكلم صاحب الصورة :

-       يحسبونك موسى، وأنت فرعون يا معلم بيومي .. الله يلعنك !

لم يخبر أبويه بأنه سيقضي الليل يتسكع في الشوارع، كانا يعلمان أنه سيسافر إلى القاهرة، متجها إلى حلمية الزيتون لاجتياز اختبارات اللياقة، وكشف الهيئة؛ ليصبح ضابطا احتياطيا في الجيش؛ حاولا بكل الطرق أن يثنياه عن ذلك، وأن يقنعاه بقضاء فترة تجنيده جنديا مثل باقي زملائه؛ حتى لا تطول فترة تجنيده عن سنة واحدة، لكنه كان قد عزم الأمر؛ فحلم حياته منذ نعومة أظفاره أن يصبح ضابطا؛ حاول من قبل الالتحاق بكلية الشرطة لكن ظروفه الاجتماعية حالت دون ذلك، لم ييأس وتقدم للكلية الحربية، لكنه فشل لنفس السبب! فرضي بكلية الحقوق، لكن حلمه الوحيد لم يتوقف عن التحليق في رأسه، وها هو على أعتاب تحقيقه، وليس أمامه سوى اجتياز اختبارات اللياقة ليصبح ضابطا احتياطيا .

       انتصف الليل؛ فجلس في أحد المقاهي يحتسي القهوة، مرَّت من أمامه امرأة ترتدي ملاية لف! سمع أحد الساهرين يقول لرفاقه متعجبا :

-       ياااااه ! ملاية لف، لا .. أكيد هذه المرأة عفريتة أو جنية، الملايات اللف انقرضت من زمان!

تصاعدت ضحكاتهم مع دخان سجائرهم ، أما هو فلم يكمل قهوته، ووضع الحساب تحت الفنجان ، وانطلق خلف المرأة، أسرع الخطى حتى يلحق بها، لكنه عندما اقترب منها أدرك صِدق المثل الذي يقول يخلق من الشبه أربعين !

       في محطة القطار، بعد أن دفع ثمن التذكرة، استلقى فوق أحد المقاعد الطويلة، واتخذ من حقيبته وسادة، كانت أمامه ساعتان حتى يحين موعد قيام القطار الذي سيذهب به إلى القاهرة؛ قرر أن ينال فيهما قسطا من الراحة، ولكن أنَّى له الراحة، المرأة ذات الملاية اللف كسرت القمقم الذي كان يخبئ فيه ماضيه المنصرم، وها هو شريط الأحداث يدور أمام عينيه من جديد، أحداث مؤلمة حاول نسيانها، عادت للظهور أمام عينيه، وطفت على سطح حياته! أخرج صورة صغيرة من محفظته ما كادت عيناه تبصرانها حتى انهمرت منهما الدموع! كان كمن يشاهد فيلما سينمائيا .. ها هو محل البن الذي كان يعمل فيه، والمعلم بيومي يجلس أمام مكتبه، أهل الحارة يعتبرونه كبيرهم وعمدة حارتهم، يقصدونه في كل كبيرة وصغيرة؛ لذلك كان منصور معجبا به، وبقدرته العجيبة في السيطرة على أهل الحارة، وكان يتمنى أن يصبح مثله عندما يكبر؛ ومن شدة إعجابه به كان أحيانا بعد أن ينتهي وقت عمله ، ويحين موعد انصرافه؛ يتسلل إلى السندرة، ويختبئ في الأعلى ليتابعه بإعجاب وانبهار -في كل مساء - وهو يحاور أهل الحارة؛ ويحل مشاكلهم؛ فيصلح بين متخاصمين، ويوفق بين زوجين، وذات مساء صعد كعادته، واختبأ في السندرة، لم يكن في المحل غير المعلم بيومي، كان يراجع حسابات المحل قبل أن يحين موعد سهراته اليومية! فجأة دخلت امرأة بملاية لف، عرفها منصور وهو في مخبأه، إنها سمارة أجمل امرأة في الحارة، لكن جمالها كان قد بدأ في الذبول بعد وفاة زوجها، وترملها، وبدأ الفقر يحفر بأصابعه الحادة في وجهها الكثير من الأخاديد والتجاعيد، إنها تسعى على خمس بنات، ومن المؤكد أنها جاءت لتأخذ الشهرية، فالمعلم بيومي لا يتأخر عن الأرامل واليتامى!

       رحب بها المعلم أيما ترحيب، وقدَّم لها علبة عصير، لكنه غافلها، وهي تمسح دموعها بمنديلها القماشي، ووضع لها شيئا في العصير، لم تره؛ لكن منصور الذي كان يرصد المشهد جيدا؛  لمحه! ما لبثت أن مالت برأسها على المكتب ،ونامت ! فقام الملعون بكل هدوء، وأغلق باب المحل، ثم حملها إلى السندرة، لم يصدق منصور ما رآه وسمعه، لا سيما عندما أفاقت المسكينة ؛ وطفقت كالمجنونة تبكي في ذهول، والملعون يهددها بأنها إذا حكت شيئا مما حدث، فلن يصدقها أحد، فهي التي جاءت برجليها، وحذرها من الفضيحة، التي لن تطولها وحدها بل ستطول بناتها؛ وتلحق بهن العار! لملمت المسكينة ما تبقى من أدميتها وكرامتها المسفوحة تحت قدميه، وخرجت تجر أذيال الحسرة والندامة، بينما كان يدس في ملابسها مبلغا من المال!

       في تلك الليلة، بينما كان منصور يتسلل للخروج من الباب الخلفي للمحل، فوجئ بالمعلم يجلس بين الناس كعادته كل ليلة، وكأنه لم يفعل شيئا ! كانت هذه آخر ليلة يعمل فيها عنده، فقد أصيب بحمى، وتم حجزه في المستشفى أكثر من أسبوعين، وعندما خرج كان حريصا على تتبع أخبار المسكينة سمارة؛ لكنه لم يتكبد عناء السؤال، فسيرتها كانت على كل لسان، ليس بسبب ما حدث لها في تلك الليلة، فهو لم يخبر أحدا بما حدث حتى أبويه! فوجئ بأهل الحارة ولا حديث لهم إلا سفر سمارة إلى الإسكندرية؛ واشتغالها في أحد الملاهي الليلية! وقع عليه الخبر كالصاعقة، كان الجميع يلعنونها، ويتهمونها بأنها وصمَت الحارة؛ وجلبت لأهلها العار، حتى في البيت، سمع أبويه وهما يتحدثان عنها ذات مساء، بعد عودة أبيه من عمله، سمعه وهو يضرب كفا بكف، ويقول في ذهول واضح :

-       معقول يا أم منصور! الشريفة العفيفة التي عاشت بيننا كل هذه السنين، وكان الجميع يرطبون ألسنتهم بوصف عفتها، وحيائها، فجأة تنقلب وتصبح شيطانة تعرض جسمها على الملأ !

-       والله العظيم أنا عقلي تعب من التفكير، معقول كل هذه السنين كانت تمثل علينا ؟!

-       الله يلعن الشيطان الذي غواها، منظر الحارة أصبح زفت وقطران، كل ما أذهب إلى المصنع أسمع كلاما يسمم البدن، زملائي يعايروني، ويسخرون مني، تصدقي إن اسم حارتنا (حارة الأصيل) عندهم أصبح  (حارة سمارة )!

-       قصدك حارة الشؤم! قلت لك من قبل ننقل في شقة جديدة ، آه لو كنت تسمع كلامي! سمارة كانت جارتنا، والباب في الباب، وبناتها طول الوقت عندنا، وابنتنا نسرين كانت تذاكر مع ابنتها أحلام، والمثل يقول من جاور السعيد يسعد، ومن جاور الحداد تكويه ناره، وكلام الناس سكاكين.

-       تقصدي إن .. .. لا، لا يا أم منصور الناس يعرفونا، ويعرفوا إننا .. إننا ..

-       الناس! الناس ينتفوا ريش الخفافيش، وهي الخفافيش لها ريش ؟! جارتنا أم حمادة كانت تكلمني وتتودد لي، وكان نفسها تخطب نسرين لابنها حمادة !

-       صحيح، وقتها قلنا ننتظر لما نسرين تنهي دراستها في الجامعة!

-       تمام! من أسبوع والهانم على غير العادة لا كلام ولا سلام، وسمعت إنها خطبت لابنها.. خطبت له بنت الشيخ أشرف شيخ الجامع!

-        ياااه! معقول هذا الكلام؟! يبقى الحل إننا ننقل بأسرع وقت قبل ما نار سمارة وسمعتها الهباب تحرقنا .. الله يحرقها !

-       حرام عليك! ادع لها بالهداية، وادع لبناتها بالستر، ولا نسيت العيش والملح!

سمع حوارهما وقلبه يعتصر ألما، ودَّ  لو يستطيع إخبارهما بما فعله المعلم بيومي بالمسكينة سمارة؛ ربما يلتمسون لها العذر، لكنه خشى على نفسه، وعلى والديه من بطشه!

       لم يمض شهر إلا وكانوا قد انتقلوا إلى دمياط الجديدة، ترك الأب عمله القديم، واشتغل في أحد مصانع المنطقة الصناعية، وأصبحت نسرين قريبة من الكلية التي تدرس فيها، أما بالنسبة للصغير منصور، فكان انتقاله من مدرسته القديمة صدمة جديدة؛ جعلته يعود إلى فراش المرض، وتم حجزه في مستشفى الأزهر الجامعي بضعة أشهر، وشخَّص الأطبَّاء مرضه على أنه حالة نادرة، ولم يكتشف أحد سر مرضه العجيب إلا أمه، التي اكتشفت سره بالصدفة، عندما فتحت محفظته الصغيرة ذات يوم، ورأت صورة تلك الصبية الصغيرة شمس ابنة سمارة! وعرفت وقتها أن ابنها الصغير الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره كان غارقا في الحب حتى أذنيه!

       أفاق على يدٍ خشنة كانت تحاول فك ساعة يده! قام مذعورا، لمح شبحا يجري، وفي يده الحقيبة! حقيبته التي كانت تحت رأسه؛ حاول أن يلحق به، لكنه كان قد اختفى بعيدا! فحص جيوبه، فلم يجد فيها غير تذكرة القطار! سرق اللص كل شيء ولم يترك له إلا التذكرة، وكأنه كان يعلم أنها لم تعد سارية ً، بعدما فات موعد القطار! تذكر محفظته والصورة بداخلها، فانطلق يجري في نفس الاتجاه الذي اختفى فيه اللص، ظل يجري حتى تقطَّعت أنفاسه، وتعثَّر، وسقط على الأرض، على بعد أمتار قليلة، لمح محفظته، إنها قديمة ممزقة، أمسكها بلهفة، وجد الصورة في مكانها، ارتسمت ابتسامة غريبة على وجهه، وقام من على الأرض، كان كمن عادت إليه روحه، رغم حزنه الشديد لفقده الحقيبة وما فيها، والمال، وكذلك الساعة؛ لكنه لم يكن مستعدا لفقد هذه الصورة التي ظل يحفظها لسنوات!

       هم َّ بالعودة إلى البيت، حتى يطلب من والده مبلغا من المال، لكنه خشى على أبويه من أن يصيبهما حزن أو قلق، فهما يظنان أنه سافر بالفعل! كما أن ما حدث له سيزيدهما عزما على رفض سفره إلى حلمية الزيتون، لم يجد أمامه إلا أن يستقل القطار التالي دون تذكرة، ويختبئ فوق سطح القطار!

       في حلمية الزيتون اجتاز كل الاختبارات بنجاح، ثم عاد مع بعض دفعته بلدياته من دمياط، ركب معهم، بعد أيام تحقق حلمه، وأصبح ضابطا احتياطيا في الجيش، وفي نفس الوقت فإن دفعته كلها لم تُجنَّد، كلهم أخذوا إعفاء مؤقتا من الخدمة العسكرية! وكانت فرحتهم كبيرة جدا وهم عائدين إلى ذويهم!

       مضى منصور في تحقيق حلمه، وكانت فرحته كبيرة جدا وهو يرتدي الزي العسكري، لا سيما في الإجازات عندما كان يسير مختالا أمام الجيران، والمعارف في سكنهم الجديد، في دمياط الجديدة، وكان شغله الشاغل في كل إجازة، السفر إلى الإسكندرية؛ والبحث عن حب حياته، كان يظن الأمر سهلا، فبمجرد الوصول إلى سمارة؛ سيصل إلى ابنتها شمس، لم يكن يعلم أن سمارة والتي أصبحت من أشهر الراقصات في الساحة الفنية، قد تزوجت بمدير أعمالها السوري؛ وانتقلت معه هي وبناتها إلى الشام؛ قبل اندلاع الحرب الأهلية، وانتشار الفوضى ببضعة أشهر! لم يستطع نسيانها، أمامه بنات العالم أجمع، لكن قلبه لم يكن فيه إلا شمس!

         قبل انتهاء العام الأول له فوجئ بصدور قرار إنهاء خدمته العسكرية! وكان السبب اكتشاف السلطات المختصة أن أحد أقاربه ينتمي لتنظيم معادي للدولة، قبل أن يسلَّم مخلته، وكل المتعلقات العسكرية الخاصة به، في آخر ليلة له في الجيش، كان أحد زملائه يشاهد مقطعا لبعض ضحايا إحدى الغارات في سوريا،  كان المشهد مروعا؛ القنابل الضخمة التي أُسقِطت على منزل جعلته ينهار بالكامل على كل من فيه، وكان بينهم أسرة مكونة من أم وخمس فتيات، لم يصدق عينيه وهو يرى وجه سمارة ملطخا بالدماء بين الأنقاض!

       تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط

13 / 11 / 2020 م

 

 

السبت، 7 نوفمبر 2020

البطة الجديدة

البطة الجديدة
         عملها كخادمة؛ مزق ديباج برائتها، ونفى أحلامها بعيدا جدا، وبعد أن كانت تختال في مشيتها كالطاووس؛ أضحت مكسورة القلب، 
ولم يشفع لها جمالها، و لا تفوقها، فحرمت من المدرسة، وسيقت للعمل في أحد البيوت!               حجرتها على السطح ملاصقة لعشش الدجاج والبط، أفزعتها رؤية الدماء كل صباح، فربة البيت لا تتورع عن ذبح دجاجة أو بطة كل يوم من أجل عيون ابنها الوحيد المدلل، الذي لم يتورع هو الآخر عن إراقة دماء البطة الجديدة.
تأليف/ متولي محمد متولي بصل
دمياط
6 / 11 / 2020  م

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...