العقد و الطوق
كانت في
طريقها لحضور حفل زفاف إحدى صديقاتها , وهي ترتدي فستان السهرة الذي اختلسته في
تلك الليلة من محل الملابس الذي تعمل فيه , وفي
يدها منديل ٌ حريري ٌجميل
الفستان بديع ورائع , ذو
تصميم راقي , يخطف الأبصار , و
يخلب العقول , جعل طابورا من الشباب
المتعطشين للجمال يسير خلفها في انبهار ,
وهي لا تشعر بهم ! .
كانت وهي
تسير تحلم بفتى الأحلام الذي تأمل أن تجده في ذلك الحفل , وتوقعه في شباك غرامها , إنها لن تفرط فيه أبدا , لن
تضيّع هذه الفرصة , مهما حدث ! فقد عانت طوال حياتها ما لم يعانيه أحد , و شربت من
كؤوس التعب والشقاء , وآن لها أن تهنأ و ترتاح .
فجأة ..
وقعت عيناها عليه , فتوقفت , إنه أمامها في محل الذهب ,لم تستطع أن تقاوم جاذبيته
, وقفت أمامه مسحورة بجماله , أخذت تتأمله
بشغف بالغ , ودقات قلبها تتسارع وكأنها في مارثون , أنفاسها المتلاحقة لفحت زجاج
المحل , فرانت عليه طبقة رقيقة من ندى هذه الأنفاس المغرمة , مدّت يدها لتمسح
الزجاج بأناملها الناعمة حتى تستطيع رؤية ذلك الحبيب الذي وقعت في غرامه من أول
نظرة , إنه يناسبها تماما , لم تتمن ّ أفضل منه ! مرّرت يدها على رقبتها , تمنت لو
تستطيع اختلاسه هو الآخر ولو لليلة واحدة , هذه الليلة فقط , أغمضت عينيها وتخيلت
نفسها وهي تزين به رقبتها , كانت تشعر أنها بهذا العقد وهذا الفستان ستصبح ملكة
الحفل ! .
انتبهت من
حلمها الجميل الذي لم يكتمل , على صفير أحد المعجبين , التفتت نحو الصوت لمحت يدا
ً تمتد لتمسك بأطراف أصابعها , حركة جريئة جدا , لكنها لم تتفاجأ , ولم تتسلل
إليها ذرة ُ خوف واحدة , بل على عكس المتوقع سارعت هي وأمسكت تلك اليد الجريئة ,
بُهت الشاب , وحاول أن يرسم على وجهه ابتسامة , سُرعان ما تحوّلت إلى استغاثة , عندما أحس بأصابعها تتحوّل إلى أنياب تمساح ,
وتضغط على يده بقوة هائلة , و في لمح البصر شعر بيده تدور حول نفسها دورة كاملة
حتى سمع صوت تحطّم عُظيمات رسغه ! فطفق
يصرخ من هول الألم : ـ ذراااااااااااعييييييييييييييي .. .. ذراعي .. انكسررررررررررررت !!
لم يستطع أن
يفلت يده , إلا عندما سمحت هي بذلك , أطلق ساقيه للريح , وهو لا يزال يصرخ , لم
يُصدّق الآخرون ما رأته عيونهم , و تسمّروا في أماكنهم من هول المفاجأة ! حتى
انتبهوا على زمجرة قوية خرجت من بين شفتيها ! إنهما نفس الشفتين اللتين كانتا منذ
قليل حبّتا كرز ٍناضجتين , انطلقوا خلف
زميلهم الفار , وهم لا يجرؤون حتى على الالتفات !
إنهم مساكين
!! لا يعلمون أن الحياة أجبرتها على أن تعمل في مصنع للحلويّات و المشبّك , وكذلك
في مؤسسة الخبز , وفيهما تعلمت كيف تحمي نفسها , وكيف تتعامل مع أمثالهم من
الحثالة ! ففي هذا المصنع , وفي تلك المؤسسة توجد كل أنواع الكائنات البشرية ,
كلها !
هدأت شيئا
ما , فأخذت تتأمل فستانها بلهفة , وهي تخشى أن يكون قد أصابه تلف أو مكروه, بعدما
اطمأنت على تحفتها , ودّعت حُلمها المستحيل خلف الزجاج , وقررت أن تكمل مسيرتها
نحو الحفل , عسى أن تستطيع تحقيق حلمها القريب , حلم حياتها .
عندما أصبحت
على بُعد خطوات من الكازينو الذي سيقام فيه الحفل , شعرت بالارتباك , وطار من يدها
المنديل الحريري , حمله الهواء الشديد ُ إلى أعلى في اتجاه الكورنيش ! عبرت الطريق
وسط عشرات السيّارات المنطلقة و التي كانت ستدهسها , ظلت وراءه حتى ذهب بها إلى
الهيكل المعدني , بل وأوصلها إلى نهاية ذلك الهيكل حيث منتصف النيل تقريبا , هدأ
الهواء قليلا , فسقط المنديل الحريري في مياه النيل ! كادت تبكي , شغلها عن البكاء
رؤية ذلك الضوء العجيب الذي كان يظهر ويختفي , إنه ينعكس من طوق ذهبي يطفو ويغطس
في الماء دققت النظر فإذا بها تراه , إنه كلب يغرق , لم تتردد ! نسيت أمر الفستان
والمنديل وصاحبة البوتيك التي ستطردها من العمل , بل و ستتهمها بالسرقة , ونسيت
حلم العمر , لم يعد يشغلها إلا إنقاذه , ألقت نفسها في النيل , إنها بارعة ٌ في
السباحة , تعلمت السباحة من أبيها الذي كان مدربا للسباحة في الاستاد وكان لا يناديها
إلا " تونة " , كان ذلك
قبل أن تفقده وهي في الثانية عشرة من عمرها .
اليوم , وهي
تقف في شرفة فيلا رائعة تطل على البحر , تذكرت كل هذه الأحداث التي وقعت في تلك
الليلة العجيبة , وهي تربت على ظهر كلبها الضخم ذي الطوق الذهبي , ابتسمت ابتسامة
عريضة وهي ترى حلم عمرها واقفا بجوارها
يربت هو الآخر على ظهر كلبه , الذي ألقى بنفسه في النيل لينقذه , وكاد يغرق
معه , لولا فتاة أحلامه هذه , ومنديلها الحريري !
28 ـ 8 ـ 2018 م تأليف / متولي بصل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق