الحالة رقم ( 11 )
في منتصف
الكوبري العلوي توقفتْ , لم تشرق الشمس بعد ! الكوبري خال ٍ من المارة , ومن
السيارات العابرة , لا أحد تقريبا إلا هي , و ذلك المجذوب التعس النائم على الرصيف
عند أول الكوبري , والذي يحسبه كل من يراه
ـ لأول وهلة ـ قطعة بالية من الرصيف المتهالك .
تلفتت حولها في خوف , إنه نفس المكان الذي ابتلع ـ في أقل من ثلاثة أشهر ـ
عشرة ضحايا في نفس عمرها تقريبا ! شباب و شابات
في عمر الزهور لقوا حتفهم في هذا المكان ! يداها ترتعشان في إحداهما منديل
ٌ ورقي , و في الأخرى علبة رش تمسكها بإحكام
الدموع التي
انهمرت من عينيها , جففتها بالمنديل الورقي تركته يسقط نحو النيل ,ووقفت تراقبه
. أمامها في الأفق بدأ شروق الشمس , مشهد
خرافي ! تذكرت أن البعض قالوا أن سر انتحار الضحايا في هذا الوقت تحديدا يرجع إلى
طقوس مزعومة , وأن هؤلاء الشباب كانوا من عبدة الشيطان !! راودتها أمنية أعجب من
هذا , لقد تمنت لو تستطيع حرق كل من يطلقون هذه الشائعات , وكل من يروجونها
تذكرت صديقة
عمرها ورفيقة دربها , والتي أصبح اسمها على صفحات الجرائد وشاشات القنوات الحالة
رقم ( 10 ) !! . أُغلق التحقيق وقُيّد على أنه حالة انتحار , تماما كما حدث مع من
سبقوها ! . إنها لا تُصدق أبدا أنها انتحرت , مستحيل أن تنتحر .. مستحيل !
انتابها الهلع
عندما صك أذنيها نباحُ قطيع ٍ كبير من
الكلاب الضالة , رأت الموت يقترب وهى ترى كل هذه الكلاب الشرسة تركض ركضا نحوها ,
همّت بالفرار , لكنها تسمّرت مكانها عندما تذكرت نصيحة زميلتها الراحلة : ـ إذا
نبح عليك كلب , فلا تجري , فإن الكلاب تشم رائحة الخوف . وبالفعل عبرت الكلاب أمامها دون أن تلتفت إليها
, والعجيب أن الكلاب كانت تركض مذعورة ً وكأنها تفر من وحش ٍ مفترس ! . ما هذا
الوحش الذي يُمكن أن يسبب كل هذا الرعب لقطيع كبير من الكلاب الضالة ؟! هدأت قليلا
وهى ترى الشمس تملأ الأفق , كان مشهدا ً مهيبا
.عادت تسأل نفسها نفس السؤال ( لماذا انتحرت ؟! ) جاءت إلى نفس المكان وفي
نفس الموعد , كثير من زملائها يعبرون الكوبري في هذا الوقت المبكر جدا والخطير ,
ليتمكنوا من اللحاق بسيارات المدينة الجديدة بسهولة ويُسر , فبعد شروق الشمس يكتظ
موقف السيارات تحت الكوبري بالطلبة , ويقل عدد السيارات ويصعب عليهم الوصول إلى
كلّياتهم .لا أحد من المسئولين أو السائقين يبالي أو يهتم لأمرهم, فلكل ٍ منهم اهتماماته الأخرى .
وهي على
حالتها تلك أحاط بساقيها ذراعان قويان ,
وحملاها بعيدا عن الأرض , قبل أن تداهمها حمى الرعب المميت , ضغطت علبة الرش التي
في يدها اليمنى بكل قوة , وهي تسدد فوهتها في وجه الوحش الغادر الذي كاد أن يقذف
بها في النيل سقطت على رصيف الكوبري
والشعرة التي بين روحها وجسدها تكاد تنفصم , لمحت الوحش
وهو يصرخ ويقفز في مكانه من شدة الألم الذي أصاب عينيه , إنه نفس المجذوب الذي
تراه كل يوم نائما أو جالسا القرفصاء على الرصيف بثيابه البالية الممزقة التي تبدي
من جسده أكثر مما تواري , طفق يقفز كالدجاجة المذبوحة ويصرخ حتى اصطدم بالسور ،
وهوى في النيل , كل ذلك حدث في لمح البصر !
لم تذهب إلى
الكليّة , حبست نفسها أياما في البيت , في حجرتها
. بعد فترة أصبح حديث الساعة في الأخبار , وفي الجرائد العثور على جثة جديدة في
النيل انتهت التحقيقات وأغلق المحضر على أنها حالة انتحار تم قيدها برقم ( 11 ) ,
بعد ذلك توقفت الحوادث تماما في هذا المكان
لم يعد أحد يسمع أو يقرأ عن أي حالات انتحار أو غرق , ومع ذلك , ورغم مرور سنوات , ما زال الناس
يعتقدون أن هؤلاء الضحايا انتحروا . فهي لم تخبر أحدا حتى الآن بما حدث لها !!
تأليف / متولي محمد متولي بصل
15 ـ 8 ـ 2018 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق