الاثنين، 28 سبتمبر 2020

السيدة الأولى

 

السيدة الأولى

       عمل ُ زوجها في مبنى التنظيم والإدارة، أكسبهم مهابة واحتراما بين الجيران، في الحي القديم، بجوار مسجد النفيس؛ وكانت نظرات الحسد تلاحقها هي وزوجها وبناتها الثلاث في كل ذهاب وإياب، ومع أن حياتهم كانت تسير على وتيرة واحدة لا تتغير ولا تتبدل؛ إلا أن الشائعات التي تتناقلها الألسنة كانت تؤكد أن مكاسب زوجها من وراء منصبه الحساس والمهم كبيرة جدا !

       تعودت أن تتجنب مخالطة جيرانها، وكذلك فعل زوجها؛ فلم يهتم قط بمصاحبة أي شخص من جيرانه؛ لدرجة أنه لا يعرف اسم أي واحد منهم، سواء كان رجلا أو امرأة أو طفلا! وعلى العكس كان الجميع يعرفون عنهم كل صغيرة وكبيرة؛ من كثرة مشاجراتهما معا ! فقد كانت مشاجراتهما شبه يومية، و استمرت حتى بعد وفاة أمه، ويبدو أن أسبابها أصبحت تنحصر في وجود أخته المعاقة، وإقامتها معهم في الشقة؛ فقد كانت تعتبر وجود هذه الأخت المريضة خطرا على مستقبل بناتها؛ فمن سيرحب بالزواج من فتاة لها عمة مجنونة !

       أصبحت أكثر شراسة من ذي قبل، فلم تكن مستعدة للانتظار حتى وفاة أخته هي الأخرى؛ لتنفرد بمملكتها الصغيرة، وتشعر فيها بالأمان، رغم أن هذه المملكة لم تكن سوى شقة رغم أنها كبيرة المساحة إلا أنها قديمة جدا !

       كثيرا ما كانت تحاول أن ترسم لنفسها صورة السيدة المهمة؛ زوجة الرجل المهم، وكذلك كان زوجها يحاول أن يضع نفسه في صورة جميلة، تليق بمنصبه المرموق الذي وصل فيه إلى درجة أنه لا يوجد بناء في دمياط مهما كبر أو صغر يمكن أن يرى النور إلا بعد الحصول على موافقته وتوقيعه شخصيا، ومن دون ذلك التوقيع يصبح هذا البناء في حكم العدم !

حاولا كثيرا ولكن سرعان ما كانت هذه الصورة المنمقة تهتز، وتصبح مشوشة بسبب مشاجراتهما التي لا تنتهي، وبسبب المشاكل التي تسببها أخته المعاقة، رغم أنها معظم الوقت حبيسة غرفتها !

       وكم حاولت أن تقنع زوجها بأن يدخل أخته مصحة نفسية وعقلية؛ لكنه كان يرفض بإصرار، وكانت دائما تخوفه قائلة :

-       يا حمدي البنات كبرت، وفي أي لحظة ستفاجأ بعريس يطلب يد واحدة منهن، ماذا سيكون رأيه عندما يرى أختك المجنونة ؟!

-       يا سهام، أرجوك لا تقولي عنها مجنونة، هي معاقة ذهنيا، وليست مجنونة !

-       مجنونة ومليون مجنونة؛ ألا ترى الفضائح التي تسببها لنا كل يوم، إنها لا تكف عن الصراخ من النافذة، ومعاكسة الرائح والغادي، إذا كنت لا تريد الاعتراف بهذا الأمر فأنت حر، ولكن حرام عليك تضر بناتك، وجود أختك سيبعد الخطاب والعرسان !

-       الزواج قسمة ونصيب، وإن شاء الله سيكون نصيب بناتنا خيرا !

-       قسمة ونصيب لكن نأخذ بالأسباب يا حمدي، ابنتنا الكبرى سارة أنهت دراستها منذ ثلاث سنوات، ومع ذلك لم يتقدَّم لها أحد حتى الآن، وسلوى وسمية نفس الموضوع، مع إن كل واحدة منهن كسرت العشرين !

في كل مرة كان يؤكد لها أنه يعرف مصلحة بناته، وحريص عليهن، وفي نفس الوقت كان يصر على أن أخته خط أحمر، وأن خروجها من الشقة مستحيل !

       تمسكه بوجودها معهم كان يثير جنونها؛ لدرجة أنها فكرت أكثر من مرة في التخلص منها، حتى إنها في صباح أحد الأيام بعد أن ذهب هو إلى عمله، وكانت البنات غارقات في النوم، تسللت إلى حجرة أخته، وتحايلت حتى خرجت بها من الشقة! كانت معظم المحلات في ذلك الوقت مغلقة، ذهبت بها إلى محطة القطار وهناك اشترت تذكرة ذهاب إلى القاهرة ولم تتركها إلا بعد أن تحرك بها القطار ثم عادت إلى الشقة في هدوء ونامت وكأن شيئا لم يحدث!

       كانت تعرف أن القاهرة كبيرة وأن جميلة ستضيع في الزحام كانت تقول لنفسها وهي راقدة في سريرها :

-       جميلة عبيطة ومجنونة، لسانها معلق، وكلامها غير مفهوم، وليس معها أي شيء يدل على شخصيتها أو عنوانها، أكيد هي لن تعود انتهت المشكلة الأزلية؛ حمدي سيحزن أسبوعا، وربما شهرا، لكنه في النهاية سينساها، وسنعيش حياتنا في هدوء مثل باقي الناس !

        عاد زوجها في الثالثة عصرا كعادته، فوجدها هي والبنات غارقين في البكاء! أخبرته أنها عندما استيقظت من النوم اكتشفت اختفاء جميلة؛ وأنها خرجت هي والبنات للبحث عنها في الشوارع ولم يعثرن لها على أثر!

هاج وماج وخرج كالمجنون يبحث عنها؛ وانتصف الليل ولم يعد؛ فأصابها القلق والأرق ثم فوجئت بمكالمة هاتفية من المستشفى التخصصي تخبرها أن زوجها محجوز في العناية المركزة نتيجة إصابته بجلطة ! صرخت، ووقعت على الأرض منهارة، وهي لا تصدق ما قيل لها وارتفع نحيبها، وهي تقول بذهول :

-       إلى كل هذه الدرجة تحب أختك ! لو كنت أنا التي اختفيت لما أصابك كل هذا الحزن .. .. جلطة .. .. إلى هذه الدرجة !

في المستشفى شعرت ببشاعة جريمتها، وهي ترى زوجها بين الحياة والموت، والخراطيم الصغيرة الدقيقة مغروسة في عنقه، وأجزاء من جسده، وهو غائب عن الوعي! حتى إنها فكرت أن تسافر إلى القاهرة، وتبحث عن جميلة، لتنقذه فقد كان يبدو كمن يعاني من سكرات الموت!

       جاءتها مكالمة هاتفية على هاتف زوجها الذي كانت موظفة في قسم العناية قد سلمته لها، مع بعض المتعلقات الأخرى التي تخص زوجها، على الجانب الآخر سمعت صوتا جهوريا صك طبلة أذنها، وهو يبلغها أن جميلة عنده في الحفظ والصون، وأنه سيحضرها معه في الصباح في أول قطار قادم إلى دمياط، اندهشت وتساءلت كيف عرف صاحب الصوت رقم هاتف زوجها! وكيف عرف أن جميلة من دمياط! مستحيل تكون أخبرته؛ إنها لا تستطيع ذلك!

       مع شروق شمس اليوم التالي، كانت تجلس على أحد مقاعد المحطة، حرصت ألا تحضر معها أحدا من بناتها، فقد كانت خائفة من أن تفهم البنات إشارات وكلمات جميلة، ويعلمن أن أمهن هي المسئولة عن كل ما حدث .

       فوجئت بأن القادم مع جميلة امرأة وليس رجلا كما فهمت من الصوت الجهوري الأجش الذي كلمها ! امرأة خمسينية قوية جلست إلى جوارها بعدما أجلست جميلة؛ التي كانت تبدو في حالة يرثى لها! فاجأتها بصوتها الغليظ الغريب وهي تقول :

-       بنتكم كانت واقعة في مصيبة ! كيف تتركونها وحدها؟! حرام عليكم؛ أولاد الحرام في كل مكان مثل الكلاب المسعورة !

-       لا، هي ليست بنتنا، هي أخت زوجي الباشمهندس حمدي

-       حمدي! الكلمة الوحيدة على لسانها حدي  حدي يا حبيبتي كانت تنادي على أخيها !

-       هو حضرتك من القاهرة ؟!

-       لا حضرتي من طنطا !

-       طنطا! هي نزلت في طنطا ؟!

-       يا هانم، هي تعرف طنطا من طنط ؟! قلت لك أولاد الحرام في كل مكان، والله العظيم بنتكم كان زمانها في خبر كان.

-       كلك شهامة،  الحمد لله أنك وجدتها قبل أن يصيبها مكروه !

-       مكروه ، يا هانم أنا كنت واقفة أمام الفرش، على رصيف المحطة، سمعت المحروسة تصرخ، وسنجة البلطجي يشدها من شعرها كالذبيحة، ويجرجرها أمامه، ولما تجمَّع الناس لنجدتها؛ ثار كالثور الهائج، وادعى أنها أخته، وأنه يريد أن يعيدها إلى البيت، وطبعا كل الخلق من خوفهم صدقوه !وحتى من لم يصدقه لم يستطع أن يفتح فمه ! لأنه بلطجي وفاجر !

-       يا حبيبتي، الله يلعنه أكيد كانت نيته سوء !

-       كانت نيته يغتصبها، وكان ممكن بعدها يقتلها، ويرميها؛ لكن والله العظيم ما هانت علي َّ، تركت الفرش، وقمت له، وخلصتها منه !

-       لكن حضرتك قلت ِ أنه بلطجي، وأكيد سينتقم منك !

-       بلطجي على نفسه يا هانم، معذورة لأنك لم تسمعي عني، أنا بفضل الله قدارة والناس كلها تعمل لي ألف حساب، ما يغرك مظهري! سبحان من حنن قلبي على بنتكم !

قبل أن تنصرف لتلحق بالقطار الذي سيعود بها إلى طنطا، أخرجت من ملابسها ورقة وسلمتها لها، وهي تقول :

-       الورقة المكتوب فيها العنوان، ورقم التليفون كانت في القلب الموجود في العقد !

تذكرت أن حمدي كان حريصا على ألا يفارق هذا العقد رقبة أخته، كان دائما يصر على أن ترتديه !

       في المستشفى مجرد أن رأى حمدي أخته؛ تحسنت حالته، وتماثل للشفاء سريعا، وكأن روحه قد عادت إليه من جديد!

       عاد حمدي إلى البيت، وبدأت سهام تتقبل وجود جميلة على كره منها، بعدما رأته من تعلق زوجها بها، إنها لم تر في حياتها أخا يحب أخته كل هذا الحب ! وبدأت الأيام تمر وهي تحلم بطريقة تتخلص بها من هذه الشوكة المغروسة في حلقها، ولكن دون أن تسبب لزوجها أي ضرر أو أذى، واهتدت إلى أن أنسب طريقة لذلك هي تزويجها !

       ولكنها عندما عرضت الأمر على حمدي؛ قابلها بالرفض الشديد! حاولت أن تقنعه بكل الطرق؛ فلم تفلح إلا عندما طلبت الطلاق؛ عندها أظهر لها الموافقة، وهو يقول لها بثقة :

-       لا يوجد في هذا العالم إنسان عاقل سيفكر في الزواج من فتاة في الثانية والثلاثين بينما عمرها العقلي ست سنوات فقط معقول جميلة تتزوج .. .. جميلة إذا احتاجت تشرب تقول ( إمبو ) .. .. حرام عليك ِ يا سهام !

لم توهن كلماته من عزيمتها، وطافت بكل مكاتب تسهيل الزواج، وأنفقت الكثير من وقتها ومالها، ومرت شهور وهي تسعى ولكن بلا جدوى؛ حتى سمعت بالشيخة سندس إنها عجوز شبه مقيمة في جامع البحر الكبير، البعض يسميها الخاطبة، والبعض الآخر يسميها أم الحنة، ولكن الجميع ينادونها الشيخة سندس ! بلغت شهرتها الآفاق في لم الشمل، وتزويج من يبغي الزواج؛ لدرجة أن من يعرفونها يقولون عنها أنها تزوج العفريتة ! وكان هذا بالضبط ما تبحث عنه سهام .

       قبل أن ينقضي الأسبوع، فوجئت ببركات الشيخة سندس تحل عليها، أخبرتها في الهاتف أنها وجدت ابن الحلال الذي يناسب جميلة، صحيح هو أصغر منها، فهو في السابعة والعشرين من عمره؛ إلا أنه حاصل على بكالوريوس ؛وكان سيكمل دراسته، ويحصل على الماجستير، والدكتوراه، ولكن القدر لم يمهله؛ صدمته سيارة وكانت نتيجة ذلك أن أصبح معاقا حيث تأثر مخه بدرجة كبيرة، وظهر ذلك في كلامه، وحركاته، وقالت لها إن له شقة في دمياط الجديدة جاهزة ومفروشة بأرقى الأثاث وأن أخته واسمها إيمان هي المسئولة عنه وسوف تحضر معه!

       في الموعد المحدد فتحت الباب، وأخذت تتحرك في الشقة ذهابا وإيابا، وهي لا تصدق أن جميلة ستتزوج، ولم تهدأ دقات قلبها إلا عندما رأت بعينيها العريس الموعود يصعد درجات السلم بمساعدة أخته؛ استقبلتهما بحرارة وحفاوة شديدة، كما لو أنها تستقبل عريس ابنتها، ثم أدخلتهما حجرة الاستقبال، كان يعرج بساقه اليسرى، وذراعه اليمنى تتدلى بجانب جسده، وظهره محني بشكل ملفت، ويده السليمة ورقبته لا تكفان عن الاهتزاز، فيده ترتعش باستمرار، ورأسه تهتز بطريقة غريبة، ولكنه رغم كل هذا كان وسيم الوجه، طفولي الملامح،أجلسته أخته ثم جلست بجواره، وهي تقول :

-       أخي أشرف العريس وأنا أخته إيمان أظن الشيخة سندس أخبرتكم بكل شيء !

-       يا أهلا وسهلا يا أستاذ أشرف .. ..  يا أهلا وسهلا يا أستاذة |إيمان .. .. تمام الشيخة بلغتني كل شيء.

وما أسرع ما دخلت الابنة الصغرى سمية ومعها عمتها جميلة في أبهى زينة ثم انسحبت لتلحق بأختيها المختبئتين وراء الباب تتابعان ما يدور بشغف! الكبرى سارة كانت تتعجب فالعريس رغم ما يبدو عليه من بلاهة وسذاجة إلا أنه كان وسيما جدا؛ لدرجة أنها قالت بتحسُّر :

-       حظك نار يا عمتي، عريسك قمر !

أما سمية وسلوى فكانتا غارقتين في نوبة من الضحك مما يدور بين أشرف وجميلة !

       مرت الأيام، وسهام تحاول بكل الطرق إتمام الزواج المرتقب، رغم ما يبديه زوجها من معارضة شديدة ! وفي إحدى الليالي بينما كان أشرف يجلس مع جميلة، وكانت أخته إيمان تجلس مع سهام، أراد أشرف أن يذهب إلى الحمام، فقامت أخته لتساعده حتى وصل باب الحمام، ونسيت أن تنتظره، وعادت لتكمل حديثها مع سهام، وعندما خرج أشرف لم يجد أخته ولم يفطن إلى العينين اللتين كانتا تتابعانه في صمت من وراء الستائر! كان بين الحمام وحجرة الاستقبال ممر طويل، وعلى الحائط بجوار باب الحمام مرآة كبيرة، وقف أمامها يعدل هندامه، وفجأة، فرد عموده الفقري، وحرك ذراعه التي لم يكن يحركها؛ ذهلت سارة وهي تراه يتحرك بكل سلاسة! إنه سليم، ذراعه، ساقه، كل شيء فيه سليم، فلماذا يمثل دور العاجز الأبله ؟!

       أخبرت أمها بما رأته، ولكنها في البداية لم تصدق، وظنت أنها حيلة من زوجها، لإفشال الزواج، ولكنها عندما تبينت صدق ابنتها قالت لها وهي ترجوها :

-       الموضوع عجيب، وغريب فعلا يا سارة، لكن أصلا أبوك رافض موضوع زواج عمتك، ولو أخبرناه بما قلته لي الآن ستظل عمتك في الشقة، ولن تتزوج أبدا أرجوك ِ يا حبيبتي لا تخبريه !

-       لكن يا ماما، عريس الغبرة هذا لماذا يمثل دور العاجز العبيط؟! ثم إننا لم نر إلا أخته، أين باقي أهله أليس له أب أو أم وأين زوج أخته لماذا لا يأتي ؟!

-       يا حبيبتي، المهم نخلص من جميلة، يتزوجها أولا وإذا ظهر إنه لص أو نصاب فهو الخسران !

-       يا ماما، افرضي أنهم عصابة من عصابات تجارة الأعضاء  .. .. لا، إنها في الأول والآخر عمتي أخت بابا، سأخبر أبي بكل شيء، لن أسمح بأن تكون عمتي المسكينة ضحية لهؤلاء النصابين !

       في الزيارة التالية، بعدما جلس أشرف وأخته كالمعتاد، حرص حمدي أن يكون موجودا، وبعد أن دارت صينية الشاي بقليل، وبدأ مفعول المخدر يسري؛ قام حمدي بربط وتوثيق أشرف وأخته بالحبال التي كان قد أحضرها لهذا الغرض! وعندما أفاقا هددهما بأنه سيبلغ الشرطة إن لم يخبراه بالحقيقة، قالت إيمان وهي تحاول أن تخفي هلعها :

-       من مصلحتك ألا تبلغ الشرطة لأنك وقتها أنت الذي ستدخل السجن وليس أنا أو أخي !

-       أنا الذي سأدخل السجن! لماذا لأنني ربطتكما بعد أن عرفت أنكما عصابة من النصابين ؟!

-       لا، ستدخل السجن لأنك موظف مرتشي !

هربت الدماء من وجهه، ولكنه حاول أن يتمالك نفسه، أمام زوجته وابنته الكبرى سارة، فقال لها :

-       كنت أحسبكما عصابة تتاجر في الأعضاء، كما قالت ابنتي لكنني الآن فهمت ماذا تريدان من أختي، ولكن كيف عرفتما بهذا الأمر ؟!

-       زوجي محاسب في نفس البنك الذي فتحت فيه حسابا باسم جميلة من سنين !

-       يا مجرمين، يعني الزواج كان خطة لسرقة أموالي !

أصاب الذهول سهام وسارة اللتان كانتا تنظران إليه، وهما لا تصدقان ما يحدث، وفجأة صرخت سهام بحرقة :

-       تضع أموالك في حساب أختك المجنونة، وتبخل على زوجتك وبناتك!

-       يا مجنونة أنت ِ زوجتي، ولو وضعت المال في حسابك ستتم مصادرته، إذا تم اكتشاف أمري .. ..  يا سهام، أنا عملت كل هذا من أجلك أنت والبنات، كله من أجل تأمين مستقبلكم !

-       وكم يبلغ هذا المال يا حمدي؟

ردت إيمان بخبث :

-       تحب أعرَّفها أنا .. .. يُستحسن تفكنا وتتركنا نرحل في سلام، وأحب أعرَّفك أن زوجي يعرف كل شيء، وإذا تأخرنا أكثر فسيبلغ الشرطة، صدقني،  ستجد رجال الشرطة أمام باب شقتك إذا  تأخرنا أكثر!

       بعد أن كشف الجميع أوراقهم؛ خرج أشرف وأخته إيمان، وذهبا دون رجعة، لكنهما تركا شرخا كبيرا لا يمكن علاجه، أو إصلاحه، ولم يكن هذا الشرخ هو ما حدث بين حمدي وسهام بسبب الملايين التي يضعها في حساب جميلة، فقد كان قادرا على إرضاء زوجته بأن يضحي ببضعة ملايين يجعلها تحت تصرفها، لكن الشرخ الكبير الذي لم يفطن إليه أحد، كان هو الكسر الذي أصاب قلب جميلة، فهي رغم إعاقتها الواضحة، وعدم قدرتها على التعبير عن مشاعرها؛ إلا أن قلبها كان قد تعلَّق بأشرف، وأصبحت تنتظر قدومه بفارغ الصبر، وعندما انقطعت زياراته، وأغلقوا عليها باب حجرتها؛ حتى لا تستطيع الخروج للبحث عنه، أصابها حزن شديد؛ فامتنعت عن الطعام، وقلت حركتها، وساءت حالتها بصورة ملحوظة، وقبل انقضاء الشهر، حلَّقت روحها بسلام؛ وخلت الشقة أخيرا لسهام؛ لتصبح ولأول مرة السيدة الأولى في بيتها، ولكن العجيب أنه بعد وفاة جميلة، انتقلت الأسرة إلى رأس البر؛ وظهرت عليهم آيات الغنى والثراء حتى ظن من يعرفونهم أن جميلة قد أورثتهم تركة ضخمة !

تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط

28  /  9  /  2020 م

      

 

 

الأحد، 6 سبتمبر 2020

يا مولانا

يا مولانا
جرب الصفح وابذل الغفرانا
واطلب النصح كي تنال الأمانا
إن قلبي تجرع الصبر مرا
من سنين ولم يزل ظمآنا
بعدما عشت في الحياة طليقا
قد سجنت و لا أرى سجانا
ليت شعري ألست أنت حبيبي
كيف بالله قد أضعت هوانا
كيف حل الجفا مكان الوصال
يا زمانا رأيت فيه الهوانا
أي داء أصاب كل البرايا
لم يغادر من الورى إنسانا
حار فيه الحليم يا مولانا
والشجاع القوي صار جبانا
تأليف/ متولي محمد متولي بصل
دمياط
6 /  9 / 2020  م

دمت لي


دمت لي عاشقا
ودام هوانا
يا حبيبا
رأيت منه الحنانا
يا ربيعا 
زهت به الأحلام
يا جمالا
يجدد  الألوانا
املأ الكأس
فالشراب دوانا
واترك النصح
فالزمان كفانا
إن قلبي
تجرع الصبر مرا
من سنين 
ولم يزل ظمآنا
بعدما عشت
في الحياة طليقا
قد سجنت
و لا أرى سجانا
أي داء
أصاب كل البرايا
لم يغادر
من الورى إنسانا
ضل عقل الحليم
يا مولانا
والشجاع القوي
صار جبانا
تأليف متولي محمد متولي بصل
دمياط
6/ 9/ 2020 م

الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

الحب في الوقت الضائع

 

الحب في الوقت الضائع !

       أكثر من سبعين سنة قضيتها وأنا مقتنع بأن الهوس الذي يسمونه حبا ً ليس سوى نقمة وبلاء! أليس هو الذي دفع قابيل لقتل أخيه؟! أليس هو الذي نزع من كليوباترا عرشها وحياتها؟! أليس هو الذي جلب الجنون لقيس ابن الملوح؟! .

       كنت من أشد المؤيدين للنظرية التي تقوم على أساس أن الحب هو سبب كل المصائب التي تعاني منها البشرية !

       لذلك كنت حريصا أشد الحرص على ألا أقع فريسة ً لذلك الوباء الذي لا يرحم كبيرا ولا صغيرا؛ ولا يترك عظيما و لا حقيرا !

       ولولا أن الزواج هو الوسيلة الوحيدة المباحة والمتاحة للاستقرار والإنجاب ما كنت تزوجت ! لقد تزوجت ثلاث مرات؛ الأولى طلقتها لأنها كانت متكبرة ومغرورة؛ دراستها للحقوق؛ وعملها كمحامية؛ كل ذلك جعلها تتعالى علي َّ؛ وأنا لا يمكن أن أقبل أبدا أن تتعالى علي َّ امرأة حتى ولو كانت قاضية في المحكمة!

       والثانية – لا أدري لم نزلت هذه الدمعة من عيني ! ربما دخل في عيني شيء ما – الثانية طلقتها لأنها كانت عاقرا؛ طلقتها رغم أنها كانت تحبني لدرجة الجنون! والعجيب أنني سمعت بعد سنوات من تطليقها أنها تزوجت؛ وأنجبت بنتا ً! ظللت أضرب كفا بكف عندما بلغني هذا الخبر؛ وقلت وقتها :

-       ما أعجب تصاريف القدر !

أما الثالثة؛ فقد ماتت منذ عشرين سنة؛ بعدما أنجبت لي أربعة أولاد؛ وثلاث بنات، ورغم هذه الزيجات فإنني لم أشعر بأي عاطفة نحو أية واحدة منهن! فقط كنت أتزوج من أجل الزواج الروتيني والإنجاب!

       إنني أحيانا كنت أتعجب من حالي؛ ومن قلبي الذي لم تُفتحْ أقفاله ُ يوما! حتى ران عليها الصدأ! ربما كنت بليد الحس؛ ربما كان قلبي من حجر؛ فالمشاعر والأحاسيس لغة لا أفهمها؛ ولا أستطيع فك طلاسمها !

       ومع ذلك كانت لهذا التبلد حسناته! فقد جعلني أركز في عملي؛ وأتفرَّغ له؛ حتى حققت كل ما أصبو إليه؛ وبعدما كنت مجرد صبي نجار؛ أصبحت واحدا من كبار مصدِّري الأثاث في دمياط !

       الليلة .. .. المعبد الذي قضيت ُ العمر أبنيه؛ انهد َّ فوق رأسي بنظرة ٍ واحدة! ففي هذه الليلة التي اجتمع فيها بعض أولادي  وأحفادي للاحتفال بعيد ميلادي الثالث والسبعين! وفي اللحظة التي كنت أستعد فيها لإطفاء شموع عمري؛ أصابني سهم ٌ لا يخطئ مرماه! كسر كل أقفال قلبي؛ وألقى بها تحت أقدام الصغار الذين كانوا يرقصون ويغنون فرحا ببلوغي أرذل العمر!

       نظرة واحدة منحتني سعادة تكفي لإسعاد العالم كله؛ هذه السعادة التي غمرت قلبي؛ جعلتني أدرك كم كنت ساذجا جدا؛ وغبياً جدا؛ لدرجة أنني حرمت نفسي طول هذه السنين من هذا الشعور الرائع الذي لا يمكن وصفه؛ والذي جعلني أشعر وكأنني أعيش ألف ليلة وليلة !

       وجه ٌ ملائكي الملامح؛ بابتسامة فاتنة؛ ونظرة ساحرة؛ بعث في قلبي الحياة؛ وجعله ينتفض من مثواه؛ ويزيح ركاما هائلا من الحرمان!

       إنه وجه إحدى صديقات حفيدتي؛ وزميلتها في الدراسة؛ في العشرين تقريبا؛ أي أنها تصغرني بنصف قرنٍ من الزمان! يا إلهي أين كنت طيلة هذه العقود ؟!

       لا أحد في هذا العالم – قبلها – أثرَ في َّ كل هذا التأثير! إن لوجهها جمال ٌ آسر ٌ؛ ولنظرة عينيها سحر ٌكاسرٌ لا فكاك منه! حتى إن الجميع كانوا يسترقون النظر إليها!

       انتهى الحفل ُ؛ وآوى كل ٌّ إلى مخدعه ِ؛ أما أنا فلم يغمض لي جفن! وكيف أنام ؛ وأحرم نفسي من رؤية ذلك الطيف الجميل الذي لم يعد يفارق مخيلتي!

       سبع ليال ٍ مرَّت؛ وأنا أحاول أن أجد طريقة تحمل حفيدتي على دعوة صديقتها – ذلك الملاك الذي أسر قلبي وعقلي – إلى البيت؛ تحت أي مسمى! ولاحظت امرأة ابني ما جرى لي؛ بل ويبدو أنها عرفت ما أحاول إخفاءه ! إنها داهية لا تفوتها صغيرة ولا كبيرة؛ استطاعت أن تلعب بقلب ابني؛ وتتزوجه رغم أنفي!

       هذه الداهية فوجئت بها تقنع ابنتها بدعوة صديقتها للمذاكرة معها؛ حتى أصبح وجودها شبه يومي! وأصبحت أنا شبه مقيم في شقة ابني! بل وبدأت هذه الشيطانة تتفنن في تهيئة الأمور لي ولصديقة حفيدتي حتى نكون على انفراد! فكانت تشغل ابنتها في أي أمر من أمور المطبخ؛ ثم تتسلل لمراقبتنا؛ كنت أشعر بوجودها وهي تتجسس علينا؛ إنها شيطانة؛ وأفكارها خبيثة مثلها!

       كنت أعرف أن هذه الملعونة تدبر لي ملعوبا من ألاعيبها القذرة؛ التي تسببت في موت زوجتي الراحلة كمدا وحسرة! ومع ذلك غضضت الطرف عما تدبره  لي؛ فكل ما كان يشغلني هو أن أحظى بأوقات أنظر فيها إلى ملاكي؛ وأتأمل وجهها المنير؛ وأسمع صوتها العذب؛ قلت لها مرة عندما تركتنا حفيدتي لأمر ٍما:

-       سمعت أنك متفوقة في دراستك .. .. ولذلك شجعت " نهى" على أن تطلب منك أن تذاكري معها!

-       كنت متفوقة يا جدو .. .. لكن هذا العام درجاتي متدنية جدا .. .. حتى إن بابا يريدني أن أترك الجامعة !

-       تتركي الجامعة .. .. معقول هذا الكلام؟!

-       لا .. .. أنا لا أريد أن أترك الجامعة .. .. بابا هو الذي يصر على أن أتركها .. .. وزوجته .. .. هي السبب !

-       زوجة والدك .. .. هي والدتك .. ..

-       ماما الله يرحمها .. .. ماتت من سنة .. .. الله يرحمها؛ كانت كل شيء بالنسبة لي !

-       الله يرحمها .. .. الله يرحمها .. .. ووالدك تزوج بعد موتها .. .. أرجو ألا يكون هذا الأمر قد قلل من حبك أو احترامك لوالدك .. .. لا أحد يعرف ظروفه !

-       لا يا جدو .. .. بابا تزوج .. .. وأمي على قيد الحياة؛ كانت مريضة؛ وراقدة في السرير؛ فوجئنا به يدخل علينا؛ وفي يده هذه المرأة؛ ويقول لنا أنها زوجته؛ وأمرني أنا وأمي المريضة بأن نخدمها! ماما لم تتحمَّل الصدمة؛ وماتت بحسرتها؛ ماتت من الذل والقهر؛ أما أنا فكل يوم أتمنى الموت حتى أستريح من العذاب الذي أعيش فيه!

نهران من الدموع سالا من عينيها؛ حاولت ْ أن تتماسك؛ لكنها لم تستطع؛ أخرجت ُ منديلا وبدأت أمسح دموعها؛ وددت لو أضمها إلى صدري؛ وأربت على كتفها؛ حتى أخفف عنها ما تجد؛  لولا وجه الأفعى الذي كان يظهر ثم يخنس في مرآة التسريحة!

       حاولت أن تبتسم؛ وهي تقول لي:

-       آسفة يا جدو .. .. أنا وجعت قلبك بحكايتي !

-       ماذا تقولين .. .. يا روحي .. .. أنا أعتبرك مثل " نهى " ؛ وأريدك أن تعتبريني مثلما تقولين جدك !

       قلت هذه الكلمة؛ وإذ بدمعة كبيرة تنساب فوق خدي؛ لا أعرف كيف أفلتت من قبضة جفوني؛ مسحتها سريعا بيدي؛ في نفس اللحظة التي عادت فيها حفيدتي؛ فاستأنفت الفتاتان مذاكرتهما؛ وابتعدت عنهما حتى لا أشتت انتباههما؛ وجلست على الكنبة متأثرا حزينا أفكر فيما سمعته! بعد قليل سمعت صوت الداهية تنادي :

-       يا " نهى " !

-       نعم يا ماما !

-       اذهبي يا حبيبة ماما .. .. وأحضري هذه الأشياء !

-       يا ماما أنا عندي مذاكرة .. .. ولا يصح أن أترك " سلوى " وحدها !

-       لا تقلقي .. .. جدو حبيبك سوف يجلس معها حتى تعودي؛ اذهبي وأحضري ما كتبته لك في هذه الورقة؛ حتى لا أتأخر في تجهيز الغداء !

-       حاضر يا ماما .. .. أمري لله !

-       نادي على جدك يدخل يونس صاحبتك .. .. لأني مشغولة في المطبخ ّ!

 وبالفعل عدت إليها؛ فإذا بها تبتسم ابتسامة حزينة؛ رغم شلال السعادة الذي كان يغمرني لمجرد جلوسي معها؛ ورؤيتها؛ وسماع صوتها؛ إلا أنني كنت حزينا جدا من أجلها؛ وكنت متشوقا أكثر لمعرفة المزيد عنها؛ فبادرتها قائلا :

-       كل شيء يولد صغيرا ثم يكبر، إلا المصائب فإنها تولد كبيرة ثم تصغر! وأنا بحكم سني وخبرتي في الحياة؛ أقول لك لا تتركي الدراسة مهما حدث؛ التعليم هو سلاحك في الحياة .. .. و لا تيأسي .. .. وإذا احتجت أي شيء.. .. أي شيء .. .. اطلبيه مني .. .. لا تترددي !

-       الحقيقة يا جدو الكلام معك جعلني أشعر براحة كبيرة .. .. من يوم موت ماما .. .. الله يرحمها .. .. كانت هي الوحيدة التي أستطيع أن أحكي لها كل شيء!

-       الله يرحمها .. .. اعتبريني ماما .. .. المهم فضفضي؛ حتى لا يستولي عليك الهم واليأس!

غمرتني السعادة؛ وأنا أرى وجهها يبتسم ابتسامة أنارت وجهها حتى بدا كوجه البدر ليلة التمام، ويبدو أن حفيدتي كانت قد عادت؛ فقد سمعنا أمها تقول بلهجة تملأها الدهشة :

-       هل أحضرت ِ كل المكتوب في الورقة !

-       المكتوب كله يا ماما .. .. أرجوك ِ .. .. أتوسل إليك ِ ممكن أذاكر ؟!

ثم وجدتها توجه الكلام لي ، وتقول :

-       ممكن يا جدو لو سمحت .. .. مرت ساعة .. .. ولم نذاكر أي شيء أنا و" سلوى" !

-       طبعا يا قلب جدو .. .. طبعا يا روحي !

   لم أكن في حاجة إلى من يذكرني بأنني هرمت، فأنا منذ عشرين سنة أعددت كفني؛ واحتفظت به في خزانة ملابسي! وقسَّمت تركتي بين أولادي وبناتي؛ حتى لا تضيع حقوق البنات كما هو سائد في هذه الأيام! ونذرت نفسي للذكر والعبادة!

    منذ عشرين سنة وأنا أتهيأ للرحيل غير طامع في يوم آخر أو حتى ساعة زيادة على العمر المقدَّر لي !

     لكن بعد رؤية " سلوى " ؛ أصبحت ُلا أتقبل فكرة الرحيل! انقلبت حياتي كلها رأسا على عقب! لا أدري ماذا حدث لي؛ أصبحت أقضي الليالي ساهرا متحيرا أتساءل :

-       أتكون امرأة ابني قد عملت لي سحراً؛ حتى أفتن بهذه الصبية؛ وأنا في ذلك العمر؟! ماذا سيقول عني أولادي وأحفادي ؟!

مرَّت أسابيع وشهور وأنا أتقلَّب بين الثلج والجمر؛ الدقائق التي أقضيها مع " سلوى " أشعر وكأني أتنعم في الجنة؛ والساعات الطوال التي تمر من عمري، وهي بعيدة عني أشعر وكأني أتعذب في الجحيم!

       حتى جاء اليوم الذي كنت أخشاه، لأول مرة منذ وفاة زوجتي، يجتمع أولادي وبناتي كلهم؛ أولادي الأربعة؛ وبناتي الثلاث! عرفت فيما بعد أن دواهي .. .. أقصد الملعونة امرأة ابني؛ هي التي جمعتهم في شقتها! كان من الطبيعي أن أفرح لا سيما عندما رأيت ابني الأكبر الذي عاد من السفر لا أعرف كيف! وأنا الذي كنت ألح عليه، وأتوسل إليه أن يأتي لأراه؛ وأرى أولاده قبل أن أموت؛ وكان كل مرة يتحجج بشغله في البلد العربي الذي يبعد آلاف الأميال! ورأيت ابنتي الطبيبة زوجة المهندس التي آثرت أن تعيش مع زوجها في الوادي الجديد! كيف حضرت بهذه السرعة؟! وأنا الذي كنت أترجاها أن تحضر لأراها هي والأولاد قبل أن أموت! وكانت تتحجج بأنها لا يمكن أن تترك زوجها وأولادها وحدهم في هذه المحافظة النائية!

       لم أصدق عيني َّ وأنا أرى أولادي وبناتي كلهم حولي؛ كدت أطير من الفرح، وكنت أريد أن أحتضنهم جميعا ؛ لكن نظرات دواهي الشامتة وأدت فرحتي قبل أن تكتمل! كانت تمرر عليهم هاتفها؛ تلك الملعونة ماذا تريهم ؟! مشاعر كثيرة متضاربة كانت تعتريني في هذا الموقف العجيب الذي لم أعد له عدته! أقبلتُ على ابني الأكبر- الذي عاد من بعد غياب – لأحتضنه؛ فما كان منه إلا أن قطب ما بين حاجبيه؛ وقال لي مستنكرا، وهو يريني صورا على الهاتف المحمول:

-       ما هذا .. .. من هذه .. .. ماذا يحدث ؟!

-       ماذا حدث يا بني .. .. وما الغريب في هذه الصور .. .. إنها صديقة " نهى " .. .. وأنا أعتبرها مثل " نهي " .. .. أعاملها كحفيدتي !

سمعت دواهي الملعونة تقول؛ وقد ثقبت كلماتها المسمومة طبلتا أذني َّ الضعيفتين :

-       صحيح .. .. الشيبة عيبة !

انتظرت أن يرد عليها أحد أبنائي أو إحدى بناتي! ولكن يبدو أنها كانت قد جندتهم جميعا في صفها، ثم فوجئت بابنتي الطبيبة تظهر لي دفتر مذكراتي؛ وتفتحه وتقرأ بعض السطور! ثم تقول لي مستنكرة :

-       معقول يا بابا .. .. تقول هذا الكلام .. .. إنني لا أصدق .. .. تحب بنتا من سن أحفادك ! أكيد أنت .. .. لا أستطيع أن أقولها !

كنت أريد أن أصرخ؛ وأسألها:

-       من أذن لك بأن تأخذي هذا الدفتر .. .. كيف تسرقينه من تحت وسادتي ؟!

لكن قبل أن أفتح فمي؛ فاجأني أصغر أولادي؛ آخر العنقود؛ الذي دللته، لدرجة أنه كان يركب على ظهري، وكأنني حمار؛ سن َّ لسانه ، وذبح به كرامتي وكبريائي، وهو يقول :

-       لماذا لا تستطيعين قولها .. .. قوليها لعله يعود إلى رشده قبل أن يفضحنا.. .. قولي له إنه فقد عقله .. .. إنه جن .. .. أصابه الخرف .. .. والله العظيم المفروض نحجر عليه.. .. أفعاله الصبيانية هذه ممكن تدمرنا وتقضي علينا!

انفجرت فيهم بكل ما تبقى فيَّ من قوة، وصحت فيهم بأعلى صوتي :

-       تحجروا علي َّ .. ..  لقد وزعت عليكم ثروتي كلها .. .. على أي شيء ستحجرون ؟!

على قلبي .. .. لا .. .. لن أسمح لكم أن تحجروا على قلبي؛ أنا ضحيت من أجلكم بكل شيء .. .. ضيَّعت عمري كله عليكم .. .. مالي ؛ بيوتي؛ محلاتي .. .. كل شيء .. .. لم يبق لي إلا .. .. إلا .. ..

       فجأة أظلمت الدنيا في عيني َّ، وعندما عاد الضوء، تغيَّرت الوجوه، لم أعد أرى وجوه أولادي أو بناتي! فقط وجوه فتيات صغيرات مثل " سلوى "! كلهن يرتدين ثيابا بيضاء!

       إحداهن اقتربت من وجهي؛ حتى شعرت بأنفاسها الدافئة تداعب أنفاسي المتقطعة! ثم مرَّرَت أناملها الناعمة كالديباج على عنقي؛ سمعتها تقول لزميلتها :

-       ليس أمامي إلا أن أركبها في رقبته !

-       إلى هذه الدرجة عروقه ناشفة .. .. ليس فيها دماء .. .. أكيد من قلة الأكل؛ يبدو أن لا أحد يهتم به !

بعد أن ركبت ( الكانولا ) في رقبتي، انصرفت هي وزميلتها، لم أسأل أين أنا، ولم أهتم بمعرفة ما حدث لي، فما رأيته في منامي كان كفيلا بأن ينسيني كل شيء! لم يكن وجه سلوى، بل كان وجه زوجتي الثانية؛ العاقر؛ أو التي كنت أظنها – بجهلي – عاقرا ! يا للعجب كيف لم أنتبه لهذا الشبه الكبير بينها وبين سلوى! لكأنها هي ! ليتني لم أطلقها! كانت تحبني لدرجة أنها قالت ، وهي تتوسل لي حتى لا أطلقها :

-       تزوج كما تحب .. .. لكن أرجوك لا تطلقني .. .. وسوف أعيش خادمة لك ولمن ستتزوجها !

كانت تحبني؛ وكان ردي على حبها أنني طلقتها؛ وكسرت قلبها، إنني أستحق أكثر مما أنا فيه الآن!

تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط

2  /  9  /  2020  م

 

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...