الأحد، 25 يوليو 2021

 لعبة الشيطان

       تقابلا أمام مكتب السعادة لأعمال السمسرة؛ أحدهما ذو لحية؛ مستدير الوجه؛ تتوسط جبهته البيضاء زبيبة سمراء؛ والآخر حليق؛ على رقبته ندبة غائرة؛ يبدو متوترا؛ ويتلفت حوله كثيرا؛ وكأنه يخشى أن يراه أحد! همس الأول قائلا:

-  اهدأ يا أخي حتى لا تلفت الأنظار إلينا!

-  لو رآني أحد؛ ستسوء سمعتي؛ اللعنة على النساء، فهن سبب كل بلاء!

-  يا أستاذ شوقي نحن لا نسرق، تمالك نفسك، الموضوع سهل جدا.

 - صدقني يا إبراهيم أنا أحاول أن أكون هادئا مثلك، لكن قلبي تتزايد دقاته حتى أصبحت أسمع صوتها، أشعر أنه سينفجر من شدة التوتر والقلق..

-  هذا لأنها المرة الأولى لك ؛ المرة الأولى دائما تكون الأصعب.

-  أفهم من كلامك أنك جئت هنا من قبل!

 - لا، لا يا أستاذ شوقي إنها المرة الأولى لي، ولكنني مؤمن أنه لن يصيبك إلا نصيبك.

 - هاها! مؤمن .. أتينا لارتكاب جريمة، وتتحدث عن الإيمان!

-  يا أخي اخفض صوتك، ما هذا الكلام الذي تقوله ألم نتفق على أن الضرورات تبيح المحظورات؟!

من وراء الباب الزجاجي ظهر شخص مسن؛ فتح الباب من الداخل؛ ثم عاد وجلس أمام المكتب؛ فدخل الاثنان؛ وأغلقا الباب خلفهما؛ قال إبراهيم مبتسما:

 - يا صباح الهنا والسرور يا عم أحمد يا ملك السعادة!

-  طلبات الأساتذة.. عندي شقق؛ وعشش؛ بدروم؛ جراج ..

مال إبراهيم ناحيته حتى كاد فمه يلامس أذن السمسار؛ وهمس قائلا:

-  طلباتنا .. أبو الزغاليل كلمك ؛ وعرفك طلباتنا

هز السمسار رأسه،، وقال متعجبا وهو يدقق النظر فيهما:

-  أبو الزغاليل! أنتما من طرف أبو الزغاليل! لكني لم أتشرف برؤية وجهيكما من قبل!

رد شوقي والذي كان صامتا؛ وقال:

-  لأنها أول مرة .. واحتمال تكون آخر مرة ؛ ممكن حضرتك تخلصنا!

اندهش إبراهيم من تسرع صاحبه شوقي، بينما قال السمسار بنبرة ساخرة:

 - يا أستاذ الشغل له أصول؛ وحضراتكم أول مرة تشرفوني؛ وضروري أتأكد من شخصية كل واحد منكما ، الموضوع ليس سلق بيض!

قال إبراهيم في محاولة منه لتهدئة الجو:

-  طبعا .. طبعا يا ملك؛ اتفضل أبو الزغاليل قال إننا نصور البطاقة؛ ونقدم لك صورة، اتفضل صورة بطاقتي!

-  وصورة بطاقته ؟!

السلام ناحية شوقي؛ الذي قام من مكانه كأنما لدغته أفعى؛ وصاح مستنكرا:

-  صورة البطاقة!! ناقص تطلب مني أكتب طلب وألصق فوقه ورقة دمغة!

-  واضح إنك ابن نكتة، وتحب الفرفشة!

 - ابن نكتة؟!

قام شوقي؛ وخرج فتبعه إبراهيم، قال الأول غاضبا:

- مستحيل أقدم له صورة بطاقتي، أكيد يريدها لابتزازنا فيما بعد، لا لن أضع نفسي تحت ضرس شخص لا أعرفه!

-  يا أستاذ شوقي هو فقط يريد أن يتأكد من شخصياتنا، فما أدراه أننا لسنا بوليس أو مباحث آداب، أبو الزغاليل أخبرني إنه سيطلب صورة البطاقة الشخصية الموضوع سهل وبسيط، اخز الشيطان يا أستاذ وتعالى ننهي الموضوع؛ ونرجع دمياط لأعمالنا وأشغالنا!

 - أخزي الشيطان! تصدق يا إبراهيم إنك نوع غريب من البشر!

-  أتسخر مني يا أستاذ شوقي، والله العظيم أنا كل من يعرفني يناديني ( يا شيخ إبراهيم) من حبي للدين، وحرصي على الصلاة والصوم، ولما تزوجت؛ تزوجت ابنة إمام المسجد ، ولولا مرضها العجيب ما كنت رضيت أن أكون في هذا الموقف الذي لا أحسد عليه!

 - لا تؤاخذني يا شيخ إبراهيم، أنا أعرف ظروفك .. يا أخي الحال عندي كما عندك، وأنت إنسان طيب ومحترم، ولو ثقتي فيك ما حكيت لك قصتي ومشكلتي، ولا كنت وافقتك ومشيت وراءك، لكن قلبي لا يطاوعني على ارتكاب هذه الجريمة!

 - أفهم من كلامك أنك لم تطلق زوجتك!

 - الحقيقة لا، لم أطلقها .. لم أستطع.

-  لم تستطع! لكن أنا طلقت زوجتي، ليتني لم أطلقها؛ الدنيا كلها انهدت فوق رأسي بمجرد أن طلقتها .

 - يا أخي اسمعني، زوجتي مريضة جدا، ولو طلقتها في هذه الظروف ممكن تموت، مجرد ما افتعلت معها مشكلة حتى أمهد لأرمي عليها يمين الطلاق وقعت على الأرض وفقدت الوعي، يا أخي أنا قررت أفعل هذا الأمر دون أن أطلقها، وربك غفور رحيم أكيد سيغفر لي!

-  زوجتي أيضا مريضة، ولم تحتمل الصدمة وأغمي عليها بمجرد أن طلقتها؛ ولسوء حظي أهلها كانوا أمام باب الشقة اختاروا هذا الوقت لزيارتنا؛ وابني الصغير فتح لهم؛ ودارت معركة بيني وبين أبيها الذي لم يحتمل رؤية ابنته في هذه الحالة؛ ودون قصد فتحت له حاجبه؛ والدم غرق وجهه؛ والموضوع كبر ووصل للشرطة؛ الرجل قدم بلاغ إني ضربت زوجتي وضربته!

-  ياه! الله يكون في عونك، أنت رميت نفسك في مصيبة، يا أخي كنت خنها، واستغفر ربنا بعدها، إنما تقول لازم تطلقها حتى تكون عقوبة الزنا أخف، لأنك لو زنيت وأنت متزوج العقوبة الشرعية الرجم حتى الموت، أما لما تطلقها تصبح العقوبة جلد فقط، ثم بعد ذلك ترد زوجتك .. بصراحة تفكيرك عجيب جدا!

 - عندك حق، أتعرف ما هي التهمة التي اتهمني بها حماي العزيز؟!

-  إنك ضربته، وفتحت له حاجبه!

- ها ها .. أولاد الحلال أخبروني أن محامي قريبه نصحه أن يدعي أنني أنتمي لجماعة متطرفة هدفها قلب نظام الحكم؛ وأنه هو وابنته كانا يحاولان إقناعي بالابتعاد عن هذا الطريق المظلم؛ فما كان مني إلا أن اعتديت عليهما بالسب والضرب المبرح!

- معقول؟!

- كان أملي أحل مشكلة، وقعت نفسي في مصيبة كبيرة!

- لا، لا توجد أي مصيبة، بمجرد أن ترد زوجتك، وتعتذر لحماك ستنتهي كل المشاكل!

- الخلاصة.. ممكن نرجع لعم أحمد؛ ونخلص الموضوع!

- لا ، يا شيخ إبراهيم الموضوع لا يحتاج واسطة ولا سمسار، بائعات الهوى في كل مكان.

- بصراحة أنا مندهش من تحولك المفاجئ، كنت خائفا وأعصابك متوترة، والآن – بسم الله ما شاء الله- تتكلم وكأنك خبرة في هذه الأمور!

- انظر ناحية اليسار، وستعرف السبب!

حيث أشار كانت قد جلست امرأتان بارعتا الجمال بملابس شفافة تظهر من مفاتنهما أكثر مما تخفي، سأل إبراهيم صاحبه

- تفتكر ..

- طبعا، ألا ترى ملابسهما، والماكياج، وطريقة الكلام، كل شيء يقول أنهما من فتيات المتعة!

- وكيف نتأكد؟!

- ندفع لهما حساب الطلبات،  ونرى رد فعلهما.

- معقول، لا أصدق أنك أنت نفسك الأستاذ شوقي الرجل المحترم!

- انجز يا محترم قبل ما الزغاليل تطير!

بعد قليل خرج الرجلان، وقد تأبط كل منهما ذراع إحدى المرأتين، ولم يصدق أي واحد منهما نفسه عندما أخبرتهما المرأتان أن عندهما شقة قريبة من السوق؛ فغمز شوقي لصاحبه، وقال هامسا:

- أرزاق يا عم إبراهيم يا حلاق، عروسة بشقة!

- بالمناسبة- ونحن نسير في الشارع – ألا تخشى من أن يراك أحد، وفي يدك هذه الجميلة؟!

- بصراحة أنا الآن أخاف .. لكن من الحسد!

لم يخطر على بال أي منهما أن الشيطان نفسه ينتظرهما في هذه الشقة التي سيدخلانها بعد قليل؛ فبمجرد احتسائهما كأسين فقط فقدا الوعي؛ ثم تحولت الشقة بسرعة إلى ما يشبه غرفة العمليات الموجودة في المستشفى! أجهزة طبية؛ وشاش؛ وقطن! واختفت المرأتان؛ وظهر أربعة أشخاص بثياب بيضاء وكمامات وقفازات طبية! نظر أحدهم في ساعته، ثم قال منبها زملاءه:

- قبل أن نفتح أريدكم أن تتأكدوا من أن مبردات صناديق الحفظ تعمل جيدا، لا أريد أن يفسد أي عضو كما حدث في المرة السابقة.

كان كل من شوقي وإبراهيم في غيبوبة كاملة؛ وجسد كل منهما ممدد فوق منضدة طويلة، وهو شبه عار، وقبل أن يلمس المشرط جسد إبراهيم؛ فوجئ الجميع بجلبة كبيرة أمام باب

الشقة الذي انفتح جراء دفع رجال الشرطة؛ الذين انتشروا بسرعة في كل مكان داخل الشقة؛ وقبضوا على كل من فيها، أما شوقي وإبراهيم فتم نقلهما بسيارة إسعاف إلى مستشفى رأس البر.

نجا الرجلان من موت محقق، ومن سرقة أعضائهما، لكن فضيحة مدوية كانت في انتظارهما!.

 

تأليف / متولي بصل

دمياط

25  /  7  / 2021 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...