الأربعاء، 17 يونيو 2020

كرنب زبادي

قصة قصيرة بعنوان  ( كرنب زبادي )

           هل كانت أبواب السماء مفتوحة على مصراعيها منذ الأمس تساءل وهو يتجه إلى موقف الميكروباص ,         إنه لم ينم دقيقة واحدة , لم يغمض له جفن في تلك الليلة الفائتة , والسماء أيضا لم يُغلق لها باب , فالأمطار تهطل بغزارة , حتى أن الشوارع تحولت إلى برك كبيرة من الماء .

           وبينما كان يقفز من رصيف إلى آخر , متجنبا السقوط في إحدى هذه البرك , تساءل مرة أخرى , لماذا لا تطاوعه عيناه فتسكبان ما يحتبس فيهما من دموع راكدة , فيستريح إذا انخرط في البكاء ! مرت ملاكي مسرعة بجانبه فدفعت بكمية كبيرة من المياه الموحلة تجاهه فأغرقت ملا بسه ابتسم وقلبه يبكي , فملابسه مبتلة بالفعل من المطر الذي لا يتوقف لكنها الآن أصبحت أيضا متسخة مما علق بها من الطين والوحل . توقف لحظة , وهم ّ بأن يعود إلى بيته , لكنه لم يستطع , فاليوم سوف يتحدد مصيره , إنه يوم الفصل بالنسبة له , ربما يفصلونه من عمله كمدرس !

          وهو يدلف من باب الميكروباص علق جيب الجاكت الجلد في أكرة الباب فتمزق شر ممزق وتشوه منظر الجاكت , كاد يصرخ متحسرا , فليس لديه إلا هذا اليتيم , لقد اشتراه بنصف راتبه الشهري تقريبا ! أراد أن يرفع وجهه وينظر نحو السماء فمنعه المطر المتساقط بغزارة , هم بالرجوع للمرة الثانية فلم يستطع ! تذكر دعوات أمه وزوجته , وابنه الصغير الذي دعا له في مقابل أن يعود إليه بقطعة كبيرة من الشيكولاتة المغلفة , فهدأ قليلا ,وارتمى فوق أحد مقاعد الميكروباص

          أغمض عينيه لحظة , لينسى المصيبة التي حاقت به , فوجئ بأنه لا يزال يرى ما حوله , وفاجأه أكثر أنه وجد أن  كل من في الميكروباص من هيئة التدريس في المدرسة ! أخذ يدعك عينيه وهو يقول بذهول : ــ من المؤكد أنني أحلم  !! التفت إليه الجالس عن يمينه قائلا : ــ لا , أنت لست في حلم يا " جودة "   كلنا معك , لن نتخلى عنك , فأنت معلم مثالي , قدوة يُحتذى بها , قضيت عمرك الوظيفي تغرس القيم والأخلاق والمُثل العليا , بنيت للبلد أهراما من الشباب المتحمس لخدمته , ولم تبن ِ لنفسك أو لأولادك دارا , كان بمقدورك أن تجني الكثير من الأموال مثل غيرك , لكنك كنت من النزاهة والشرف بحيث لم تقبل يوما أن يدخل جيبك مليم من الحرام .

         ضحك الجالس عن شماله , وقال : ــ كفاك يا عم ,هذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر , هي النزاهة أو الشرف ينفعوا في هذه الأيام ! ليتك يا  " جودة "  سمعت نصيحتي , ياما قلت لك الحجر الداير لا بد عن لطه , كلما كان شغلك قليل كلما قلت أخطاؤك , حبكت يعني تشد الولد من دراعه عشان قال في تحية العلم كرنب زبادي لك حبي وفؤادي ! لسوء حظك الولد طلع عامل عملية في دراعه من كام يوم  ..     ضيعت نفسك , ودمرت مستقبلك .. ..

        قاطعه وهو يقول مدافعا عن نفسه : ــ أعرف منين إنه كان عامل عملية في دراعه .. وبعدين هو أخطأ و كان لا بد من عقابه .. .. وأنا كنت أحاول لفت انتباهه فقط ! انت عارف أكيد إن تحية العلم واجب مقدس ! أنا كنت عاوز أعرّفه إن عَلم بلدنا ليس مجرد قطعة من القماش الملون , هذا العلم هو رمز هذه الأمة استشهد في سبيله آلاف الأبطال, وسالت من أجله أنهار من الدماء الطاهرة إن لم نعلمهم نحن ُ هذا فمن سيعلمهم ؟!

        صكت أذنيه ضحكات السائق , كان الصوت مألوفا له , قال بلا تردد , حتى قبل أن يلتفت إليه , ويرى وجهه المكتنز ورقبته الممتلئة : ــ حضرة المدير !!

   ومن العجيب أن الميكروباص ظل يقطع الطريق وكأنه يطير فوق الأرض ,ولم يتوقف رغم أن السائق ترك  عجلة    القيادة والتفت بكامل جسده نحو " جودة " وكأنه يجلس علي كرسي دوّار قال وهو لا يزال يضحك : ــ يا   " جودة " هذا الكلام ينفع يكون قطعة إملاء أو موضوع إنشا لكنه لا ينفع يطعم فم أو يملأ معدة .. .. التفت قليلا   لمصلحتك و مصلحة أولادك الذين سيتشردون لو تم فصلك ! يا رجل كان أجدر بك في مثل هذه الظروف المنيلة تسمع كلامي وتقبض ال كام ألف جنيه , يجرى إيه لو نجّحت ابن الشرنؤوبي , المبلغ الكبير اللي عرَضه عليك كان نفعك الآن ! . صرخ معترضا : ــ ينجح ازاي وهو لا يعرف يقرأ ولا يعرف يكتب !. ارتفع صوت المدير أكثر وهو يقول : ــ يا  " جودة "  الورق ورقنا , والدفاتر دفاترنا , على أي حال زميلك , قام بالواجب كله وقبض , مش كنت أنت أولى  .. مش كان أولادك أحق  ؟!     قال بعصبية شديدة : ــ لا ..  أنا مستحيل أقبض رشوة .. الموت أهون عندي ..الموت أهون .. ..

         توقف الميكروباص فجأة , فاندفع جسده بقوة للأمام فاصطدم بظهر المقعد الذي أمامه , انتفض كأنما لدغته أفعى , فوجئ وهو يفتح عينيه بأنه كان يحلم , كان يرتعش من شِدة البرد , نزل أمام باب مبنى المحافظة وعندما أراد أن يدخل استوقفه الحرس ظنوه أحد المتشردين !  أخرج لهم بطاقة إثبات شخصيته , والخطاب الذي استلمه بالأمس وفيه أمر ٌ واضح ٌ له بالمثول بين يدي المحافظ اليوم , وفي هذه الساعة  .

         بعد أكثر من ساعتين وجد نفسه يقف أمام سكرتير المحافظ , الذي كان رجلا مهيبا , يبدو عليه الوقار والاحترام , لاحظ , أن الرجل يوقع الكثير من الأوراق كان يوقع أكثر مما يتكلم ! مر الوقت ثقيلا على "جودة " كاد يتجمد من البرد وهو يقف كالجندي الذي ينتظر الأمر من قائده بالانصراف , لم يستطع أن يفتح فيه ِ بكلمة , إنه ينتظر حُكما سوف يحدد مصيره ومصير أسرته , إذا تم رفده فماذا سيفعل ؟ ! في أي مهنة سيشتغل ؟ إنه لا يعرف إلا التدريس , ولا يرى نفسه في صورة أخرى غير هذه الصورة , في لحظة فاصلة شعر أنه سيسقط على الأرض من شدة الإعياء , ومن العجيب أنه شعر بعدها مباشرة بشيء يتدفق في عروقه بعث فيها الدفء وجعله يشعر بقوة لم يشعر بها من قبل , ربما كان بعض الأدرينالين , ربما كان غيظه من هؤلاء الذين لا يشعرون به ويرون ما قام به من عمل ٍ صالح ٍ جريمة ً نكراء , هم بأن يتكلم ويدافع عن نفسه بكل ما أوتي من قوة , ولكنه فوجئ بسكرتير المحافظ يقوم من مكانه ويتوجه إليه , وفوجئ به يربت على كتفه ويقول له بنبرة اختلطت برأسه وعظامه : ــ أنت المدرس الذي غار على علم بلاده ؟! أنت رجل نادر يا أستاذ " جودة "   فعلا فقلما نرى رجلا يضحي بعمله من أجل بلده , تحية العلم أمن قومي أنت عملت عمل بطولي وأحب أطمئنك إن كل الجزاءات التي لحقت بك من وكيل الوزارة ومدير الإدارة والشئون القانونية تم إلغاؤها خصوصا بعد أن تبين من التحقيقات أن التقرير الطبي ــ الخاص بالتلميذ المسيء للعلم ــ ملفق , وأهل الولد دفعوا رشوة للحصول عليه .. .. يا أستاذ , أبشرك أن معالي السيد المحافظ قرر صرف مكافأة مالية ــ لك ــ قدرها ثلاث شهور , كما سيتم تكريمك في الحفل السنوي الذي تقيمه المحافظة .

         لم يصدق الأستاذ " جودة " نفسه وهو يخرج من مبنى المحافظة , أحس أنه يكاد يطير فرحا , تذكر أمه وزوجته وابنه الصغير , قرر أن يجعل لكل منهم شهرا كاملا من هذه المكافأة , هذه هي قسمة الحق , قال لنفسه بصوت مسموع : ــ لن أدخل الكرنب أو الزبادي بيتي لمدة ثلاث شهور !!

 تأليف / متولي محمد متولي بصل

دمياط


 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...