الاثنين، 15 يونيو 2020

العقد و الطوق

العقد و الطوق

     كانت في طريقها لحضور حفل زفاف إحدى صديقاتها , وهي ترتدي فستان السهرة الذي اختلسته في تلك الليلة من محل الملابس الذي تعمل فيه , وفي  يدها منديل ٌ حريري ٌجميل   الفستان  بديع  ورائع , ذو  تصميم  راقي , يخطف الأبصار , و يخلب العقول , جعل  طابورا من الشباب المتعطشين  للجمال يسير خلفها في انبهار , وهي لا تشعر بهم ! .

     كانت وهي تسير تحلم بفتى الأحلام الذي تأمل أن تجده في ذلك الحفل , وتوقعه  في شباك غرامها , إنها لن تفرط فيه أبدا , لن تضيّع هذه الفرصة , مهما حدث ! فقد عانت طوال حياتها ما لم يعانيه أحد , و شربت من كؤوس  التعب والشقاء  , وآن لها أن تهنأ و ترتاح .

     فجأة .. وقعت عيناها عليه , فتوقفت , إنه أمامها في محل الذهب ,لم تستطع أن تقاوم جاذبيته , وقفت أمامه مسحورة  بجماله , أخذت تتأمله بشغف بالغ , ودقات قلبها تتسارع وكأنها في مارثون , أنفاسها المتلاحقة لفحت زجاج المحل , فرانت عليه طبقة رقيقة من ندى هذه الأنفاس المغرمة , مدّت يدها لتمسح الزجاج بأناملها الناعمة حتى تستطيع رؤية ذلك الحبيب الذي وقعت في غرامه من أول نظرة , إنه يناسبها تماما , لم تتمن ّ أفضل منه ! مرّرت يدها على رقبتها , تمنت لو تستطيع اختلاسه هو الآخر ولو لليلة واحدة , هذه الليلة فقط , أغمضت عينيها وتخيلت نفسها وهي تزين به رقبتها , كانت تشعر أنها بهذا العقد وهذا الفستان ستصبح ملكة الحفل ! .

     انتبهت من حلمها الجميل الذي لم يكتمل , على صفير أحد المعجبين , التفتت نحو الصوت لمحت يدا ً تمتد لتمسك بأطراف أصابعها , حركة جريئة جدا , لكنها لم تتفاجأ , ولم تتسلل إليها ذرة ُ خوف واحدة , بل على عكس المتوقع سارعت هي وأمسكت تلك اليد الجريئة , بُهت الشاب , وحاول أن يرسم على وجهه ابتسامة , سُرعان ما تحوّلت إلى استغاثة  , عندما أحس بأصابعها تتحوّل إلى أنياب تمساح , وتضغط على يده بقوة هائلة , و في لمح البصر شعر بيده تدور حول نفسها دورة كاملة حتى سمع صوت  تحطّم عُظيمات رسغه ! فطفق يصرخ من هول الألم : ـ ذراااااااااااعييييييييييييييي .. .. ذراعي  .. انكسررررررررررررت !!

     لم يستطع أن يفلت يده , إلا عندما سمحت هي بذلك , أطلق ساقيه للريح , وهو لا يزال يصرخ , لم يُصدّق الآخرون ما رأته عيونهم , و تسمّروا في أماكنهم من هول المفاجأة ! حتى انتبهوا على زمجرة قوية خرجت من بين شفتيها ! إنهما نفس الشفتين اللتين كانتا منذ قليل  حبّتا كرز ٍناضجتين , انطلقوا خلف زميلهم الفار , وهم لا يجرؤون حتى على الالتفات !

     إنهم مساكين !! لا يعلمون أن الحياة أجبرتها على أن تعمل في مصنع للحلويّات و المشبّك , وكذلك في مؤسسة الخبز , وفيهما تعلمت كيف تحمي نفسها , وكيف تتعامل مع أمثالهم من الحثالة ! ففي هذا المصنع , وفي تلك المؤسسة توجد كل أنواع الكائنات البشرية , كلها !

     هدأت شيئا ما , فأخذت تتأمل فستانها بلهفة , وهي تخشى أن يكون قد أصابه تلف أو مكروه, بعدما اطمأنت على تحفتها , ودّعت حُلمها المستحيل خلف الزجاج , وقررت أن تكمل مسيرتها نحو الحفل , عسى أن تستطيع تحقيق حلمها القريب , حلم حياتها .

     عندما أصبحت على بُعد خطوات من الكازينو الذي سيقام فيه الحفل , شعرت بالارتباك , وطار من يدها المنديل الحريري , حمله الهواء الشديد ُ إلى أعلى في اتجاه الكورنيش ! عبرت الطريق وسط عشرات السيّارات المنطلقة و التي كانت ستدهسها , ظلت وراءه حتى ذهب بها إلى الهيكل المعدني , بل وأوصلها إلى نهاية ذلك الهيكل حيث منتصف النيل تقريبا , هدأ الهواء قليلا , فسقط المنديل الحريري في مياه النيل ! كادت تبكي , شغلها عن البكاء رؤية ذلك الضوء العجيب الذي كان يظهر ويختفي , إنه ينعكس من طوق ذهبي يطفو ويغطس في الماء دققت النظر فإذا بها تراه , إنه كلب يغرق , لم تتردد ! نسيت أمر الفستان والمنديل وصاحبة البوتيك التي ستطردها من العمل , بل و ستتهمها بالسرقة , ونسيت حلم العمر , لم يعد يشغلها إلا إنقاذه , ألقت نفسها في النيل , إنها بارعة ٌ في السباحة , تعلمت السباحة من أبيها الذي كان مدربا للسباحة في الاستاد وكان لا  يناديها  إلا  " تونة " , كان ذلك قبل أن تفقده وهي في الثانية عشرة من عمرها .

     اليوم , وهي تقف في شرفة فيلا رائعة تطل على البحر , تذكرت كل هذه الأحداث التي وقعت في تلك الليلة العجيبة , وهي تربت على ظهر كلبها الضخم ذي الطوق الذهبي , ابتسمت ابتسامة عريضة وهي ترى حلم عمرها واقفا بجوارها  يربت هو الآخر على ظهر كلبه , الذي ألقى بنفسه في النيل لينقذه , وكاد يغرق معه , لولا فتاة أحلامه هذه , ومنديلها الحريري !

28 ـ 8 ـ 2018 م          تأليف / متولي بصل


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...