الديك ذو العرف الأبيض !
العمارة المجاورة لنا مكونة من
سبعة طوابق ، ومبنية على مساحة كبيرة من الأرض ، فوق سطحها الكبير توجد الكثير من
العشش المبنية بالخشب والصاج والتي يرتع
فيها عدد ٌ كبير ٌمن الدجاج والبط من كل الأعمار، والأحجام، والألوان !
يتوسط هذه العشش برج ٌ خشبي ٌّ
يرتفع في السماء عدة أدوار ، إنه أكبر و أشهر برج حمام ٍ في المنطقة كلها ،
بناه صاحب العمارة ، فقد كانت هوايته
المفضلة تربية الأنواع النادرة من الحمام !
أما أنا فكانت هوايتي أن أصعد
كل يوم قبل غروب الشمس ، لألعب بالكرة فوق سطح العمارة التي أسكن فيها ، و أراقب
أسراب الحمام وهي تطير وتحلق في الجو ، ثم تعود إلى أعشاشها فوق البرج ! ليس هذا
فحسب ، فقد كنت أستمتع أيضا برؤية أسراب البط والدجاج من كل شكل ولون ، والتي
يربونها في تلك العشش المتفرقة حول البرج !
لم يكن يفسد على َّ فرحتي إلا
رؤية ذلك الشيخ الضرير الأشعث الأغبر ذو الشعر الأبيض ، واللحية البيضاء ، والذي
كان يعيش في عشة صغيرة من تلك العشش ! وكان يأتي له بالطعام كل يوم خادم ٌ يضعه له
في نفس الأطباق التي يوضع فيها أكل الطيور ! كنت أبكي وأنا أشاهد ذلك المسكين يزحف
في الليل ، ويطوف السطح زاحفا ، حتى غلب على ظني أنه مشلول أيضا !
كنت أتساءل عمن يكون ، ولماذا
طرحوه فوق السطح كالمنبوذ ، في عشة تعيث فيها الجرذان والهوام ! أيكون أحد الخدم
أو العمال الذين ليس لهم أهل ، وعندما كبرت سنه ، وأصابه العجز والعمى ، نبذوه
بهذه الطريقة الوحشية !
لقد راعني ذات ليلة ، أن ديكا
كبيرا استطاع أن يخرج من عشته ، وكان الشيخ الضرير قريبا منها ، فظل الديك ُ يقفز
نحوه ، وينقره في وجهه ، حتى سال منه الدم ، وهو يصرخ ويستنجد ، و لا مغيث ، حتى
اصطبغ شعر رأسه ولحيته الأبيض بلون الدم الأحمر ، كنت في السابعة من عمري ، ولم
أستطع أن أفعل أي شيء !!
في صباح اليوم التالي ، صحوت
على صوت المنادي وهو يعلن وفاة صاحب العمارة ، لم أشعر بأي حزن كما كان يحدث عندما
كنت أسمع صوت الناعي من قبل ، فكيف أحزن على رجل غليظ القلب مثله ، يرمي بأحد خدمه
أو عماله فوق السطح بهذه الوحشية !
لكن الذي يحيرني ، أنني لم أعد
أرى الشيخ الضرير على سطح العمارة ، بل إنهم جاؤوا بخادمة غسلت ، ومسحت العشة ، ثم
وضعوا فيها بعض الدجاج والبط ! وما زلت حتى الآن أتساءل في ذهول ، أين ذهبوا بذلك
المسكين المشلول !
تأليف / متولي محمد متولي بصل
28 / 8 / 2019 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق