الليلة الأخيرة
من المجموعة القصصية " الحب في الوقت الضائع "
الليلة الأخيرة له في دمياط،
آثر أن يقضيها في الهواء الطلق؛ على كورنيش النيل؛ تعجَّب من الرائحة النتنة التي
تفوح من المياه الملوثة بمياه الصرف الصحي! لم تكن الرائحة فقط هي التي تضايقه؛
اللوحات واللافتات المنتشرة للمرشحين لعضوية مجلس الشعب، كانت هي الأخرى تكدِّر
صفوه، وتقلِّب عليه المواجع، لا سيما صور ذلك الشخص المكتوب أسفل اسمه ( ابن البلد
)! إنه يعرفه؛ ويعرف عنه الكثير؛ فقد عمل عنده في بدايات حياته عندما كان في
الرابعة عشرة من عمره، استجمع قوته وهو يبصق في اتجاه إحدى هذه الصور، وقال بغضب
شديد، وكأنه يكلم صاحب الصورة :
-
يحسبونك موسى، وأنت فرعون يا معلم بيومي .. الله يلعنك !
لم يخبر أبويه بأنه سيقضي الليل يتسكع في الشوارع، كانا
يعلمان أنه سيسافر إلى القاهرة، متجها إلى حلمية الزيتون لاجتياز اختبارات
اللياقة، وكشف الهيئة؛ ليصبح ضابطا احتياطيا في الجيش؛ حاولا بكل الطرق أن يثنياه
عن ذلك، وأن يقنعاه بقضاء فترة تجنيده جنديا مثل باقي زملائه؛ حتى لا تطول فترة
تجنيده عن سنة واحدة، لكنه كان قد عزم الأمر؛ فحلم حياته منذ نعومة أظفاره أن يصبح
ضابطا؛ حاول من قبل الالتحاق بكلية الشرطة لكن ظروفه الاجتماعية حالت دون ذلك، لم
ييأس وتقدم للكلية الحربية، لكنه فشل لنفس السبب! فرضي بكلية الحقوق، لكن حلمه
الوحيد لم يتوقف عن التحليق في رأسه، وها هو على أعتاب تحقيقه، وليس أمامه سوى
اجتياز اختبارات اللياقة ليصبح ضابطا احتياطيا .
انتصف
الليل؛ فجلس في أحد المقاهي يحتسي القهوة، مرَّت من أمامه امرأة ترتدي ملاية لف!
سمع أحد الساهرين يقول لرفاقه متعجبا :
-
ياااااه ! ملاية لف، لا .. أكيد هذه المرأة عفريتة أو جنية،
الملايات اللف انقرضت من زمان!
تصاعدت ضحكاتهم مع دخان سجائرهم ، أما هو فلم يكمل
قهوته، ووضع الحساب تحت الفنجان ، وانطلق خلف المرأة، أسرع الخطى حتى يلحق بها،
لكنه عندما اقترب منها أدرك صِدق المثل الذي يقول يخلق من الشبه أربعين !
في محطة
القطار، بعد أن دفع ثمن التذكرة، استلقى فوق أحد المقاعد الطويلة، واتخذ من حقيبته
وسادة، كانت أمامه ساعتان حتى يحين موعد قيام القطار الذي سيذهب به إلى القاهرة؛
قرر أن ينال فيهما قسطا من الراحة، ولكن أنَّى له الراحة، المرأة ذات الملاية اللف
كسرت القمقم الذي كان يخبئ فيه ماضيه المنصرم، وها هو شريط الأحداث يدور أمام
عينيه من جديد، أحداث مؤلمة حاول نسيانها، عادت للظهور أمام عينيه، وطفت على سطح
حياته! أخرج صورة صغيرة من محفظته ما كادت عيناه تبصرانها حتى انهمرت منهما
الدموع! كان كمن يشاهد فيلما سينمائيا .. ها هو محل البن الذي كان يعمل فيه،
والمعلم بيومي يجلس أمام مكتبه، أهل الحارة يعتبرونه كبيرهم وعمدة حارتهم، يقصدونه
في كل كبيرة وصغيرة؛ لذلك كان منصور معجبا به، وبقدرته العجيبة في السيطرة على أهل
الحارة، وكان يتمنى أن يصبح مثله عندما يكبر؛ ومن شدة إعجابه به كان أحيانا بعد أن
ينتهي وقت عمله ، ويحين موعد انصرافه؛ يتسلل إلى السندرة، ويختبئ في الأعلى ليتابعه
بإعجاب وانبهار -في كل مساء - وهو يحاور أهل الحارة؛ ويحل مشاكلهم؛ فيصلح بين
متخاصمين، ويوفق بين زوجين، وذات مساء صعد كعادته، واختبأ في السندرة، لم يكن في
المحل غير المعلم بيومي، كان يراجع حسابات المحل قبل أن يحين موعد سهراته اليومية!
فجأة دخلت امرأة بملاية لف، عرفها منصور وهو في مخبأه، إنها سمارة أجمل امرأة في
الحارة، لكن جمالها كان قد بدأ في الذبول بعد وفاة زوجها، وترملها، وبدأ الفقر
يحفر بأصابعه الحادة في وجهها الكثير من الأخاديد والتجاعيد، إنها تسعى على خمس
بنات، ومن المؤكد أنها جاءت لتأخذ الشهرية، فالمعلم بيومي لا يتأخر عن الأرامل
واليتامى!
رحب بها المعلم أيما ترحيب، وقدَّم لها علبة
عصير، لكنه غافلها، وهي تمسح دموعها بمنديلها القماشي، ووضع لها شيئا في العصير،
لم تره؛ لكن منصور الذي كان يرصد المشهد جيدا؛ لمحه! ما لبثت أن مالت برأسها على المكتب ،ونامت
! فقام الملعون بكل هدوء، وأغلق باب المحل، ثم حملها إلى السندرة، لم يصدق منصور
ما رآه وسمعه، لا سيما عندما أفاقت المسكينة ؛ وطفقت كالمجنونة تبكي في ذهول،
والملعون يهددها بأنها إذا حكت شيئا مما حدث، فلن يصدقها أحد، فهي التي جاءت
برجليها، وحذرها من الفضيحة، التي لن تطولها وحدها بل ستطول بناتها؛ وتلحق بهن
العار! لملمت المسكينة ما تبقى من أدميتها وكرامتها المسفوحة تحت قدميه، وخرجت تجر
أذيال الحسرة والندامة، بينما كان يدس في ملابسها مبلغا من المال!
في تلك
الليلة، بينما كان منصور يتسلل للخروج من الباب الخلفي للمحل، فوجئ بالمعلم يجلس
بين الناس كعادته كل ليلة، وكأنه لم يفعل شيئا ! كانت هذه آخر ليلة يعمل فيها عنده،
فقد أصيب بحمى، وتم حجزه في المستشفى أكثر من أسبوعين، وعندما خرج كان حريصا على
تتبع أخبار المسكينة سمارة؛ لكنه لم يتكبد عناء السؤال، فسيرتها كانت على كل لسان،
ليس بسبب ما حدث لها في تلك الليلة، فهو لم يخبر أحدا بما حدث حتى أبويه! فوجئ
بأهل الحارة ولا حديث لهم إلا سفر سمارة إلى الإسكندرية؛ واشتغالها في أحد الملاهي
الليلية! وقع عليه الخبر كالصاعقة، كان الجميع يلعنونها، ويتهمونها بأنها وصمَت
الحارة؛ وجلبت لأهلها العار، حتى في البيت، سمع أبويه وهما يتحدثان عنها ذات مساء،
بعد عودة أبيه من عمله، سمعه وهو يضرب كفا بكف، ويقول في ذهول واضح :
-
معقول يا أم منصور! الشريفة العفيفة التي عاشت بيننا كل
هذه السنين، وكان الجميع يرطبون ألسنتهم بوصف عفتها، وحيائها، فجأة تنقلب وتصبح
شيطانة تعرض جسمها على الملأ !
-
والله العظيم أنا عقلي تعب من التفكير، معقول كل هذه
السنين كانت تمثل علينا ؟!
-
الله يلعن الشيطان الذي غواها، منظر الحارة أصبح زفت
وقطران، كل ما أذهب إلى المصنع أسمع كلاما يسمم البدن، زملائي يعايروني، ويسخرون
مني، تصدقي إن اسم حارتنا (حارة الأصيل) عندهم أصبح (حارة سمارة )!
-
قصدك حارة الشؤم! قلت لك من قبل ننقل في شقة جديدة ، آه
لو كنت تسمع كلامي! سمارة كانت جارتنا، والباب في الباب، وبناتها طول الوقت عندنا،
وابنتنا نسرين كانت تذاكر مع ابنتها أحلام، والمثل يقول من جاور السعيد يسعد، ومن
جاور الحداد تكويه ناره، وكلام الناس سكاكين.
-
تقصدي إن .. .. لا، لا يا أم منصور الناس يعرفونا،
ويعرفوا إننا .. إننا ..
-
الناس! الناس ينتفوا ريش الخفافيش، وهي الخفافيش لها ريش
؟! جارتنا أم حمادة كانت تكلمني وتتودد لي، وكان نفسها تخطب نسرين لابنها حمادة !
-
صحيح، وقتها قلنا ننتظر لما نسرين تنهي دراستها في
الجامعة!
-
تمام! من أسبوع والهانم على غير العادة لا كلام ولا
سلام، وسمعت إنها خطبت لابنها.. خطبت له بنت الشيخ أشرف شيخ الجامع!
- ياااه! معقول هذا الكلام؟! يبقى الحل إننا ننقل
بأسرع وقت قبل ما نار سمارة وسمعتها الهباب تحرقنا .. الله يحرقها !
-
حرام عليك! ادع لها بالهداية، وادع لبناتها بالستر، ولا
نسيت العيش والملح!
سمع حوارهما وقلبه يعتصر ألما، ودَّ لو يستطيع إخبارهما بما فعله المعلم بيومي
بالمسكينة سمارة؛ ربما يلتمسون لها العذر، لكنه خشى على نفسه، وعلى والديه من
بطشه!
لم يمض شهر إلا
وكانوا قد انتقلوا إلى دمياط الجديدة، ترك الأب عمله القديم، واشتغل في أحد مصانع
المنطقة الصناعية، وأصبحت نسرين قريبة من الكلية التي تدرس فيها، أما بالنسبة
للصغير منصور، فكان انتقاله من مدرسته القديمة صدمة جديدة؛ جعلته يعود إلى فراش
المرض، وتم حجزه في مستشفى الأزهر الجامعي بضعة أشهر، وشخَّص الأطبَّاء مرضه على
أنه حالة نادرة، ولم يكتشف أحد سر مرضه العجيب إلا أمه، التي اكتشفت سره بالصدفة،
عندما فتحت محفظته الصغيرة ذات يوم، ورأت صورة تلك الصبية الصغيرة شمس ابنة سمارة!
وعرفت وقتها أن ابنها الصغير الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره كان غارقا في
الحب حتى أذنيه!
أفاق على
يدٍ خشنة كانت تحاول فك ساعة يده! قام مذعورا، لمح شبحا يجري، وفي يده الحقيبة!
حقيبته التي كانت تحت رأسه؛ حاول أن يلحق به، لكنه كان قد اختفى بعيدا! فحص جيوبه،
فلم يجد فيها غير تذكرة القطار! سرق اللص كل شيء ولم يترك له إلا التذكرة، وكأنه
كان يعلم أنها لم تعد سارية ً، بعدما فات موعد القطار! تذكر محفظته والصورة
بداخلها، فانطلق يجري في نفس الاتجاه الذي اختفى فيه اللص، ظل يجري حتى تقطَّعت
أنفاسه، وتعثَّر، وسقط على الأرض، على بعد أمتار قليلة، لمح محفظته، إنها قديمة
ممزقة، أمسكها بلهفة، وجد الصورة في مكانها، ارتسمت ابتسامة غريبة على وجهه، وقام
من على الأرض، كان كمن عادت إليه روحه، رغم حزنه الشديد لفقده الحقيبة وما فيها،
والمال، وكذلك الساعة؛ لكنه لم يكن مستعدا لفقد هذه الصورة التي ظل يحفظها لسنوات!
هم َّ
بالعودة إلى البيت، حتى يطلب من والده مبلغا من المال، لكنه خشى على أبويه من أن
يصيبهما حزن أو قلق، فهما يظنان أنه سافر بالفعل! كما أن ما حدث له سيزيدهما عزما
على رفض سفره إلى حلمية الزيتون، لم يجد أمامه إلا أن يستقل القطار التالي دون
تذكرة، ويختبئ فوق سطح القطار!
في حلمية
الزيتون اجتاز كل الاختبارات بنجاح، ثم عاد مع بعض دفعته بلدياته من دمياط، ركب
معهم، بعد أيام تحقق حلمه، وأصبح ضابطا احتياطيا في الجيش، وفي نفس الوقت فإن
دفعته كلها لم تُجنَّد، كلهم أخذوا إعفاء مؤقتا من الخدمة العسكرية! وكانت فرحتهم
كبيرة جدا وهم عائدين إلى ذويهم!
مضى منصور
في تحقيق حلمه، وكانت فرحته كبيرة جدا وهو يرتدي الزي العسكري، لا سيما في
الإجازات عندما كان يسير مختالا أمام الجيران، والمعارف في سكنهم الجديد، في دمياط
الجديدة، وكان شغله الشاغل في كل إجازة، السفر إلى الإسكندرية؛ والبحث عن حب
حياته، كان يظن الأمر سهلا، فبمجرد الوصول إلى سمارة؛ سيصل إلى ابنتها شمس، لم يكن
يعلم أن سمارة والتي أصبحت من أشهر الراقصات في الساحة الفنية، قد تزوجت بمدير
أعمالها السوري؛ وانتقلت معه هي وبناتها إلى الشام؛ قبل اندلاع الحرب الأهلية،
وانتشار الفوضى ببضعة أشهر! لم يستطع نسيانها، أمامه بنات العالم أجمع، لكن قلبه
لم يكن فيه إلا شمس!
قبل
انتهاء العام الأول له فوجئ بصدور قرار إنهاء خدمته العسكرية! وكان السبب اكتشاف
السلطات المختصة أن أحد أقاربه ينتمي لتنظيم معادي للدولة، قبل أن يسلَّم مخلته،
وكل المتعلقات العسكرية الخاصة به، في آخر ليلة له في الجيش، كان أحد زملائه يشاهد
مقطعا لبعض ضحايا إحدى الغارات في سوريا، كان
المشهد مروعا؛ القنابل الضخمة التي أُسقِطت على منزل جعلته ينهار بالكامل على كل
من فيه، وكان بينهم أسرة مكونة من أم وخمس فتيات، لم يصدق عينيه وهو يرى وجه سمارة
ملطخا بالدماء بين الأنقاض!
تأليف /
متولي محمد متولي بصل
دمياط
13 / 11 / 2020 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق