الشعرة
في منتصف الكوبري العلوي تقابلا
, شاب ٌ في أوج قوته وعنفوان شبابه , وشيخ ٌ بلغ أرذل العمر ! توقفا متواجهين , و
كل منهما ينتظر أن يرحل الآخر ! لكن ظل كلاهما على حاله واقفا ينتظر! شعر الشاب
بالضجر , وقال للشيخ : - ألن تكمل طريقك .. .. ؟ !
: - أنا في نهاية طريقي يا بني !
: - هاها .. جئت هنا إذا لتموت ..
ألا تستطيع الانتظار حتى توافيك المَنيّة , أم تخشى أن تنتظر طويلا .. ها ها ؟!!
فوجئ بالشيخ ينهار , ويسقط على
الأرض , والدموع تنهمر من عينيه , لم يكن
يدرك أن كلماته ستكون حامية إلى هذه الدرجة كالسكّين , شعر بالندم على ما
قاله , فانحنى و انكب عليه يربت على ظهره ,
و يقول له آسفا : - سامحني لم أكن
أقصد ..
ظل الشيخ على حاله , بل وزاد في
البكاء ! فقال له يواسيه : -لكل داء دواء , ولكل مشكلة حل , لا تيأس من رحمة الله
!
لا يعرف كيف جرت هذه الكلمات على
لسانه , وهو نفسه جاء إلى هذا المكان ليقذف بنفسه في النيل , بعد أن مر ّ بتجربة
حب ٍ فاشلة , كيف خلع رداء اليائسين , وارتدى زي الواعظين ؟!
فوجئ بالشيخ يرفع رأسه , ويقول
بحزن : - عشت حياتي كلها أحلم , و أنتظر اللحظة التي سيتحقق فيها حلمي أنا و زوجتي
, و عندما جاءت اللحظة .. بداية السعادة , انهارت الدنيا كلها من حولي !!
-
ماذا حدث ؟!
-
ماتت زوجتي .. و مات الطفل الذي انتظرناه طويلا .. ماتت
وهي تلده .. فقدتهما معا في ليلة ٍ واحدة ! فقدت كل شيء , كيف سأعيش بعدهما ؟!!
ساعد الشيخ على النهوض , وسار معه , وهو يمسح
له دموعه بمنديل ورقي , ويواسيه بكلمات ٍ جعلته هو نفسه يعدل عن قرار انتحاره !
سمع نفسه يقول له : - الموت لم يكن في يوم ٍ من الأيام حلا ً , وحبك العظيم لزوجتك
الراحلة وابنك الفقيد لم يكن جريمة تعاقب نفسك عليها بالموت ! إن العظماء فقط هم
الذين تختارهم الدنيا لمثل هذه المحن , وأنت رجل عظيم و عليك أن تصبر !
لم يترك الشيخ إلا بعد أن
هدأ , و عاد إليه صوابه , وانصرف إلى بيته
, وعندما رجع الشاب إلى البيت وجد أهل خطيبته وأهله ينتظرونه !
و فوجئ بخطيبته تقوم من مكانها
وتجري نحوه , وتقول له أمام الجميع : - أنا آسفة .. سامحني أرجوك
ارتمى على أقرب أريكة , وهو لا
يُصدق ما يحدث , فلم يكن بينه وبين الموت سوى شعرة واحدة .
تأليف / متولي محمد متولي
3 /6 /2019 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق