بلاد العبيد
علمته سنوات ُ الغربة أن لكل شيء
ثمن , وأن الدنيا لا تعطي إلا لكي تأخذ ! و قد دفع مقابل حفنة رزم من الريالات
السعودية التي عاد بها , دفع زهرة عمره ,
شبابه ! كما كان سيدفع حياته غرقا في مياه البحر الأحمر !!
لكنه فوجئ بأن الرزم التي عاد
بها لا تكفي لتحقيق حلم حياته , فقد سافر وهو يحلم بالأموال التي سيشتري بها صك
حريته , فالفقر الأسود في هذا الزمان يجعل منك عبدا
كما أن البشرة السوداء كانت تدمغ أصحابها بالرق والعبودية , والسادة اليوم
هم أصحاب الأموال والجاه والسلطة , و لا عزاء للفقراء !
كان يحلم بأن يعود بما يكفي لكي يمتلك شقة وأثاثا ومحلا يبيع فيه
أي شيء ! لكنه فوجئ بأن كل شيء قد تغيّر , الأسعار نار , وما عاد به لا يكفي حتى
لشراء شقة ! كما أن الأحوال لا تشجع على البقاء , الوجوه عابسة , وأحاديث الناس
إما حسرات على ما فات , أو تخوّفات مما هو آت ! و كأنهم في سفينة أشرفت على الغرق
, والجميع يتأهبون للموت !
إنه في حيرة من أمره , أيظل على
السفينة حتى تغرق وتجذبه معها إلى الأعماق ! أم يقذف نفسه في وسط الأمواج لعله
ينجو !
لم يأخذ وقتا في التفكير , ألقى
نفسه وسط الأمواج من جديد , إنه الآن في وسط البحر الأبيض فوق سطح إحدى المراكب
العتيقة في طريقه إلى قبرص , مع مجموعة كبيرة من الشباب الذين خرجوا فرارا من
الفقر الأسود والعبودية الجديدة , لقد ازدحمت بهم المركب حتى أصبحت مثل علبة
السردين !
إنه يحلم الآن بالدولارات التي
سيعود بها بعد أن دفع الريالات السعودية ثمنا لتذكرة الذهاب إلى قبرص , ترى هل
يعود حقا ويحقق حلمه , أم يكون مصيره هو نفس مصير أسماك السردين ؟!!
تأليف / متولي محمد متولي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق