الاثنين، 15 يونيو 2020

الحالة رقم ( 11 )

 الحالة رقم ( 11 )

   في منتصف الكوبري العلوي توقفتْ , لم تشرق الشمس بعد ! الكوبري خال ٍ من المارة , ومن السيارات العابرة , لا أحد تقريبا إلا هي , و ذلك المجذوب التعس النائم على الرصيف عند أول الكوبري , والذي يحسبه كل  من يراه ـ لأول وهلة ـ قطعة بالية من الرصيف المتهالك .  تلفتت حولها في خوف , إنه نفس المكان الذي ابتلع ـ في أقل من ثلاثة أشهر ـ عشرة ضحايا في نفس عمرها تقريبا ! شباب و شابات  في عمر الزهور لقوا حتفهم في هذا المكان ! يداها ترتعشان في إحداهما منديل ٌ ورقي , و في الأخرى علبة رش تمسكها بإحكام

   الدموع التي انهمرت من عينيها , جففتها بالمنديل الورقي تركته يسقط نحو النيل ,ووقفت تراقبه .  أمامها في الأفق بدأ شروق الشمس , مشهد خرافي ! تذكرت أن البعض قالوا أن سر انتحار الضحايا في هذا الوقت تحديدا يرجع إلى طقوس مزعومة , وأن هؤلاء الشباب كانوا من عبدة الشيطان !! راودتها أمنية أعجب من هذا , لقد تمنت لو تستطيع حرق كل من يطلقون هذه الشائعات , وكل من يروجونها

   تذكرت صديقة عمرها ورفيقة دربها , والتي أصبح اسمها على صفحات الجرائد وشاشات القنوات الحالة رقم ( 10 ) !! . أُغلق التحقيق وقُيّد على أنه حالة انتحار , تماما كما حدث مع من سبقوها ! . إنها لا تُصدق أبدا أنها انتحرت , مستحيل أن تنتحر .. مستحيل !

   انتابها الهلع عندما صك أذنيها نباحُ  قطيع ٍ كبير من الكلاب الضالة , رأت الموت يقترب وهى ترى كل هذه الكلاب الشرسة تركض ركضا نحوها , همّت بالفرار , لكنها تسمّرت مكانها عندما تذكرت نصيحة زميلتها الراحلة : ـ إذا نبح عليك كلب , فلا تجري , فإن الكلاب تشم رائحة الخوف .  وبالفعل عبرت الكلاب أمامها دون أن تلتفت إليها , والعجيب أن الكلاب كانت تركض مذعورة ً وكأنها تفر من وحش ٍ مفترس ! . ما هذا الوحش الذي يُمكن أن يسبب كل هذا الرعب لقطيع كبير من الكلاب الضالة ؟! هدأت قليلا وهى ترى الشمس تملأ الأفق , كان مشهدا ً مهيبا  .عادت تسأل نفسها نفس السؤال ( لماذا انتحرت ؟! ) جاءت إلى نفس المكان وفي نفس الموعد , كثير من زملائها يعبرون الكوبري في هذا الوقت المبكر جدا والخطير , ليتمكنوا من اللحاق بسيارات المدينة الجديدة بسهولة ويُسر , فبعد شروق الشمس يكتظ موقف السيارات تحت الكوبري بالطلبة , ويقل عدد السيارات ويصعب عليهم الوصول إلى كلّياتهم .لا أحد من المسئولين أو السائقين يبالي أو يهتم  لأمرهم, فلكل ٍ منهم اهتماماته الأخرى .

   وهي على حالتها تلك أحاط بساقيها  ذراعان قويان , وحملاها بعيدا عن الأرض , قبل أن تداهمها حمى الرعب المميت , ضغطت علبة الرش التي في يدها اليمنى بكل قوة , وهي تسدد فوهتها في وجه الوحش الغادر الذي كاد أن يقذف بها في النيل سقطت على رصيف الكوبري

والشعرة التي بين روحها وجسدها تكاد تنفصم , لمحت الوحش وهو يصرخ ويقفز في مكانه من شدة الألم الذي أصاب عينيه , إنه نفس المجذوب الذي تراه كل يوم نائما أو جالسا القرفصاء على الرصيف بثيابه البالية الممزقة التي تبدي من جسده أكثر مما تواري , طفق يقفز كالدجاجة المذبوحة ويصرخ حتى اصطدم بالسور ، وهوى في النيل , كل ذلك حدث في لمح البصر !

  لم تذهب إلى الكليّة , حبست نفسها أياما في البيت , في حجرتها  .  بعد  فترة أصبح حديث الساعة في  الأخبار , وفي الجرائد العثور على جثة جديدة في النيل انتهت التحقيقات وأغلق المحضر على أنها حالة انتحار تم قيدها برقم ( 11 ) , بعد ذلك توقفت الحوادث تماما في هذا المكان  لم يعد أحد يسمع أو يقرأ عن أي حالات انتحار أو غرق  , ومع ذلك , ورغم مرور سنوات , ما زال الناس يعتقدون أن هؤلاء الضحايا انتحروا . فهي لم تخبر أحدا حتى الآن بما حدث لها !!

     تأليف / متولي محمد متولي بصل                       

15 ـ 8 ـ 2018 م


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...